الجذور الاجتماعية والاقتصادية للتطرف الصهيوني
عدد القراءات : 694

يحاول البعض حصر أسباب التطرف الصهيوني، الذي تجاوز مرحلة الترف في الخلفية الدينية والجانب الأيدلوجي والعامل الحزبي، وهذا يعد اجتزاءً للحقيقة، لا يساعد على سبر أغوار الموقف الصهيوني، ويحد من القدرة على بناء تصورات واقعية إزاء السلوك الصهيوني بشكل عام.

إن نظرة متفحصة تدلل على أن تأثير الاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية والإستراتيجية يمكن أن يفوق تأثير الاعتبارات الأيدلوجية والدينية والحزبية.

إن اندفاع المجتمع الصهيوني نحو التطرف هو في الواقع نتاج التحولات الديموغرافية والإثنية والطبقية وبفعل تداعيات العقيدة الأمنية التي تحكم الكيان، لقد خدمت هذه التحولات بشكل واضح اليمين واليمين المتطرف في إسرائيل، فلأن متوسط عدد الولادات للمرأة اليهودية المتدينة يبلغ ثماني ولادات، فقد تعاظم الثقل الديموغرافي للمتدينين في المجتمع الصهيوني بشكل كبير، ومن نافلة القول أن المتدينين يتبنون المواقف الأيدلوجية الأكثر تطرفاً من الصراع متأثرين بالموروث الديني اليهودي.

العامل الاقتصادي

إن هناك ارتباط بين العامل الديموغرافي والاقتصادي في دعم التوجهات المتطرفة للمجتمع الصهيوني، فعلى سبيل المثال، أحد أهم الأسباب التي دفعت أتباع التيار الديني الأرثوذكسي (الحريدي)، الذين لم يبدو في الماضي اهتماماً بالصراع مع الشعب الفلسطيني، لتغيير موقفهم، وإبداء اهتمام بهذا الصراع، حقيقة اكتشافهم المزايا الاقتصادية الهائلة للاحتفاظ بالأراضي الفلسطينية المحتلة، فقد حرص أتباع التيار الديني الحريدي على استغلال المزايا الاقتصادية الهائلة التي تمنحها الحكومات الصهيونية للمستوطنين اليهود في أرجاء الضفة الغربية والقدس المحتلة فعمدوا للانتقال للإقامة في المستوطنات لاستغلال هذه المزايا من جانب، والتمتع بظروف حياة منعزلة كما تحبذ المرجعيات الدينية لهذا التيار.

لكن دور العامل الاقتصادي في دفع الصهاينة للتشبث بالأراضي المحتلة، لا يقتصر على المتدينين، بل يتعداه إلى عموم الصهاينة، لقد دفعت الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها " إسرائيل " وارتفاع أسعار السكن تحديداً في المدن الكبرى الكثير من الأزواج الشابة من العلمانيين للتوجه للإقامة في المستوطنات اليهودية المقامة على الأراضي المحتلة، حيث يتم امتلاك الشقق السكنية في ظروف ميسرة جداً، علاوة على تمتع هؤلاء بحوافز اقتصادية تقدمها الحكومات الإسرائيلية، ونظراً لأن التحسن في ظروف حياة هؤلاء ارتبط بالانتقال للمستوطنات المقاومة على الأراضي التي احتلت عام 1967، فإنهم يرفضون أي تسوية يمكن أن تهدد بقاء التحسن في ظروف حياتهم، وهذا يزيد من رصيد الأحزاب اليمينية المتطرفة.

العامل العرقي

مما لا شك فيه أنه قد حدثت زيادة في ثقل القطاعات العرقية التي تتضامن بشكل تقليدي مع أطروحات اليمين، مثل المهاجرين الجدد من الدول التي كانت تشكل الاتحاد السوفياتي، الذين يشكلون لوحدهم 20% من عموم المستوطنين. فمن المعروف أن اليهود الذين هاجروا من الدول التي كانت تشكل الاتحاد السوفياتي يمتازون بتبنيهم المواقف اليمينية المتطرفة تجاه العرب بشكل عام، ونظراً لأنه قد حدث تحول كبير على ثقل هؤلاء المهاجرين في أعقاب موجات الهجرة الضخمة من الاتحاد السوفياتي قبيل وأثناء وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي إلى " إسرائيل "، فقد زادت نسبة هؤلاء المهاجرين، وباتوا يشكلون قطاعاً آخر من القطاعات التي تؤيد اليمين المتطرف وتتبنى مواقفه، وما ينطبق على المهاجرين اليهود من الدول التي كانت تشكل الاتحاد السوفياتي، ينطبق على اليهود الشرقيين، الذين يشكلون أكثر من 40% من اليهود في " إسرائيل "، وهؤلاء معروفون بعدائهم الشديد أيضاً للعرب، ويعتبرون وقود للأحزاب اليمينية المتطرفة، وعند الحديث عن تطرف الشرقيين لا يمكن تجاهل تأثير العام الاقتصادي أيضاً، فمن المعروف أن ما يعرف بـ " مدن التطوير "، التي أقيمت في أطراف الكيان الصهيوني وتمثل معاقل الشرقيين، هي مدن تعيش في ضائقة اقتصادية خانقة، مقارنة بالمدن الصهيونية الأكبر، لذا، فقد وجدت قطاعات من الشرقيين في الاستيطان في الضفة الغربية والقدس حلاً لمشاكلها الاقتصادية، وهذا ما كرس توجهات هذه القطاعات المتطرفة من الصراع.

العامل الاجتماعي

لقد تمت إعادة صياغة النخبة في " إسرائيل "، وعلى وجه الخصوص النخبة الأمنية، والنخبة الإعلامية بشكل يخدم خطاب اليمين الصهيوني ومواقفه من التسوية، ففي العقدين الأخيرين كثف المتدينون القوميون من اختراقهم للجيش، فعلى سبيل المثال، أصبحت نسبة الضباط من التيار الديني القومي تمثل 60% من الضباط، وهي نسبة تفوق أربعة أضعاف نسبتهم في المجتمع، وإذا عرفنا أن الجيش هو المسؤول عن تقديم التقديرات الاستراتيجية المهنية، التي على أساسها يتم اتخاذ القرار السياسي، علاوة على ذلك، فإن هؤلاء الجنرالات يصبحون بعد تقاعدهم النجوم التي تتنافس الأحزاب على استمالتها، وما ينطبق على النخبة الأمنية ينطبق على النخبة الإعلامية، حيث أن رجال الأعمال المتضامنين مع اليمين أصبحوا يديرون أهم وسائل الإعلام في إسرائيل، لقد رفد هذا التحول بشكل كبير الخطاب اليميني وساعد على تقبل الرأي العام الصهيوني له بشكل واضح، علاوة على أن هذا التحول مكن المتدينين من التأثير على دوائر صنع القرار في الكيان الصهيوني بشكل أكبر بكثير من ثقلهم الديموغرافي، إن أحد أهم مظاهر تأثيرات هذا التحول هو تنامي تأثير النخب اليمينية في الحلبة الإعلامية، حيث بات الكثير من الصحافيين والمعلقين والكتاب هم من أتباع التيار الديني، وهذا ما أسهم في إحداث تحولات على مواقف الطبقة الوسطى في الكيان الصهيوني من الصراع، مع العلم أن المنتمين لهذه الطبقة كانوا دوماً الأكثر " اعتدلاً " مقارنة بالقطاعات الأخرى، وكانت النتيجة أن حدث تحول على أنماط تصويت أبناء الطبقة الوسطى في الانتخابات، فانتقلوا من التصويت ليسار الوسط واليسار إلى التصويت ليمين الوسط؛ لأن هؤلاء قبلوا نظرية انعدام وجود الشريك الفلسطيني "، التي روج لها الإعلاميون المتدينون.

القيود التي تفرضها العقيدة الأمنية الصهيونية

وحتى لو استثنينا العوامل، التي تمت الإشارة إليها سابقاً، فإن العقيدة الأمنية الإسرائيلية التي هي محور إجماع بين مركبات الطيف السياسي والحزبي الصهيوني تفرض قيوداً على التجاوب مع مشاريع التسوية. فهذه العقيدة تنص على أن "إسرائيل" لا يمكنها الاستغناء عن العمق الإستراتيجي التي تمثله الضفة الغربية، والذي يحمي حسب الرؤية الصهيونية حواضر الساحل في الكيان الصهيوني: تل أبيب والمدن الأخرى التي تضم التجمعات السكانية والصناعية الكبرى، لقد أدت العقيدة الأمنية التي تمثل إجماعاً للأحزاب الصهيونية يمينية ويسارية عملياً إلى تآكل الفروق الأيدلوجية بين الطرفين، فعلى سبيل المثال، يرى حزب العمل أن أية تسوية سياسية للصراع يجب أن تضمن احتفاظ إسرائيل بمنطقة غور الأردن والتجمعات الاستيطانية الكبيرة وما يسمى بالقدس الكبرى، وهذه المناطق جميعاً تشكل حوالي 55% من مساحة الضفة الغربية، إلى جانب رفض الحزب حق العودة ومنح أي من مقومات السيادة لأي كيان فلسطيني يتشكل بعد التسوية، وهذا يعني أن الحد الأقصى من التنازلات الإسرائيلية لا يلتقي مع الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية، ولا حاجة للتذكير بأن حزب العمل يدعي تمثيل "معسكر السلام الإسرائيلي"

تفريط السلطة

وإلى جانب العوامل الداخلية، لا يمكن العوامل الخارجية، وعلى رأسها سلوك السلطة الفلسطينية، إن من دواعي تطرف الصهاينة هو استعداد قيادة السلطة الفلسطينية للتفريط بالحقوق الوطنية، فرئيس السلطة محمود عباس يعتقد أن إبداءه المزيد من التنازلات وتعبيره عن مدى الالتزام بتحقيق التسوية مع الصهاينة سيؤدي إلى إقناعهم بإبداء مرونة على مواقفهم.

إن ما يتجاهله عباس هو حقيقة أن التفريط بالحقوق يغري الصهاينة بطرح مزيد من الإملاءات، فعلى سبيل المثال خلال لقائه مؤخراً بوفد يمثل حزب العمل برئاسة زعيمه الجديد إسحاق هيرتزوع، فوجئ ضيوف عباس الصهاينة بمدى مرونته، كما قال الجنرال عومر بارليف، عضو الكنيست عن حزب العمل، فحسب بارليف فإن عباس لم يبدو اهتماماً خاصاً بمسألة اللاجئين والقدس والحدود، وكان مستعداً للموافقة على نزع الكيان الفلسطيني المستقبلي من السلاح.

اللافت أن بارليف امتنع عن الكشف عن جوانب أخرى تعكس مظاهر " مرونة " عباس خشية أن يتم إحراجه.

المفارقة: أن هذه التنازلات لم تكف حتى زعيم حزب العمل، الذي يقدم نفسه كزعيم "معسكر السلام" الصهيوني، حيث أن هيرتزوغ يطالب عباس أولاً بإخضاع حماس والقضاء عليها أو على الأقل إجبارها على التوقف عن التشبث بالثوابت الفلسطينية، من هنا فقد امتدح هيرتزوغ الدور الذي يقوم به زعيم الانقلاب في مصر عبد الفتاح السيسي في الضغط على حركة حماس ومحاصرتها، معتبراً أن هذا السلوك يسهم في توفير الأرضية للتوصل لتسوية سياسية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي تخدم المصالح الإسرائيلية.

ويؤكد هيرتزوغ أنه لا يمكن التوصل لتسوية سياسية طالما ظلت حركة حماس متمسكة بمواقفها الحالية، منوهاً إلى أن تحقيق التسوية يتطلب أولاً حسم التمثيل الفلسطيني في كل الأماكن التي يتواجد فيه الفلسطينيون، وضمنها قطاع غزة والشتات، هذا في الوقت الذي يعلن فيه وزير الإسكان الصهيوني أوري أرئيل أنه قد أعدد مخططات لمشاريع استيطانية في أرجاء الضفة الغربية والقدس تستمر على امتداد الخمسين سنة القادمة، ويؤكد أرئيل، الذي ينتمي لحزب "البيت اليهودي" الديني أنه يصر على طرح هذه المخططات رغم الظروف الحساسة التي تمر بها إسرائيل، ويبرر نفتالي بنت وزير الاقتصاد وزعيم حزب " البيت اليهودي " مخططات أرئيل، قائلاً: إن إسرائيل ستضم في أية تسوية مستقبلية مناطق "ج"، التي تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية، منوهاً إلى أن المشاريع الاستيطانية ستقام فوق هذه المنطقة، وقد أضعف الانقسام الفلسطيني المعيب الموقف الفلسطيني ومكن إسرائيل من المناورة وتسويغ عدم استعدادها للوفاء بمتطلبات التسوية، بالقول أن التوقيع على تسوية مع عباس مخاطره؛ لأنه لا يمثل كل الفلسطينيين، وقد عبر عن هذا الموقف بشكل واضح وزير الخارجية الصهيوني أفيغدور ليبرمان.

تأثير الثورات العربية

أثرت ثورات الربيع العربي على التعاطي الإسرائيلي للتسوية في مستويين:

1- منح صدقية لدعاوي اليمين الإسرائيلي ضد التسوية، حيث أن اليمين الإسرائيلي رأي في الإطاحة بالأنظمة العربية الاستبدادية وصعود الإسلاميين دليل على صدقية مواقفه الرافضة للانسحاب من الأراضي المحتلة مقابل تسويات سياسية، بزعم أن إسرائيل لا يمكنها التفريط في أوراقها الاستراتيجية مقابل تسويات مع أنظمة غير مضمونة الاستقرار، فعلى سبيل المثال، هناك حالة من الرضا التام لأن المحاولات للتوصل لتسوية سياسية للصراع مع سوريا لم تنجح على الرغم من أنها كانت قاب قوسين أو أدنى.

2- ولقد ارتأت النخب الحاكمة في تل أبيب أن الثورات العربية تفرض على إسرائيل إعادة بلورة سلم أولوياتها من جديد، بحيث يتم منح أفضلية للسعي لتعزيز القوة العسكرية، وما يتطلبه ذلك من زيادة موازنة الأمن على حساب الموازنات الأخرى، وإعادة بناء الجيش وإعادة الاعتبار لقيادة المنطقة الجنوبية، التي يفترض أن تتحمل عبء أية مواجهة عسكرية على الحدود مع مصر مستقبلاً، وتبني سياسات تقشفية على الصعيد الاقتصادي تسمح للدولة بالوفاء بهذه المتطلبات.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل السلوك الدولي، الذي شجع إسرائيل على مواصلة خط التطرف، فإسرائيل تدرك أنها لن تدفع عملياً ثمن مقابل موقفها من تسوية الصراع، فالرئيس أوباما تراجع عن كل ما عرضه في الخطاب في جامعة القاهرة، بل أنه مؤخراً ويا للمفارقة بات يحمل عباس المسؤولية عن الجمود في عملية التسوية. وما ينطبق على الولايات المتحدة ينطبق على الأوروبيين.

قصارى القول، إن الإحاطة بمجمل العوامل التي تؤسس للتطرف الصهيوني تجعلنا نصل إلى قناعة مفادها:يستحيل التوصل لتسوية سياسية للصراع مع هؤلاء.                  

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة