دواعي القلق الصهيوني على مستقبل الانقلاب
عدد القراءات : 494

على الرغم من أن القادة الصهاينة يجاهرون بحقيقة أن كيانهم هو أكثر الأطراف استفادة من الانقلاب العسكري في مصر، إلا إنهم في المقابل يبدون قلقاً هائلاً إزاء فرص نجاحه، ويشككون في قدرة السيسي على تثبيت أركان حكمه، وهذا يعني أن "إسرائيل" باتت تأخذ بعين الاعتبار إمكانية انهيار منظومة الانقلاب.

ولقد باتت محافل التقدير الاستراتيجي في الكيان الصهيوني ترفع صوتها في التعبير عن القلق على مصير الانقلاب، وقد وصل الأمر إلى حد أن الجنرال عاموس يادلين، الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية الصهيونية المعروفة بـ " أمان " قد توقع أن يشهد عام 2014 إما سقوط الانقلاب، أو حدوث تطورات تفضي إلى سقوطه، فحسب يادلين، فأنه يكاد من المستحيل أن يقبل المصريون الذين ثاروا ضد مبارك وخلعوه أن يسلموا ببقاء " الديكتاتورية العسكرية "، التي يحاول السيسي تثبيت أركانها، مشيراً إلى أن العداء لجماعة الإخوان المسلمين: "لن يكون سبباً كافياً لإقناع المصريين بالصمت على حكم عسكري"، وفي تحليل استشرافي للبيئة الاستراتيجية الإسرائيلية خلال عام 2014، توقع يادلين أن تفشل " الديكتاتورية العسكرية " في مصر، مشيراً إلى أن "تعاظم وعي الجماهير بحقوقها، وتحررها من حالة الخوف والرعب لا تسمح بعودة الأمور إلى نقطة الصفر، وتقبل المصريين مجدداً العيش تحت كنف العسكر "، على حد تعبيره. وسرعان ما يصل يادلين إلى مبتغاه من إثارة هذه النقطة، حيث يشير إلى أن "إسرائيل" ستتعرض لمخاطر كبيرة جراء سقوط الانقلاب أو ضعف مؤسساته، وحسب يادلين، فأن الرفض الجماهيري لحكم العسكر في مصر سيفضي إلى حالة عدم استقرار تقلص قدرة الدولة على فرض سيطرتها على سيناء، مما يعني زيادة فرص استهداف " إسرائيل " من قبل " تنظيمات الجهاد العالمي"، ولم يفت يادلين، الذي يرأس " مركز أبحاث الأمن القومي"، الذي يعتبر أهم مركز تفكير استراتيجي في " إسرائيل "، التذكير بأن الانقلاب الذي قاده السيسي، ونجاح نظام الأسد في البقاء جعل عام 2013 مثلا نقطة تحول فارقة نحو تراجع التهديدات الاستراتيجية التي تراكمت أمام "إسرائيل" مع اندلاع ثورات الربيع العربي، وإن كان الكيان الصهيوني معني جداً بإضعاف الجيش المصري وقدراته الحربية وإمكانياته القتالية، إلا إنه في المقابل معني بأن يواصل قادة الجيش الاحتفاظ بمواطن النفوذ في مصر.

فحسب يادلين، فإن الجيش المصري يعتبر أكثر المؤسسات قرباً من دوائر صنع القرار في تل أبيب وأكثر استعداداً للتجاوب مع المطالب الصهيونية، أي أن عودة الجيش المصري للعب الدور الرئيس في مصر يمثل مصلحة كبيرة لإسرائيل؛ لأنه سيقلص إلى حد كبير من فرص المس باتفاقية " كامب ديفيد "، التي تمثل أحد أهم أعمدة الأمن القومي " الإسرائيلي ".

رهانات في محلها

وبالنسبة للصهاينة، فأن التجربة الحالية تدلل على أن الرهانات على قيادة جيش الانقلابيين كانت في محلها، حيث أن هذا الجيش يشن حرباً " لا هوادة فيها " ضد التنظيمات الإسلامية التي تمثل خطراً مباشراً على الكيان الصهيوني "، علاوة على أنه يقوم بالتضييق على حركة حماس، وهو ما أدى إلى تقليص المخاطر الاستراتيجية عن كاهل إسرائيل خلال عام 2013، كما يؤكد يادلين، ما يدفع "إسرائيل" لمحاولة انجاح الانقلاب هو أن بقاء الانقلاب وتواصل انشغال الجيش المصري في الشأن الداخلي يعني تكريس ميل موازين القوى لصالح الكيان الصهيوني لأمد بعيد، سيما إذا أضفنا إلى ذلك حقيقة تفكك الجيش السوري نتاج سياسات النظام، ومما يحسن البيئة الاستراتيجية للكيان الصهيوني حقيقة تخلي نظام الأسد عن مخزونه من السلاح الكيماوي، وتسجل "إسرائيل" ما تصفه بـ "الانجاز" المهم الذي نجم عن الانقلاب، ألا وهو إضعاف حركة حماس، بعد أن فقدت مساعدة حكم الإخوان بقيادة مرسي.

إن هناك إدراك واسع أن الانقلاب الذي قاده السيسي قد أسهم في تقليص قدرة حماس على معارضة المفاوضات، مما سمح لرئيس السلطة محمود عباس بمواصلتها، وهو ما أدى في النهاية إلى تحسين المكانة الدولية للكيان الصهيوني، وأبطأ - وإن كان بشكل مؤقت من وتيرة حملة نزع الشرعية عن " الدولة العبرية "، التي تعاظمت خلال الأعوام الأخيرة. ولا خلاف داخل "إسرائيل" على إسهام الانقلاب في تقليص الأضرار الناجمة عن ضعف مكانة الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط. وقد رجح المستشرق الصهيوني رؤفين بيركو أن تكون التهديدات المتكرر التي يطلقها قادة الانقلاب في مصر ضد حركة حماس تهدف بالأساس إلى مغازلة الأمريكيين.

وحسب بيركو، الذي تولى في الماضي مناصب في شعبة الاستخبارات العسكرية أن السيسي يحاول من خلال هذه التهديدات لفت نظر الأمريكيين إلى أنه يجدر بهم الاستثمار في دعم حكمه بسبب دوره في محاربة الحركات "الإرهابية"، وأوضح بيركو أن هناك أطراف داخل سلطة الانقلاب ترى أنه بدون تضييق الخناق على حركة حماس فلن يتم القضاء على جماعة الإخوان المسلمين

حشد الدعم والتحريض

وقد تبين أن الكيان الصهيوني قد لعب دوراً مركزياً في دفع مجلس الشيوخ الأمريكي للموافقة على تقديم مبلغ مليار ونصل المليار دولار لمصر، وقد نشر في "إسرائيل " أن كبار مستشاري نتنياهو قد أوضحوا لقادة الكونغرس أن هو تقديم الدعم لسلطة الانقلابيين مهم للحفاظ على اتفاقية "كامب ديفيد"، وقد تبين أن كلاً من السفير "الإسرائيلي" في واشنطن رون ديمريل ورئيس مجلس الأمن القومي يوسي كوهين لعبا دوراً مركزياً في اقناع قادة الكونغرس باستئناف الدعم الأمريكي لمصر، وقد اجتمع كل من ديمريل وكوهين بأعضاء مجلس الشيوخ الذين أبدوا في البداية معارضة شديدة لاستئناف المساعدات لمصر على اعتبار أن استئناف المساعدات لمصر يعد تجاوزاً للقانون الأمريكي، الذي يحظر تقديم العون لسلطة انقلبت على حكومة منتخبة ديموقراطياً، وقد استعانت "إسرائيل" بنتائج أبحاث أعدها قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان" ودلت على المخاطر الكبيرة الناجمة عن عودة جماعة الإخوان المسلمين للحكم.

إن إسرائيل تنطلق من افتراض مفاده أن مواصلة تأمين الدعم السياسي وتدفق المساعدات الاقتصادية لسلطة الانقلاب مهم جداً، على اعتبار أنهما قد يسهمان في تقليص فرص انهياره، و"إسرائيل"، لا تتورع في توجيه انتقادات لاذعة للغرب لأنه لم يبد تأييداً سياسياً حاسماً لا لبس فيه لسلطة الانقلاب، وفي سعي واضح لإقناع قادة الغرب لدعم السيسي، عكفت "إسرائيل" على تحسين صورة الانقلابيين من خلال "شيطنة" جماعة الإخوان المسلمين أمام الغرب. من هنا، لم يكن من سبيل المفارقة أن كان مركز أبحاث "يروشليم"، الذي يديره دوري غولد، كبير مستشاري رئيس الحكومة الصهيوني بنيامين نتنياهو، قد أصدر حتى الآن 8 دراسات، جلها تتناول سبل دعم الانقلاب العسكري.

وفي المقابل، فأن هذا المركز أصدر أربع دراسات بهدف تشويه صورة الإخوان المسلمين في الغرب وتخويف قادته من هذه الجماعة.

وفي ورقة بحثية حديثة صدرت عن هذا المركز، أعدها السفير الصهيوني الأسبق في القاهرة تسفي مزال جاء أن الانقلاب الذي قاده السيسي قد خلص العالم من نازية جديدة، وأن مرسي كان في الواقع هتلر جديد، وهذا ما استدعى معد الدراسة لمطالبة الغرب بتقديم الدعم بدون تحفظ لسلطة الانقلابيين في مصر على اعتبار أنها السلطة الوحيدة التي " تشن حرباً لا هوادة فيها على التطرف الإسلامي ". وحذرت الدراسة من أن عدم تأييد الغرب الانقلاب في مصر بصورة واضحة سيشجع الإخوان على مواصلة نضالهم لزعزعة الاستقرار من أجل العودة للحكم، وحاولت الدراسة دحض القول إنه لا يمكن تبرير الانقلاب على مرسي؛ لأنه زعيم منتخب، بالقول أن هتلر كان أيضاً منتخباً، مع العلم أن الرئيس مرسي كان حذراً جداً في تصريحاته، ولم يتمكن من الانشغال بالسياسة الخارجية.

الدراسة لم تكتف بذلك، بل إنها زعمت أن الإخوان يخططون للسيطرة على الغرب وإسقاط دوله من الداخل، زاعمة أن مخططات " الإخوان المسلمين " تقوم على التسلل الممنهج والهادئ إلى جميع أذرع الحكم في الدول الغربية عبر استغلال قيم الديموقراطية وحرية التعبير"، وحرضت الدراسة الغرب على المنظمات الإسلامية العاملة في الغرب، زاعماً أنها تنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، مشيرة إلى أنها أسست مساجد ومراكز ثقافية من أجل نشر دعوة الإخوان المسلمين. وادعت الدراسة أن جماعة الإخوان المسلمين استغلت تعاظم عدد المسلمين والعرب المهاجرين لأوروبا والولايات المتحدة وأقامت مؤسسات تمثلهم، زاعمة أن عدد هذه المؤسسات يعد بالآلاف، وتضم مؤسسات نسائية، ونقابات مهنية وثقافية وأخرى، وحسب الدراسة، فأن جميع المؤسسات الإسلامية الكبرى في أوروبا والولايات المتحدة تقع تحت سيطرة جماعة الإخوان المسلمين، وهاجمت الدراسة بشدة الدول والإعلام الغربي الذي يصر على النظر لما حدث في مصر على أساس إنه انقلاب غير شرعي، منتقدة بشكل خاص وصف الكثير من النخب الغربية لجماعة " الإخوان المسلمين " بأنها جماعة " معتدلة أو برغماتية "، وأنها تسلك نهجاً غير عنفي. وادعت الدراسة أن سلوك ومبادئ جماعة الإخوان المسلمين يتناقض تماماً مع وصف الاعتدال، الذي تسمه بها النخب الغربية. ومواصلة للشيطنة، زعمت الدراسة أن جماعة الإخوان المسلمين هي المسؤولة عن ولادة " السلفية الجهادية "، التي تقاتل الغرب. وعلى الرغم من الخلافات الكبيرة بين جماعة الإخوان والسلفية الجهادية التي وصلت إلى حد المواجهة المسلحة كما حدث في غزة، إلا أن الدراسة تدعي أن جماعة الإخوان المسلمين مسؤولة عن عمليات القتل التي تستهدف المسلمين وغير المسلمين والتي تنفذها جماعات السلفية الجهادية، على حد زعمها.

مناخ ثقافي " مثالي "

إن أحد دواعي اطمئنان إسرائيل للانقلاب هو دوره في التأثير على المناخ الثقافي المصري بشكل يسهم في تكريس الشرعية للكيان الصهيوني وتغليب روايته التاريخية للصراع. فقد عنت وسائل الإعلام " الإسرائيلية " بشكل كبير بما صدر عن عدد من كبار أبواق الانقلاب، مثل يوسف زيدان جمال أبو الحسن، والذي وصل إلى حد التعبير عن انتقاد الرفض العربي لوعد بلفور، وإنكار القضية الفلسطينية، وقد حظيت المقابلة التي أجرتها قناة "سي بي سي " بتاريخ 30 ديسمبر الماضي مع يوسف زيدان والذي يعد أحد أكبر الأبواق المدافعة عن الانقلاب باهتمام كبير من النخب الإسرائيلية، بسبب ما تضمنته من مواقف من "إسرائيل"، مع العلم إن الذي أجرت المقابلة مع زيدان هي لميس الحديدي. وفي مقال نشره في موقع "إسرائيل بلاس"، احتفى الكاتب "الإسرائيلي" جاكي حوكي بشكل خاص برفض زيدان الموقف العربي من وعد بلفور، الذي منح لليهود الحق في إقامة "وطن قومي" على أرض فلسطين، حيث انتقد زيدان بشكل خاص وصف العرب للوعد بأنه" وعد من لا يملك لمن لا يستحق".

ما تقدم يشي بالأسباب التي تدفع الكيان الصهيوني لإبداء القلق الشديد على مصير الانقلاب وسلطته، فنجاحه في البقاء يمثل مصدر مهم للحفاظ على مصالح "إسرائيل".

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة