عباس يجرم النضال الوطني الفلسطيني
عدد القراءات : 798

المؤسف حقاً، إن هناك المزيد من الشواهد التي تؤكد أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس يمضي في مسار تفاوضي يهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية عبر قبوله صيغ حلول تنسف الحقوق الوطنية.

إن أخطر ما كشف النقاب عنه في هذا الجانب هو التصريح الذي أدلى به القيادي في حركة "فتح" نبيل عمرو، والذي أعلن فيه أن عباس يتجه للتعاطي "إيجابياً" مع المطلب الأمريكي الإسرائيلي بالاعتراف بيهودية الدولة.

وعند البحث والاستقصاء عن الصيغة التي يعكف عليها الأمريكيون وبعض العرب حالياً والهادفة إلى تأمين "مخرج" يسمح لعباس بالنزول عن السلم والتراجع عن موقفه الرافض للاعتراف بيهودية "إسرائيل"، تبين أن "المخرج" المقترح يتمثل في أن تقوم جامعة الدول العربية والأمم المتحدة بالاعتراف بيهودية "إسرائيل"، ونظراً لأن منظمة التحرير عضو في الجامعة العربية، فأنها تصبح ضمناً ملتزمة بقرارات الجامعة، وضمنها الاعتراف بيهودية "إسرائيل".

بكلمات بسيطة، إن كانت هناك تداعيات خطيرة لاعتراف الفلسطينيين بيهودية "إسرائيل"، فإن عباس مستعد لتوسيع دائرة الاعتراف بهذه الصيغة لتشمل ليس فقط العالم العربي، بل العالم بأسره، لمجرد أن هذا يمثل "مخرجاً" يغطي على التنازل الكبير.

المقاومة في قفص الاتهام

الذي يثير المرارة والحنق، حقيقة أن الاعتراف بيهودية "إسرائيل" يعني تجريم النضال الوطني الفلسطيني ضد الاحتلال، الذي امتد على مدى عقود طويلة، وسقط خلاله عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، وعانى من أجله مئات الآلاف من الفلسطينيين قسوة قيد السجان الصهيوني. فكما يقول نتنياهو وكل مركبات النخبة السياسية والثقافية والإعلامية في تل أبيب، فأن الاعتراف بيهودية "إسرائيل" يعني أولاً وقبل كل شئ أن الأرض التي أعلنت عليها إسرائيل (فلسطين)، هي الوطن القومي لليهود، وأنه لا حق لشعب آخر على هذه الأرض.

وعلى هذا الأساس، ليس من المستبعد أن يطالب الكيان الصهيوني في حال اعترف الفلسطينيون بيهودية "إسرائيل" ممثلي الشعب الفلسطيني بتقديم تعويضات على ما "لحق" باليهود من "أذى" خلال النضال، على اعتبار أن الفلسطينيين "شنوا عدواناً" على اليهود "أصحاب الحق الأصليين" لأنهم طالبوا بأرض تعود لـ "شعب آخر".

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ماذا سيقول عباس لذوي الشهداء والأسرى والجرحى ولأبناء شعبه، الذين يعتقدون أن نضالهم الوطني ضد الاحتلال محق ومشروع. من أسف، في حال تبين أن ما نقله نبيل عمرو دقيق (لا يوجد سبب يدفع للاعتقاد بغير ذلك) فأن عباس يوجه طعنة نجلاء للنضال الوطني الفلسطيني، ويصيبه في مقتل.

تهويد الوعي الجمعي للفلسطينيين

من أسف، إن نظرة متفحصة تدلل على أن كل مركبات خطة "كيري" تنسجم مع الاعتراف بيهودية "إسرائيل"، أي التعامل مع فلسطين باعتبارها "الوطن القومي للشعب اليهودي"، كما يحلو لنتنياهو القول. إن أوضح دليل على ذلك، كان بلا شك التصريحات التي أدلى بها كيري نفسه لقناة التلفزة الإسرائيلية الثانية الأربعاء الماضي، عندما قال إنه لا يوجد سبب يدفع لتفكيك المستوطنات وإخلاء أي مستوطن يهودي من بيته!!!.

ومن الواضح أن هذه التصريحات تأتي انسجاماً مع الاعتراف بيهودية "إسرائيل"، وكأن كيري يريد القول: "كيف يمكن التفكير بمطالبة اليهود بمغادرة الضفة الغربية التي تمثل جزءاً من أرضهم القومية".

من الصعب جداً التفكير بأن كيري يطرح مثل هذه الأفكار، دون أن يكون عباس على معرفة بها، ومن غير المستبعد أن يكون يقبل بمثل هذه المواقف، سيما وأن قنوات التلفزة والصحف الإسرائيلية سربت أنباء حول موافقة عباس على ذلك.

إن ما قاله كيري وما ينسبه نبيل عمرو لعباس يدلل ويا للأسف- على مصداقية كل التسريبات الإعلامية "الإسرائيلية" التي تحدثت عن "اختراقات" في المفاوضات السرية بين الجانبين، ومن الواضح أن "الاختراقات" كانت تتحقق عبر التنازلات التي كان يقدمها عباس وفريقه التفاوضي. لقد فاجأت الوزيرة الصهيونية تسفي ليفني، رئيس الطاقم التفاوضي الصهيوني عندما أبلغت زملاءها في الحكومة بأن عباس "سيفاجأ" وسيعترف بيهودية "إسرائيل"، ومن نافلة القول، إن أي اعتراف فلسطيني رسمي بيهودية "إسرائيل" يعني عملياً التأثير سلباً على ما يحمله الوعي الجمعي للفلسطينيين تجاه قضيتهم، في حال تم التسليم بما يقدم عليه عباس حالياً، حيث أن التسليم بذلك يعني هز ما علق بالوعي الجمعي من مسلمات إزاء ثوابت القضية الوطنية.

تفريط في كل القضايا

ما يؤلم أن عباس لا يقدم تنازلات في قضية لكي يصر على موقفه في القضايا الأخرى، بل يقدم تنازلات في كل القضايا، بشكل يفضي إلى تصفية القضية الوطنية. فعلى سبيل المثال، هو لا يتنازل بالاعتراف بيهودية "إسرائيل" ويتشدد في قضية القدس. فعلى سبيل المثال، ضمت خطة "كيري" بنداً ينص على أن "عاصمتي الدولتين اليهودية والفلسطينية ستكونان في القدس"، دون أن يتم تحديد عاصمة كل منهما. وقد تبين أن الغموض في هذه القضية يأتي لخدمة الموقف "الإسرائيلي" من القدس، حيث أن هذا التعريف الفضفاض وعدم تحديد حدود القدس يعني أن "عاصمة الدولة الفلسطينية" يمكن أن تعلن في أي من البلدات الفلسطينية المحيطة بالقدس، مثل أبو ديس أو شعفاط أو العيزرية، فبما أن المطلوب هو تقديم "تخريجات" لفظية للتغطية على التنازلات الهائلة، فأن هذه الطريقة تصلح للتعاطي مع كل القضايا من أجل لف انجازات الصهاينة في المفاوضات بالغموض.

صياغة الفلسطيني حسب المقاس الصهيوني

إن أخطر ما يمكن أن يذكر في هذا السياق، هو حقيقة أن الاعتراف بيهودية "إسرائيل" يعني بالتأكيد إعادة صياغة مناهج التعليم الفلسطينية بما يتوافق مع ذلك، أن هذا الاعتراف يعني إعادة صياغة مناهج كل المواد التعليمة، ابتداءً من الجغرافيا وانتهاءً بمادة التربية الفنية، ومن المفارقة، أن الصهاينة اعدوا قائمة واضحة ومحددة من الطلبات في هذا الجانب، تتضمن ما يتوجب على الفلسطينيين فعله. ومما لا شك فيه أن أول مادة تعليمية يطالب الصهاينة بإعادة صياغة منهاجها هي الجغرافيا، على اعتبار إنها تشكل بالنسبة للنشء الفلسطيني التصور الأولي والأساسي عن فلسطين، عبر التعرف على خارطتها. ومن نافلة القول إن الخارطة التي ستحاول "إسرائيل" فرضها على طلاب المدارس الفلسطينية هي تلك التي تبرز "إسرائيل" إلى جانب الكيان الفلسطيني. وبإمكان المرء أن يتخيل حجم الطلبات التي ستقدمها "إسرائيل" بشأن مادة التاريخ، وما يتوجب على مخططي المناهج الفلسطينية فعله، سيما على صعيد إعادة النظر للنضال الوطني الفلسطيني وتدريس الثورات الفلسطينية، وكيفية يتم النظر لأبطال المقاومة التاريخيين، أمثال: الشيخ عز الدين القسام، والشيخ فرحان السعدي وعبد القادر الحسيني وخليل الوزير وأحمد ياسين ويحيى عياش وغيرهم.

بكلمات بسيطة، الصهاينة يريدون صياغة الشخصية الفلسطينية لتتوافق مع مصالحهم وتصوراتهم الذهنية للإنسان الفلسطيني، وللأسف، فأن الاعتراف بيهودية "إسرائيل" يمنحهم تحقيق هذا الانجاز على طبق من فضة.

إن الذي يثير الإحباط حقيقة أن عباس يتنازل دون أن يواجه معارضة فلسطينية داخلية، فحركة حماس المشغولة بتبعات الحكم في ظل الحصار الخانق الذي يشتد يوماً بعد يوم غير قادرة على ممارسة ضغط حقيقي على عباس. في حين أن سقف معارضة قوى اليسار محدود، حيث أن عباس يلقي لهذه الفصائل بالفتات، ويعرف كيف يقطعه من أجل الترويض، علاوة على أن فصائل فلسطينية أخرى تربط سلوكها الداخلي بمصالح قوى خارجية.ومع ذلك، فأن المسار التفاوضي سيفشل، بسبب ترف التطرف الذي يعاني منه قادة حزب الليكود الحاكم، الذين يعارضون حتى "التخريجات" ويطالبون بتنازل واضح وصريح.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة