لم أحتفل هذا العام بل لم أشارك في احتفالية عيد الأم التي تتكرر كل عام مع مارس/آزار، وتأخرت ـ متعمدًا ـ في نشر مقالتي بعد فوات وقته حتى أدق جرس الإنذار لأولئك الذين يحترفون طي هذا اليوم الذي تنتهي مراسمه بتقديم الهدايا للأم... ودمتم. 

في لقاء لي تليفزيوني عبر حلقة كاملة مخصصة عن الأم أفتيت بضرورة الاحتفال بعيد الأم رغم بدعيته عند جمهور العلماء؛ ذلك لأني رأيت أن هناك ضرورة مجتمعية تحتمه الآن؛ لأنه ـ ربما ـ صار المناسبة الوحيدة عند بعضهم التي يتذكرون فيها الأم، وبالتالي يزورونها، وتنتظرها الأم المهجورة ليس طمعًا في أعطياتهم وهداياهم، ولكن شوقًا لرؤية وجوههم التي حجبوها عنها، ولقاء أحفادها التي لا تعرفهم ولا يعرفونها.

لماذا اختزلنا بر الوالدين في الأم؟!.. وصرنا نردد الأحاديث الشريفة التي يحفظها الكافة في فضل الأم، حتى قر في وعي بعضهم أن الأم أهم وأن الوالد دوره ثانوي أو بمثابة "كومبارس" متكلم أو صامت، حسب الأحداث، لكن البطولة المطلقة فهيَّ للأم وليس غيرها، على الرغم من الأحاديث الصحيحة التي تذكر فضل الأب أيضًا، وليس هناك أدل من أهميتهما معًا من قول الله - تعالى -في كتابه الكريم: ( وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).

وأن تفضيل الأم على الأب الذي حذرت منه فهو أمرٌ وقع ونخالطه في واقعنا، وقد سأل أحدهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز: " أنا موظف حكومي في السلك العسكري وأستلم مبلغًا لا بأس به، وأقدم جزءًا منه إلى أمي تقديرًا لها على تحمل نفقتي في السابق، ولا أعطي الوالد منه شيئاً؛ لأنني لم أتلق منه أية مصروفات حتى وأنا صغير؛ فهل عليّ إثم في ذلك؟

فأجابه الشيخ:

" بر الوالدين من أهم الواجبات وإن كانا لم ينفقا عليك في الصغر؛ لقول الله - سبحانه -: ( وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) [الإسراء: 23] وقوله - سبحانه -: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) [لقمان: 14]. ويجب عليك أن تبر أباك وتحسن إليه في الفعل والقول، وإذا كان ذا حاجة فعليك أن تواسيه من مرتبك على وجه لا يضرك ولا يضر عائلتك؛ لقول النبي: (( لا ضرر ولا ضرار))، وله أن يطالبك بما يحتاج إليه من المال إذا كان عندك فضل؛ لقول النبي: (( إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم)) فنوصيك به خيراً وبأمك، وأن تجتهد في برهما والإحسان إليهما والحرص على كسب رضاهما؛ لقول النبي: ((رضا الله في رضا الوالدين، وسخطه في سخط الوالدين))".

ولم تفلح حيلة من حاول تدارك الأمر بإلحاق الأب بركب التكريم في عيد الأم بأن يغير اسم المناسبة من "عيد الأم" ليكون "عيدًا للأسرة" لأن هذا ـ ببساطة ـ سيشكل عبئًا جديدًا على الأولاد يلزمهم بتقديم هدية أخرى للأب.. وهذا كثير.. !! 

كما أني لا أدري أيضًا، لماذا اختزلنا حب الأم والحنو عليها والاهتمام بها ووصلها في يومٍ واحد، ولما لا يكون العمر كله عيدٌ لها في حياتنا؟!.. ولا أدري لماذا يقترن هذا اليوم بالهدايا؟!.. فليس كل ابنٍ قادر على أن يجلب الهدية اللائقة، وهناك من الأمهات من تطمع، بل تشترط هدايا بعينها وتطالب بها، حتى كره بعض الأولاد هذا العيد، وتعلل بانشغاله وسفره كذبًا ليهرب من تلك التكلفة التي لا يستطيعها.

وهكذا صار اليوم الذي كان من الممكن أن يكون فرصةً مناسبة للم الشمل إلى يومٍ للتملص والهروب وترك غصة في النفوس، ولهذا أفتى من أفتى ببدعيته، ولو كانت الأم عندنا هيَّ الحدث الهام في حياتنا، نزورها طوال العام، لا نحرمها منا ولا نحرم أنفسنا منها مع جلب المتيسر مما نطيق من حلوى أو فاكهة أو ما تحتاجه لما كان لزامًا علينا تكليف أنفسنا ما لا طاقة لنا به في يوم واحد.. ثم نعاود الانقطاع من جديد.

الأم تصاحبنا رحلة حياتنا.. في حياتها، وبعد مماتها، لا ينقطع التواصل معها وبها، ولعل من عاين مثلي الحالين، يكون خير شاهد على ذلك، حيث كثيرًا ما أنسى أنها فارقتني، وأحاول الاتصال بها على هاتف منزلها، ثم تتداركني رحمة ربي - تعالى -، فأتذكر وأترحم عليها، وأما الحلم فهو المكان والزمان الذي يتسع دومًا للقيانا، وأما ذكرياتي معها وعنها، فذلك هو الذي يجعل غيابها عني كأنه الحقيقة الغائبة.. فما بيننا يبقى رغم الانقطاع في اتصال، وبدون فاصل، وكما عشتها في حياتها، أعيشها في حياتي، عمرًا مديدًا متصلاً، حبٌ يدوم العمر كله، فتمسكوا بعمركم بأمكم في أيامكم لا في يومٍ واحدٍ فقط.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة