كيف ذهب العدل وحلَّ الطغيان؟
الكاتب : محمد إلهامي
عدد القراءات : 473

لقد كانت هذه الفتوح في عهد الخليفة عمر بن الخطاب الذي يُقال اسمه فيتذكر الناس "العدل"، في مقابل أباطرة وقياصرة حكموا بالظلم والطغيان حتى انهارت على أيديهم الدول والممالك، ثم مضى التاريخ يطوي صفحاته حتى وصلنا إلى هذه اللحظة المعاصرة التي انقلب فيها ميزان القوة، وصار العالم الإسلامي تحت سيطرة أعدائه، وصار العدل مفقودا في أرضهم ظاهرا في أرض عدوهم، حتى إن المسلم ليلتجئ إلى الغرب والشرق فيجد بعض إنصاف فقده بين أهله، ويتنفس شيئا من حرية لم يدركها في أرضه.

كيف تحول التاريخ وعاد أدراجه هكذا؟..هذه السطور القادمة رحلة سريعة تحاول رصد هذه المسيرة.

لقد كانت بداوة العرب من أسرار نزول الرسالة عليهم، فهم القوم الذين لم يتلوثوا بعد بالعبودية لحاكم أو الخضوع لآداب امبراطورية تجعل منهم شعبا قابلا للمذلة، بل كانت بداوتهم تجعلهم أقرب إلى الفطرة؛ فنفوسهم تحمل الكرامة والعزة والأنفة ولا تقبل الذل لأحد، وعقولهم كانت تعيش الحياة ببساطتها ونقاوتها فلم تذهب في مضارب الفلسفات والأساطير، وأجسادهم تكتفي من الحياة بالضرورة ولم تتشرب الملذات والشهوات والكماليات كما هو الحال في الامبراطوريات والممالك.. كل هذا جعل العرب أقرب إلى الفطرة وأنسب لنزول الرسالة.

إن أسوأ ما في الامبراطوريات أنها تسلب من شعوبها العزة والأنفة والكبرياء، وقد أفرد ابن خلدون فصلا في هذا المعنى "أن معاناة أهل الحضر للأحكام (السلطانية) مفسدة للبأس فيهم ذاهبة بالمنعة منهم"، ولهذا تجد التفرقة القرآنية الدقيقة بين "الشعوب والقبائل" في قوله -تعالى-: (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا).

إذ قال المفسرون: "الشعوب للعجم، والقبائل للعرب".. ومن هنا جاء فيما بعد اسم "الشعوبية" للحركات التي تناصب العرب العداء.

ونظرة بسيطة إلى ما وصل إليه الحال في امبراطوريات العالم القديم تجعلنا لا نتردد في الحكم بأن هذه الشعوب قد خربت من كثرة ما نزل بها من استبداد وذل حتى لا يمكن أن تصلح لنزول الرسالة عليها؛ ففي فارس كان الأكاسرة يحكمون بالحق الإلهي وبالدماء المقدسة التي تجري في عروقهم فكانت تُقدَّم لهم القرابين ثم إن الشعب منقسم بعنف إلى طبقات بحسب المهن والحرف، ولم يبعد الرومان عن هذا فالمجتمع منقسم إلى سادة وعبيد بل إن العبودية فلسفة أصل لها أفلاطون في الفلسفة اليونانية وكان الأباطرة يحكمون الأقوام بالحديد والنار، كذلك شهدت الهند أبشع نظام فصل عنصري طبقي يجعل الناس أربعة طبقات: نخبة وجنود وعمال وعبيد والتفكير في أن يتطلع أحد أفراد طبقة ما إلى التي فوقه جزاؤها العذاب الأليم المهين.

وعندما نزل الإسلام على العرب لم يحاول نسف القبلية وما بها من الاعتزاز والأنفة، وإنما كان الاهتمام على محاربة "التعصب للقبيلة بالحق والباطل" ولكنه استعمل محامد القبيلة في بناء الدولة، وفي مقاومة الظلم "انصر أخاك ظالما أو مظلوما"، وفي الدفاع عن الأمة فكان الجيش الإسلامي حتى عصر الفتوح يقاتل في كتائب تمثل القبائل، وفي التعاضد على الخير "لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لى به حمر النعم ولو أدعى به في الإسلام لأجبت".. وليس المقام للتفصيل.

وكان من معجزات الشريعة الإسلامية أنها صنعت نظاما يضع الأمة فوق السلطة، ويجعل الناس فوق الحاكم، ويجعل الحاكم وكيلا عنهم لا سيدا عليهم، لهم أن ينصبوه ويعزلوه، وليس له أن يقتحم بيوتهم أو يفتش في أسرارهم أو يقمع أفكارهم مهما خالفت رأيه أو كانت ضده، وللأمة أن تبني وتصنع حضارتها دون انتظار أو استئذان من الحاكم، وله عليهم الطاعة ما استقام لهم، فإن لم يفعل كان لهم أن يستبدلوا به غيره.

وقد كان عصر النبي -صلى الله عليه وسلم - ثم عصر الخلافة الراشدة التمثيل العملي للإسلام على هذا السبيل، فكان الخلفاء الراشدون خير أئمة لخير أمة في خير القرون.

بدأ الانحراف بسيطا كالعادة، وقد كانت بدايته حين بدأ الثوب الإسلامي يخرج من الصبغة العربية التي أنشأها الإسلام من البداوة النقية إلى الوحي الطاهر، وذلك حين بدأ الاحتكاك بالتيارات الحضارية القديمة.

لقد انزعج عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حين رأى معاوية يركب في موكب وله حاجب على بابه، غير أن معاية اعتذر له بأنه "ببلاد كثر بها جواسيس العدو، فإن لم نتخذ العُدة والعدد، استخف بنا، وهجم علينا! وأما الحجاب، فإننا نخاف من الابتذال وجرأة الرعية".. والشاهد هو قوله "جرأة الرعية" فتلك الرعية هي التي اعتادت أن يكون ملوكها في مواكب وحراسات ودون الوصول إليهم أبواب وحُجَّاب وإلا سقط من نظرهم هيبة الوالي، وهو الأمر الذي لم يكن بالوسع تجاهله فأقره عُمَر وإن كان لم يفصل فيه برأي فقال له: "لا آمرك ولا أنهاك".

وحين سار الزمن وانتقلت العاصمة الإسلامية إلى الكوفة القريبة من فارس وحضارتها وتراثها الساساني كانت التربة خصبة للقبول بفكرة التشيع لعلي وآل البيت واستنبات فكرة العصمة والحق في الولاية بالوصية الإلهية والحق الموروث، وهو ما يخالف صحيح الإسلام الذي يجعل الحاكم وكيلا عن الأمة لا واليا عليها، يستمد شرعيته من اختيارها له لا بوصية إلهية أو بحق ديني.

وفي عام الجماعة انتقلت العاصمة الإسلامية إلى دمشق ذي التراث الروماني والفلسفة اليونانية- وابتعدت الدولة الإسلامية أكثر عن النقاوة العربية البدوية، وأحب أهل الشام العرب الذين استقروا هناك والذين أسلموا- معاويةَ وأسرته الأموية حبا كبيرا وتعلقوا به تعلقا جما، وصاروا عماد دولتهم، ولا ريب في أن تعلقهم هذا كان أحد عوامل تفكير معاوية -رضي الله عنه- في البيعة لولده لمصلحة الأمة في ألا تقتتل من بعده، وقد سانده أهل الشام في هذا الاختيار وكانوا أسبق الناس لبيعة يزيد، وهو الأمر الذي انزعج له المعارضون في مكة والمدينة ورأوا أنها "سنة كسرى وقيصر"! وليس المقام الآن مقام تحليل هذا القرار ومدى صوابه من خطئه[1]، بل متابعة تأثير الاحتكاك الحضاري على انحراف المسيرة الإسلامية.

وحين استطاع الأمويون بما لهم من شوكة وإصرار وصبر استعادة وحدة البلاد الإسلامية بعد أن انهارت الدولة الأموية الأولى بعد تنازل معاوية بن يزيد عن الخلافة واختلاف الناس على مروان بن الحكم، حين استطاعوا استعادة البلاد مرة أخرى على يد مروان وابنه عبد الملك ثبت عمليا لهم ولغيرهم أنهم الأقدر على حكم البلاد، رأوا أن هذا حق لهم بشرعية الواقع، واستمر العهد بالخلافة في عصر الأمويين يعهد الخليفة السابق إلى اللاحق حتى انهارت الدولة وغربت شمسها.

على أن الدولة الأموية ظلت من مبدأ أمرها حتى منتهاه دولة عربية، فلم يكن فيها بلاط ملكي أو آداب سلطانية، ولم يبن خلفاؤها مدنا ملكية، ولم يكن أحدهم يقبل أيديهم أو أقدامهم أو الأرض أمامهم، ولم يكن أحد ملزما بمخاطبتهم بـ "سيدي" أو "مولاي" أو ما شابه، ولم يكونوا هم يخاطبون الناس أو الولاة بمثل هذا!.

كل هذا تغير على يد الدولة العباسية التي قامت على أكتاف ثورة نشأت في خراسان، وكان رجالها من الخراسانيين الذين تشيعوا لآل البيت وآمنوا بحقهم في الإمامة دينًا، لذا فقد كانت الطبقة التي تدير الخلافة العباسية من الذين استقر فيهم إنزال الخلفاء منزلة كسرى فارس، وكان التشيع أسهل انتشارا في هذه المناطق وهذه النفوس.

لقد أعادت الحاشية إنتاج البلاط الفارسي الكسروي بما فيه من آداب سلطانية (بروتوكول) ومظاهر فخامة وتعظيم وخضوع للخلفاء، وقد تم هذا عمليا لأن كثيرا من البلاط العباسي كان من ذوي الأصول الفارسية الذين بلغوا ذورتهم مع الأسرة البرمكية في عهد الرشيد وآل سهل في عهد المأمون، ثم عُضِّد هذا الإنتاج العملي بالتأصيل النظري عن طريقين؛ الأول: الكُتَّاب والمفكرين ذوي الأصول الفارسية من أمثال ابن المقفع والجهشياري الذين كتبوا وترجموا الأدب السلطاني الفارسي، والثاني: الترجمات عن الفلسفات القديمة اليونانية والرومانية والهندية وغيرها والتي بلغت ذروتها في عهد المأمون، فتلك أيضا نقلت التراث القيصري إلى البلاط العباسي بما تسبغه من عظمة وفخامة على القيصر!.

في تلك الفترة نشأ التعامل مع الحكام باعتبارهم "قضاء وقدر"، وأسرف البلاط في مظاهر الجلالة والمهابة والزينة، ونشأت آداب تقبيل اليد والخطاب بالمولى والسيد، وبدأت كذلك بذور الفقه الذي يرى أن هذا من ضرورات الدولة لاستقرارها والتمكين لهيبة خلفائها، وهو الأمر الذي لم يحاول أحد أن يؤسس له في عصر الخلافة الراشدة.

ثم تعرضت المسيرة الإسلامية للنكبة الكبرى على هذا المسار حين وقعت تحت سيطرة الحكم العسكري منذ منتصف القرن الثالث الهجري، حيث استطاعت طبقة العسكر الأتراك السيطرة على الخلافة العباسية وصاروا أصحاب الأمر والنهي، ومن هنا بدأت سلسلة من الحكم العسكري تسيطر على الخلافة الإسلامية: أتراك، ثم بويهيين، ثم سلاجقة، وظهر الزنكيون ثم الأيوبيون ثم المماليك.

والحكم العسكري هو أحد أهم أسباب انهيار الدولة الإسلامية وحضارتها، لطبيعة الحكم العسكري الذي يسيطر على الحياة المدنية ولا يخضع لها، وبالتالي فهو ينحو بطبعه نحو الاستبداد، فتزيد الشقة بينه وبين الأمة ونخبتها من العلماء والفقهاء.. وقد كان!.

استطاع الحكم العسكري تحقيق نتائج رائعة في مواطن الجهاد، لكنه نكب الأمة حضاريا وصفَّى نخبتها واستبد بها حتى ضعف الحكام الأقوياء وجاء الضعفاء فأسلموا الأمة إلى الاحتلال الأجنبي مرة أخرى من بعد ما كان أجدادهم قد قهروهم.

وكان الاحتلال الأجنبي في جولته الثانية أذكى، فقد ظل حاكما يحاول إفساد عقيدة الأمة وأفكارها، حتى إذا انهار أمام المقاومة تركها مرة أخرى في يد حكم عسكري كانت وسيلته إلى الوصول انقلابات دموية أو بيضاء! هي السبب فيما تعانيه بلادنا حتى الآن.

يظل الحل قائما في العودة إلى منهاج السلف الصالح في خير القرون، حيث عصر الخلافة الراشدة، والتأسيس لفقه وفكر يعيد الأمة إلى موضع السيادة ويعيد الحاكم إلى موضع الوكالة، ويجعل الأمة فوق السلطة والشعب فوق الحاكم، ويتخلص من شوائب كسرى وقيصر التي أفسدت السلطان ففسد كل شيء!.

وصدق سيدنا عثمان بن عفان "إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".

__________________________________________________

[1] تحدثت عن هذا في دراسة أخرى "هل كان معاوية مخطئا حين عهد بالخلافة ليزيد" على مدونتي http://melhamy.blogspot.com

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة