انتشار الإسلام في شرق أفريقيا
عدد القراءات : 519

أسباب انتشار الإسلام في شرق أفريقيا

سماحة الإسلام سبب في انتشاره كان من أهمِّ أسباب انتشار الإسلام عَبْر ربوع إفريقيا أيضًا بساطة تعاليمه، وسهولة فَهْمه، ويُسْرُ الدعوة إليه، فكلُّ مسلم يُعْتَبَر داعية، فلا توجد تعقيدات كهنوتية كما في المسيحية، وما يكتنفها من غموض، مما يجعلها صعبة الفَهم بالنسبة للإفريقي، وعلى العكس يَسَّرَت تعاليمُ الإسلام وسُمُوِّها بالبَشَرِ ومساواتها بين الناس، سهلت مهمَّة الدعوة للإسلام، وأيضًا مما ساعد على انتشار الإسلام عدالته ومساواته بين الناس، وبغضه للتفرقة العنصرية، وهي عُقْدَة الأفارقة، حيث مارسها بعضهم، ويمارسون جميع ألوانها في جنوب إفريقيا تحت ظلال المسيحية، مما يجعل الأخوة في كنف التنصير ليست إلا أكذوبة، لَمَسَها الإفريقي واقتنع بها[1].

وبعد انهيار الخلافة الأُموية، انقسم الهاربون من الخلافة العباسية إلى قسمين: أحدهما اتجه إلى الأندلس، وأنشأ الدولة الإسلامية بالأندلس، والآخر اتجه إلى إريتريا؛ لبُعدها عن مركز الخلافة العباسية في بغداد، وكونها خصبة للتجارة بالنسبة للأمويين الهاربين من الحكم العباسي، وللدعوة بالنسبة لآل البيت (الأشراف).

وقد تزامن هذا مع صراعات عنيفة داخل الممالك الحبشية، ممَّا عزلها تمامًا عن التأثير في الأحداث، بسبب الصراعات التي نشبت بين الأسرة السليمانية وأسرة زاقي، وقد وطَّد الإسلام في هذه الفترة أقدامه في التُّرْبة الإريترية مِن بَدْء مجيئه، فأسلم "آل الجبرتا"، وإليهم ينسب المؤرخ المصري الشهير عبد الرحمن الجبرتي، ولهم رواق خاصٌّ بهم بالجامع الأزهر الشريف، لا يزال موجودًا حتى الآن، ويُسمَّى "رواق الجبرتا"، وكانوا من أوائل الناس إسلامًا في إريتريا، وقد ذهب منهم وَفْدٌ ضِمْنَ وفد النجاشي للرسول r، وكانوا يقطنون هضبة "التجراي"[2].

بناء مقديشو

تأسَّست مدينة مقديشو في عهد الخلافة العباسية، ولهذا التأسيس قصة، فحينما وصلت أكبر الهجرات العربية والإسلامية إلى ساحل الصومال، المعروف بساحل (بنادر)، وهي هجرة الإخوة السبعة، فقد هاجرت هذه الجماعة العربية في مَشَارِف القرن العاشر في حوالي عام (301هـ/ 913م) من (الأحساء) عاصمة دولة القرامطة، والإخوة السبعة من قبيلة (الحارث) العربية، جاءوا في ثلاث سفن محمَّلة بالرجال والعتاد الحربي، وقد نما إلى علم هذه الجماعة العربية أخبار الجماعات العربية التي سبقتهم إلى ذلك الساحل، وربما سمعوا عنها من التجار، أو من جنود سعيد الجنَّابي، وقد كان في صفوفهم جندٌ من الزنج والأَرِقَّاء الذين جاءوا إلى الجزيرة العربية والعراق في فترة من الفترات؛ لذلك قرَّرت هذه الجماعات الإسلامية أن تحذُوَ حَذْوَ الهجرات التي سبقتها، يراودهم الأمل العريض في تكوين وطن جديد، وقد تحقق لهم ما أرادوا بفضل جهودهم.

خريطة مقديشيو استولى الإخوة السبعة على كل سواحل (بنادر) بعد أن قاموا بتأسيس مدينة (مقديشو)، والتي جعلوها عاصمة لدولتهم الجديدة، فامتدَّ نفوذهم حتى جنوبي (ممبسة)، وربما وصلوا إلى جزيرة (مدغشقر)، وقد وصف المسعوديُّ هذه الجزيرة، وذكر أن فيها قومًا من المسلمين.

ولم تمضِ فترة طويلة على استقرار هذه الجماعات المسْلِمَة، حتى أصبح كل الساحل سُنِّيًّا على المذهب الشافعي، وذلك بعد أن اصطدم الإخوة السبعة بالزيدية الشيعة، الذين اضطروا للانسحاب إلى الداخل، ولا يزال المذهب الشافعي هو السائد في بلاد شرقي إفريقيا، وقد اكتفى هؤلاء المسلمون على بسط نفوذهم في المنطقة الساحلية فقط؛ إذْ إنَّ الداخل لم يكن معروفًا لديهم، إما لأنهم يجهلونه، أو لصعوبة التوغُّل، فسيطروا على الساحل ريثما يتمُّ لهم كشف مجاهل إفريقيا المختلفة، وكان من نتيجة هذه الهجرة الأخيرة أن بسطت (مقديشو) نفوذها، وساعدت العرب المسلمين على إنشاء مواطن استقرار على طول الساحل الممتدِّ من (مقديشو) في الشمال إلى مدينة (سوفالا) في الجنوب.

 تشكيل الحكومة

وبعد أن تغلَّب الإخوة السبعة على الصعاب التي واجهتهم في أوَّل أمرهم، بدءوا في وضع الأُسُس والتشريعات المختلفة التي تَكْفُل لهم الاستقرار والحياة الكريمة، فتكوَّن مجلس من كبار المسلمين، وأعضاؤه اثنا عشر شخصًا، يرأسهم شيخ لا يحمل لقب سلطان أو مَلِكٍ، ويُسَمَّى هذا المجلس باسم (مجلس المدينة)، وكان هذا النظام أفضل نظام طبّقه المسلمون في ساحل (بنادر) في هذا الزمن، ويتمتَّع هذا المجلس بِكُلِّ السلطات، وله حقُّ النظر في القضايا المدنية والجنائية وفضِّ المنازعات، وكان بجانب هذا المجلس مجالسُ فرعية في كل حيٍّ من أحياء المدينة، وهي في شكل طائفة تَخْضَع لشيخها الذي يتولَّى أمرها، ويقوم بإكرام الغرباء، وقضاء حاجاتهم.

كان اختصاص هذا المجلس هو حفظ الأمن، وتطبيق العدالة بين الجماعات، ووضع حَدٍّ لهجمات بعض القبائل الرعوية الصومالية على التجار من العرب والفرس، وبالتالي لمواجهة غزاة آخرين كانوا يأتون من البحر، وتمَّ هذا الاتحاد بعد أن أصبحت (مقديشو) عاصمة لساحل بنادر، والذي ضمَّ هذه المشيخة وإماراتها التابعة لها، مثل: مركة، وبراوة التي سيجيء تفصيلهما، هذا إضافة إلى الأراضي المحيطة بهم، وكان يطلق على جميع هذه الأراضي (مقاديش)، وعُرِف أحيانًا سكان هذه الجهات باسم سكان بنادر، وبضائعهم باسم بضائع بنادر.

لقد استمرَّ مجلس هذه المشيخة والممثَّل في سلطة الشورى بين المسلمين والفرس والصوماليين نحو أكثر من مائتي عام على ذلك النحو، حتى انْتُخِبَ أبو بكر فخر الدين عام 1100م حاكمًا على جميع أراضي هذه البلاد، وهو من سلالة الإخوة السبعة بتعضيد من قبيلة بني قحطان العربية التي أصبح لها النفوذ والسيادة.

وفي عهد أبي بكر فخر الدين احتفظت قبائل قحطان ومكري بنفوذها ومكانتها الدينية الممتازة؛ لأن قاضي الوَحدة قبل قيام السلطنة التي أسَّسها أبو بكر فخر الدين كان من بين أبناء هاتين القبيلتين، وبفضل قبائل قحطان ومكري استطاع أبو بكر فخر الدين أن يُقِيم سلطنة وراثية في (مقديشو)، كما أقرَّ السلطان أبو بكر قبائل مكري على امتيازاتها، وقد استمرَّ حُكْم أبي بكر فخر الدين سبعةَ عشَرَ عامًا حتى تُوُفِّيَ عام 1117م[3].  

اضمحلال سلطنة (مقديشو)

أما في عصر المماليك فقد كان للأحباش اتِّصال دائم مع ملوك أوربا للعمل معًا ضدَّ المسلمين، وقد ظهر هذا خلال أوقات متباعدة، فعند الغزو الصليبي قدَّم الأحباش المساعدات، وأصبح لهم دَيْر خاصٌّ في بيت المقدس، وحرصت الحبشة على مساعدة مَلِكِ قبرص النصراني، وتحريضه على غزو مصر، وكان نتيجة لذلك غزو الإسكندرية عام 767هـ، وأقدمت الحبشة على القيام ببعض الأعمال التخريبية، إلا أن تحرُّك الجيوش المملوكية قد حال دون استمرار أعمال الأحباش.

وعندما فتح المماليك في مصر "جزيرةَ قبرص" عام 830هـ/ 1427م اتَّصل الأحباش بملوك أوربا للعمل ضدَّ المماليك، وقد تجاوب مع ذلك ملك فرنسا وملك أرغون، وهدَّد مَلِكُ الحبشة المماليكَ بالقيام بغزو بلاد العرب والأماكن المقدسة، وتحويل مجرى نهر النيل[4].

وفي مطلع القرن العاشر الهجري حملت راية الجهاد في شرق الحبشة إمارة "عدل"، ووصل نفوذها إلى حافَّة الهضبة الحبشية، في الوقت الذي كان العثمانيون يدخلون من الشمال لبلاد العرب؛ ليُوَحِّدوا المسلمين، ويقفوا في وجه البرتغاليين وأطماعهم في المنطقة، إلا أن حُكَّام إمارة "عدل" قد اضطروا فيما بعدُ إلى مسالمة الأحباش بعد أن هُزِمُوا أمامهم.

ثم حملت إمارة "هرر"[5] راية الجهاد، وأسلمت الشعوب البدوية مثل "الدناقل" وغيرها، وشجع الهرريُّون وصول العثمانيين إلى المنطقة، ووقوفهم في وجه الحلف البرتغالي الحبشي، إذ دَعَمُوا سلطان "هرر" أحمد بن إبراهيم الملَّقب بالقرين، وأمدُّوه بالأسلحة، فاستمرَّت غزواتهم في الحبشة خمسةَ عشرَ عامًا، وكانت النتيجة أن دخل سلطان "هرر" أجزاءً من هضبة الحبشة، وعاد إلى الإسلام عدد من الذين سبق لهم أن تنصّروا تحت ضغط الأحباش، كما بدأت قبائل "الجالا" الوثنية الدخول في الإسلام، كما أن هذه القبائل قد استغلَّت الخلاف الذي حدث بين الأحباش والبرتغاليين فشقَّت طريقها إلى الهضبة من الجنوب.

وازداد عدد المسلمين في القرن الحادي عشر الهجري، ودخل التُّجار الكانميُّون[6] إلى بلاد الحبشة، فأسلم على أيديهم كثيرون، واتَّجه المظلومون من الأحباش إلى عدالة الإسلام، وكان المسلمون من الأحباش ذوي مكانة اجتماعية وثقافية وخُلُقِيَّة، معرُوفِينَ بالجدِّ في العمل، والأمانة في المعاملة، وقد عَرَف لهم هذا الأحباشُ الذين كانوا على غير دينهم، إلاَّ أن بعض المتعصِّبين من النصارى كثيرًا ما كانوا يُسِيئُون إلى المسلمين، ويُصِرُّون على إقصائهم عن الوظائف الرسمية، ومع هذا فقد وَجَد الإسلامُ طريقَه إلى قلوب كثير من الزعماء[7].  

انتشار الثقافة العربية الإسلامية

انتشرت الثقافة العربية الإسلامية في منطقة الساحل وبين السكان على اختلاف عناصرهم بالعلوم الدينية واللغة العربية، فمِن "كلوة"[1] سافر طلاب العلم إلى شبه الجزيرة العربية ليَنْهَلُوا من علوم المعرفة، وكان مِن بينهم الأمراء، فقد تَنَقَّل السلطان أبو المواهب (1308- 1334) قبل ارتقائه عرش السلطنة في "كلوة" بين عدن ومكة لطلب العلم، وكان قد وصل إلى مكة وهو لم يزل في الرابعة عشرة من عمره، وممَّا يُؤَكِّد شدَّة حاجة سكان الساحل إلى تحصيل العلوم العربية ما رواه أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد العزيز الميورقي (ت 474هـ)، الذي زار البصرة في سنة 469هـ/ 1076م، إذ رَكِبَ من عمان إلى "بلاد الزنج"، وكان معه من العلوم أشياء فما نَفَق عندهم إلا النحو، وقال: لو أردت أن أكسب منهم ألوفًا لأمكن ذلك، وقد حصل لي منهم نحو ألف دينار، وتأسَّفوا على خروجي من عندهم[8].

ومن الجدير بالذكر أن المدَّ الإسلاميَّ الوافد إلى ساحل شرق إفريقيا في ركاب الهجرات الإسلامية القادمة من جنوب الجزيرة العربية ومنطقة الخليج العربي لم يتوقف على مرِّ السنين، وتوقَّف على ذلك أن تأسَّست مدن إسلامية مزدهرة على الساحل صارت بيئة صالحة لانتشار الإسلام بين الأفارقة من ناحية، وتغَلُّب مظاهر الثقافة العربية الإسلامية عليهم من ناحية أخرى.

ونلْمَسُ ذلك بوضوح في دولة الزنج التي ظهرت في الساحل في القرن العاشر الميلادي، وظلَّت باقية حتى أوائل القرن السادس عشر، رغم القلاقل والانقسامات التي تنازعتها، فقد شيَّدت تلك الدولة عدَّة مدن إسلامية، وأقامت المساجد في كل مدينة، حيث عَرَف الكثيرُ من القبائل الطريقَ إليها، وفي هذا المظهر الديني يتوفَّر الدليل القاطع على أن كثيرًا من الأفارقة قد تحوَّلوا إلى الإسلام.

والحقُّ أنه من المبالغة أن نقول إن الوثنية اختفت تمامًا من المدن الساحلية، حيث ما زالت تعتنقها عدَّة قبائل، وإن كان لا يمكن أن نقارنها بمراكز الوثنية في مناطق الأدغال في غرب ووسط وجنوب القارة الإفريقية، ولكن هذا لا يُقَلِّل من الدور الذي قامت به دولة الزنج في الدعوة إلى الإسلام، وقد كان بوُسع تلك الدول أو العرب المسلمين المقيمين على طول الساحل أن يَصْبُغوا الأفارقة كلَّهم بطابع الإسلام لو لم تقتحم أساطيل الغزو البرتغالي في أوائل القرن السادسَ عشرَ مياه هذا الساحل، الأمرُ الذي أعاق مسيرة المدِّ الإسلامي والثقافة العربية الإسلامية قُرَابة قرنين ونصف، وهي حِقبة طويلة[2]؛ لتبدأ إفريقيا عهدًا جديدًا، وهو عهد الاستعمار الأوربي البغيض، الذي نهب خيراتها، وأذاقها الويلات.

 ــــــــــــــــــــــــ

[1] نوال عبد العزيز راضي: الإسلام والمسلمون في وسط إفريقيا ص16.

[2] محمد عثمان علي خير: عروبة إريترية (حقائق ووثائق) ص42، 43.

[3] غيثان بن علي بن جريس: مجلة العرب، العدد 3، السنة 30، ص185-202.

[4] إسماعيل أحمد ياغي، محمود شاكر: العالم الإسلامي الحديث والمعاصر 2/252.

[5] تقع مدينة هرر في الجنوب الشرقي من إثيوبيا.

[6] مملكة كانم: هي مملكة قامت شمال شرق بحيرة تشاد، وقامت بدور فعّال في نشر الإسلام والثقافة العربية في تلك الربوع الواسعة.

[7] إسماعيل أحمد ياغي، محمود شاكر: العالم الإسلامي الحديث والمعاصر 2/252، 253.

[1] مدينة كلوة Kilwa تقع في تنزانيا حاليًا.

[8] محمود محمد الحويري: ساحل شرق إفريقية من فجر الإسلام حتى الغزو البرتغالي ص44. وانظر: ياقوت الحموي: معجم البلدان 5/247.

[2] محمود محمد الحويري: ساحل شرق إفريقية من فجر الإسلام حتى الغزو البرتغالي ص41، 42.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة