فتح عمورية .. معركة الغضب
الكاتب : محمد إلهامي
عدد القراءات : 386

طال علينا ليل أمتنا، والليل الطويل يثير الشجون والذكريات، ومع كل انتهاك عرض نعجز عن حمايته، أو اجتياح وطن نعجز عن صده، يذهب الخيال إلى معركة الغضب، فتح عمورية، فحين ذلك هب الخليفة المعتصم بالله مجاهدا غاضبا من انتهاك حرمة المسلمين والمسلمات، ولم يكفه إلا أن يقصد أقوى مدن الروم ليكون رده بحجم الإساءة وعلى مستوى الانتهاك.

هذه السطور القادمة تحمل القصة من بدايتها، كانت أخطر التحديات التي يواجهها الخليفة المعتصم والتي ورثها منذ عهد المأمون هي تمرد بابك الخُرَمي في أذربيجان المتاخمة للحدود الإسلامية الرومية، فنشأ تحالف بين بابك وبين الروم الذين كانوا يستغلون انشغال الدولة الإسلامية ببابك فيهاجمون المناطق الحدودية، كما كانوا يمدون بابك بأسلحة وأحيانا بجنود، وكانوا يستقبلون جنوده المنهزمين من المعارك مع المسلمين.

وصلت رسالة من بابك الخرمي حين كان مُحاصرا في معقله "البذة" إلى ملك الروم توفيل بن ميخائيل يقول له: "إن ملك العرب قد جهز إلي جمهور جيشه ولم يبق في أطراف بلاده من يحفظها، فإن كنت تريد الغنيمة فانهض سريعا إلى ما حولك من بلاده فخذها فإنك لا تجد أحدا يمانعك عنها".

وكان بابك يطمع في تخفيف العبء عليه لكي يضطر المعتصم إلى إخلاء بعض قواته من حرب بابك لحرب الروم، وما إن وصلت الرسالة حتى خرج توفيل في جيش من مائة ألف، فاجتاحوا حصن زِبَطْرة الحدودي ثم مدينة ملطية (223 هـ)، وقتلوا كثيرا وأسروا أكثر حتى بلغ عدد الأسيرات فحسب ألف امرأة مسلمة، ثم لم يكتف بهذا بل مارس أبشع التعذيب على من في يديه من الأسرى فقطع آذانهم وأنوفهم، وسَمَل أعينهم!.

انزعج المعتصم وغضب جدا، لا سيما وقد وردت أنباء أن بين الأسرى امرأة صارت تصرخ على المعتصم كأنه ميت "وامعتصماه، وامعتصماه"، فقام على الفور بتجهيز الجيوش التي لديه، وأعلن أنه سيقودها بنفسه، واستعد استعداد من يؤمن بأنه لن يرجع إلا منتصرا أو شهيدا فجمع القاضي والشهود فأشهدهم أن ما يملكه من الضياع ثلثه صدقة وثلثه لولده وثلثه لمواليه، وخرج من بغداد (2 جمادى الأولى 223 هـ).

وخرج في الجيش أهل ثغور الشام وثغور الجزيرة والجزيرة الفراتية "إلا من لم يكن عنده دابة أو سلاح"، وأرسل المعتصم جيشا يتقدمه بقيادة عجيف بن عنبسة لإدراك مدينة زبطرة التي تتعرض لهجوم الروم، فلم يدركوا إنقاذها، فقد اجتاحها ملك الروم وخربها ثم عاد إلى بلاده فرجعوا إلى الخليفة الذي اشتد غضبه فسأل: أي بلاد الروم أمنع؟ فقالوا: عمورية لم يعرض لها أحد منذ كان الإسلام، وهي أشرف عندهم من القسطنطينية.

تجهز المعتصم للحرب "جهازا لم يجهزه أحد كان قبله من الخلفاء"، وأخذ معه من آلات الحرب والأحمال والجمال والقِرَب والدَّوَابّ والنفط والخيل والبغال والسلاح شيئا لم يُسمع بمثله، وسار إلى عمورية في جحافل أمثال الجبال [المنطقة الحدودية بين الدولتين الإسلامية والبيزنطية د. حسين مؤنس: أطلس تاريخ الإسلام ص150)].

كان الهدف النهائي اقتحام أنقرة وعمورية أعظم وأحصن مدينتين في الامبراطورية البيزنطية بعد العاصمة "القسطنطينية"- وكان مركز العمليات عند نهر اللمس الذي يعبر على بلدة "سلوقية" القريبة من طرسوس، ووضعت الخطة بحيث يتوجه جيشان من طريقين مختلفين إلى أنقرة، أحدهما بقيادة القائد التركي الإفشين ويخرج من سروج إلى أنقرة عبر درب الحدث، والثاني هو الرئيسي بقيادة المعتصم ولكنه منقسم إلى جيش أساسي وطلائع، الطليعة الأولى يقودها أشناس والثانية يقودها وصيف (وكل هؤلاء القادة أتراك)، هذا الجيش الثاني سيتحرك منقسما من درب طرسوس ثم سيجتمع عند حصن الصفصاف.

وأدت أجهزة الاستطلاع عملها بكفاءة، فأنقذت طليعة أشناس من كمين قاتل لملك الروم الذي كان ينتظر عبورها نهر اللمس ليهاجمها عبر مخاضة في النهر لم تكن معروفة للمسلمين، لولا أن رسالة وصلت إلى المعتصم فأرسلها إلى طليعة أشناس فأوقف بها تقدمها نحو حصن الصفصاف، وظلت الطليعة معسكرة عند منطقة تسمى "مرج الأسقف" تنتظر وصول الإمدادات والمعدات الثقيلة كالمجانيق والتي كانت في مؤخرة الجيش.

وفي مرج الأسقف وصلت رسالة من المعتصم تُكَلِّف أشناس بأن يقوم باستطلاع خبر ملك الروم الذي لم يُعرف أين هو، فأخرج أشناس سرية من مائتي فارس تحرشت بحصن قرة وانقسمت إلى ثلاثة مجموعات فوقع في أسرهم مجموعة من الروم قدموا معلومات غالية عن جيش الروم منها:

1- أن صاحب حصن قرة يعد كمينا للسرية، فسارع قائدها عمر الفرغاني بتجميع المجموعات الثلاثة في مكان جديد وخطة جديدة فأفلت من الكمين، ورجع إلى طليعة أشناس ومعه الأسرى.

2- أن ملك الروم يعسكر منذ أكثر من ثلاثين يوما ينتظر عبور جيش المعتصم لنهر اللمس.

3- أن ملك الروم فوجئ بجيش آخر وهو جيش الإفشين- الذي بلغه وصوله وتوغله في أرض الروم حتى صار في ظهره، فانطلق ملك الروم بقسم من الجيش لحرب الأفشين وترك على بقيته ابن خاله، فأرسل المعتصم عدة رسل من طرق مختلفة- لتلحق الإفشين بهذه المعلومات وجعل لكل منهم عشرة آلاف درهم إن استطاعوا إيصال الكتاب، لكن أحدا منهم لم يدرك الإفشين الذي كان قد توغل بحيث استحال الوصول إليه.

ثم وصلت المعدات الثقيلة مع مؤخرة الجيش، وبدأ تحرك جيش المعتصم وطليعته التي يقودها أشناس نحو أنقرة، وتعرض جيش المعتصم لضائقة في الغذاء وأعلاف الدواب، فأوقع الله أسيرا من الروم بين أيدي طليعة أشناس فعرض عليهم أن يدلهم على أرض أقوات وعلى مكان أهل أنقرة الذين هربوا منها مقابل تركه، فتم له ما أراد، وظفر الجيش بأرض مرعى ثم بمكان أهل أنقرة الهاربين منها فسُدَّ النقص في إمدادات الجيش الذي ظفر بكثير من الغنائم، وظفر بما هو أغلى من هذا، ببشرى انتصار الإفشين على ملك الروم!.

لقد انطلق ملك الروم على رأس قسم من الجيش لملاقاة جيش الإفشين، ودارت معركة هائلة بينهما (25 شعبان 223 هـ) قرب منطقة تسمى "لورله" انتصر فيها الروم أول الأمر ثم صمد فرسان المسلمين وأعادوا الهجوم بقوة حتى هزموا جيش الروم ومزقوه تماما وصار لا يدري أحد منهم موضع الكتائب الأخرى ولا حتى أين ملك الروم فينحازون إليه، فعادت فلولهم إلى معسكر الجيش الرئيس عند نهر اللمس فإذا بهم يجدون الفوضى ضاربة بأطنابها فيه وقد تنازع الأمراء مع ابن خال الملك الأمر ونشبت بينهم خلافات كبيرة، ولما عاد ملك الروم من هزيمته أمام الإفشين فوجئ بهذا الوضع القاتل، فقتل قريبه -الذي رآه مسؤولا عما حدث للجيش أو لعله قتله إرضاء للأمراء وطلبا لتوحدهم في القتال من جديد- وأرسل نداء عاما إلى كافة المدن والبلدات أن لا يدخلوا إليهم رجلا كان في الجيش هاربا إلا جلدوه أو يرجع إلى معسكر الملك ليباشر الحرب، وأرسل من فوره جزءا من الجيش إلى أنقرة ليحفظوها قبل أن يأتيها المعتصم، لكن هذا القسم وصل إليها فوجد أن أهلها قد خربوها وهجروها وهربوا منها، فانطلق الملك يجمع شتاته ليسير نحو هدف المسلمين الثاني، عمورية.

بعد ثلاثة أيام من وصول هذه المعلومات إلى المعتصم، وصلت رسالة الإفشين تخبر بما جرى وبالنصر الذي أنزله الله على المسلمين، وتؤكد أن مسار الخطة كما هي وأن التقاء الجيوش سيكون في أنقرة.

ومن أنقرة أعاد المعتصم هيكلة الجيش فجعله ثلاثة جيوش منقسمة إلى كتائب، وعزم على تدمير كل ما بين أنقرة وعمورية من قدرات الروم الاقتصادية والعسكرية، فسلكت الكتائب طرقا عديدة فبلغت في إنهاك الروم وتخريب حصونهم أقصى ما استطاعت ثم اجتمعت مرة أخرى أمام الهدف الأكبر، عمورية!.

حاصرت الجيوش المدينة الهائلة التحصين (6 رمضان 223 هـ)، ذات السور الشاهق الذي يسبقه خندق عريض، فكانت خطة المعتصم صناعة مجانيق شاهقة بحجم ارتفاع السور وتكون واسعة بحيث تسع أربعة مقاتلين، وأما الخندق فقد أمر المعتصم كل جندي إذا أكل شاة أو غنما أن يحشو جلدها ترابا، ثم ترمى كل هذه في الخندق، وكان المأمول أن يردم الخندق ثم تأتي الدبابة فتسير عليه حتى تنقب السور، لكن رمي جلود الشياه كان يتم على عجل هربا من سهام الروم وحجارتهم فلم يكن ردم الخندق سهلا، ثم لم تفلح الدبابات في تسوية الجلود بل عَلَقت بها، ففشلت هذه الخطة.

لكن الله لا يخيب سعي المخلصين فما هو إلا أن سَخَّر الله لهم أسيرا كان من المسلمين قديما ثم تنصر وتزوج في عمورية فلما رأى جيوش المسلمين هرب إليهم، وكان أغلى ما هرب به أن دلهم على موضع في المدينة خربته سيول قريبة ولم يكتمل بناؤه بعد إهمالا من الوالي، فلما جاءت هذه الحرب وخشي الوالي من ملك الروم بنى السور بناء هشا بحيث يظهر كأن بناءه قد اكتمل على أن الحقيقة أن الحجارة ليست إلا واجهة لهذه المنطقة الضعيفة في السور.

اختبر المعتصم كلام الرجل فركز ضربات المجانيق عليها فبدأت في الانهيار، وتركز عليها دفاع الروم بطبيعة الحال، ولكن هذا الانهيار السريع غير المتوقع ضرب معنوياتهم في مقتل، فقرر والي المدينة مع القائد العسكري الذي أرسله ملك الروم أن ينفذ هجوما مفاجئا في الليل ليتخلص به من الحصار مع ما أمكنه من الجنود، وأرسلوا بهذا رسالة إلى ملك الروم، لكن الرسالة وقعت في يد جيش المسلمين فتم تشديد الحراسة بالليل على الأبواب ففشلت خطة الهروب الخاطف، مع استمرار التركيز على الناحية المنهارة من السور حتى سقطت تحت وقع الضربات الدائمة.

انحصرت الحرب حول هذه النقطة حتى انهارت دفاعاتها وعزم قائدها على التسليم وطلب الأمان بعدما تخلى عنه القواد الآخرون، وقبل أن يتم الاتفاق على التسليم اقتحم المسلمون المدينة (17 رمضان 223 هـ) فهرب الروم في كل وجه وشاع فيهم القتل والأسر في سائر الجهات وانهارت دفاعات المدينة جميعا، وأخذ المسلمون من عمورية أموالا لا تحد ولا توصف فحملوا منها ما أمكن حمله، وأمر المعتصم بإحراق ما بقي من ذلك، وبإحراق ما هنالك من المجانيق والدبابات وآلات الحرب لمزيد من إضعاف القوة الحربية للروم، ثم عاد راجعا (23 رمضان 223 هـ).

وكان نصرا عظيما باهرا، قتل فيه الروم ثلاثين ألفا وكان الأسرى مثل ذلك، ومنهم ستون قائدا، وبينهم واليها، كما جاء المعتصم بأحد الأبواب الفاخرة من عمورية إلى بغداد فجعله في دار الخلافة ببغداد.

وهكذا انتصر الخليفة الغاضب لما وقع بالمسلمين من الأسر والقتل، وأثبت أنه قائد دولة يستحق أن يكون على رأسها وأنه مسؤول حقا عن حماية أهلها، وتأديب أعدائها.

وهناك في بغداد، أنشد أبو تمام قصيدته الشهيرة التي خلد بها النصر:

السَّيْفُ أَصْدَقُ أَنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ *** في حدهِ الحدُّ بينَ الجدِّ واللَّعبِ

بيضُ الصَّفائحِ لاَ سودُ الصَّحائفِ في *** مُتُونِهنَّ جلاءُ الشَّك والريَبِ

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة