الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعدُ:

نتكلم في هذه الحلقة عن الاستحاضة وما يتعلق بها من أحكام، ونختم بها إن شاء الله - تعالى -الحديث عن أحكام الحيض.

أولا: تعريف الاستحاضة:

هي سيلان الدم في غير أوقاته المعتادة "غير الحيض والنفاس" من مرض وفساد، من عِرْق أدنى الرحم، يقال له العاذل، فكل نزيف من الأنثى قبل مدة الحيض: "وهي تسع سنين" أو نقص عن أقل الحيض، أو زاد على أكثره أو أكثر النفاس، أو زاد عن أيام العادة الشهرية وجاوز أكثر مدة الحيض، أو ما تراه الحامل "الحبلى" في رأي الحنفية والحنابلة، هو استحاضة [الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ وَهْبَة الزُّحَيْلِيّ 1/557)].

ثانيا: حالات المستحاضة:

المستحاضة أمرها مشكل؛ لاشتباه دم الحيض بدم الاستحاضة، فإذا كان الدم ينزل منها باستمرار أو غالب الوقت؛ فما الذي تعتبره منه حيضًا وما الذي تعتبره استحاضة لا تترك من أجله الصوم والصلاة؛ فإن المستحاضة يعتبر لها أحكام الطاهرات [الملخص الفقهي: صالح بن فوزان الفوزان 18/84)].

وبناء على ذلك؛ هناك أمور ثلاثة تحتاج إلى بحث وهي:

ا- أن تكون مدة الحيض معروفة لها قبل الاستحاضة، وفي هذه الحالة تعتبر هذه المدة المعروفة هي مدة الحيض، والباقي استحاضة؛ لأن النبي -صلى الله عليه - ردّ فاطمة بنت أبي حبيش إلى عادتها، فقال: ((دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين)).

وقال -صلى الله عليه وسلم- لأم حبيبة: ((امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي وصلي)). رواه مسلم ولحديث أم سلمة: أنها استفتت النبي - صلى الله عليه وسلم - في امرأة تهراق الدم، فقال: ((لتنظر قدر الليالي والأيام التي كانت تحيضهن وقدرهن من الشهر، فتدع الصلاة، ثم لتغتسل ولتستثفر ثم تصلي))[رواه مالك والشافعي والخمسة إلا الترمذي قال النووي: وإسناده على شرطهما].

قال الخطابي: هذا حكم المرأة يكون لها من الشهر أيام معلومة تحيضها في أيام الصحة قبل حدوث العلة، ثم تستحاض فتهريق الدم، ويستمر بها السيلان أمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تدع الصلاة من الشهر قدر الأيام التي كانت تحيض، قبل أن يصيبها ما أصابها، فإذا استوفت عدد تلك الأيام، اغتسلت مرة واحدة، وحكمها حكم الطواهر[فقه السنة السيد سابق: 1/87)].

مثال: امرأة كانت يأتيها الحيض ستة أيام من أول كل شهر، ثم طرأت عليها الاستحاضة فصار الدم يأتيها باستمرار فيكون حيضها ستة أيام من أول كل شهر، وما عداها استحاضة [إيقاظ الأفهام في شرح عمدة الأحكام: سليمان بن محمد اللهيميد 4/74].

2- أن لا يكون لها وقت حيض معلوم قبل الاستحاضة، فالمستحاضة عند الفقهاء إما أن تكون ذات عادة شهرية سابقة، فهي تعرف مدة حيضتها، فيطبق عليها الدم فلا تعرف حيضاً من استحاضة، وإما أن تكون مبتدئة بالحيض، وتأتي حيضتها طويلة، ولا تعرف مدة حيضتها، ولا ما زاد عليها من استحاضة، فهذه تعمل بالتمييز. [شرح بلوغ المرام: عطية بن محمد سالم].

والتَّمييزُ: التَّبيُّن حتى يُعرفَ هل هو دُم حيض، أو استحاضة.

والتَّمييز له أربع علامات:

الأولى: اللَّون: فدم الحيض أسودُ، والاستحاضةِ أحمرُ.

الثانية: الرِّقة: فدم الحيض ثخينٌ غليظٌ، والاستحاضةِ رقيقٌ.

الثالثة: الرَّائحة: فدم الحيض منتنٌ كريهٌ، والاستحاضةِ غيرُ منتنٍ، لأنه دَمُ عِرْقٍ عادي.

الرَّابعةُ: التَّجمُّد: فدم الحيض لا يتجمَّد إِذا ظهر؛ لأنه تجمَّد في الرَّحم، ثم انفجر وسال، فلا يعود ثانية للتجمُّد، والاستحاضة يتجمَّد، لأنه دم عِرْقٍ. هكذا قال بعضُ المعاصرين من أهل الطبِّ، وقد أشار - صلى الله عليه وسلم - إِلى ذلك بقوله: «إِنه دَمُ عِرْقٍ»، والمعروف أنَّ دماء العروق تتجمَّد.

مثاله: امرأةٌ نسيت عادتها؛ لا تدري هل هي في أوَّل الشَّهر، أو وسطه أو آخره، فنقول: ترجع إِلى المرحلة الثَّانية، وهي التَّمييز؛ لأنها لما نسيت العادة تعذَّر العمل بها، فترجع إِلى التَّمييز..[الشرح الممتع على زاد المستقنع: محمد بن صالح العثيمين: 1/487].

ودليل ذلك حديث عروة عن فاطمة بنت أبي حُبَيش، أنها كانت تستحاض، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا كان دم الحيضة، فإنه أسود يعرف، فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلِّي، فإنما هو عِرْق))[رواه أبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان والحاكم].

هذا الحديث فيه أن المستحاضة تعتبر صفة الدم، فتميز بها بين الحيض وغيره [الملخص الفقهي: صالح بن فوزان الفوزان 1/84].

مسألة: لو فرض أنه وجد عند المرأة صفتان: "عادة وتمييز".

وهنا فرضان:

أ- أن تكون العادة موافقة للتمييز، فهذا لا إشكال فيه.

ب- أن يكون عندها تمييز، لكنه مختلف عن عادتها.

مثال: عادتها من تاريخ 1/6 من كل شهر، وتمييزها 8/6. [إيقاظ الأفهام في شرح عمدة الأحكام: سليمان بن محمد اللهيميد 4/74].

فهنا بماذا تعمل؟ اختلف العلماء:

فالمشهور من مذهب أحمد: أنها تأخذ بالعادة. واستدلُّوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - لأمِّ حبيبة بنت جحش: ((امْكُثي قَدْرَ ما كانت تحبسُكِ حَيْضَتُكِ)).

فردَّها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - للعادة، واحتمال وجود التَّمييز معها ممكنٌ، ولم يستفصل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -.

فلمَّا لم يستفصل مع احتمال وجود التَّمييز عُلِمَ أنها ترجع إِلى العادة مطلقاً، وأنَّ المسألة على سبيل العموم؛ إِذ من القواعد الأصولية المقرَّرة: "أنَّ ترك الاستفصال في مقام الاحتمال يُنَزَّلُ منزلةَ العموم في المقال".

وذهب الشَّافعيُّ، وهو روايةٌ عن أحمد: أنها ترجع للتَّمييز.

واستدلُّوا بما يلي:

1- قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إِنَّ دمَ الحيضِ أسودُ يُعرَفُ)) قال هذا في المستحاضة، والنساء اللاتي استحضن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حوالي سبع عشرة امرأة، ولا يُستبعد أن تنتقلَ العادةُ من أوَّل الشَّهر إِلى وسطه بسبب مرض الاستحاضة الذي طرأ عليها.

2- أنَّ التَّمييز علامةٌ ظاهرةٌ واضحةٌ، فيُرجع إِليها.

والرَّاجح: أنها ترجع للعادة، ولأنَّ الحديث الذي فيه ذكر التَّمييز قد اختُلِفَ في صحَّته.

ولأنه- أي الرجوع للعادة - أيسر وأضبطُ للمرأة؛ لأنَّ هذا الدَّمَ الأسود، أو المنتنَ، أو الغليظَ، ربما يضطرب، ويتغيَّر أو ينتقل إِلى آخر الشَّهر، أو أوَّله، أو يتقطَّع بحيث يكون يوماً أسود، ويوماً أحمر [الشرح الممتع على زاد المستقنع: محمد بن صالح العثيمين 1/492].

ثالثاً: أن يستمر بها الدم ولم يكن لها أيام معروفة، إما لأنها نسيت عادتها، أو بلغت مستحاضة، ولا تستطيع تمييز دم الحيض.

وفي هذه الحالة يكون حيضها ستة أيام أو سبعة، على غالب عادة النساء، لحديث حمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض حيضة شديدة كثيرة، فجئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أستفتيه وأخبره فوجدته في بيت أختي زينب بن جحش، قالت فقلت: يا رسول الله إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة، فما ترى فيها، وقد منعتني الصلاة والصيام؟ فقال: ((أنعت لك الكرسف - أصف لك القطن - فإنه يذهب الدم)) قالت: هو أكثر من ذلك، قال: ((فتلجمي - شدي خرقة مكان الدم على هيئة اللجام -)) قالت: إنما أثج ثجًّا - شدة السيلان - فقال: ((سآمرك بأمرين)) أيهما فعلت فقد أجزأ عنك من الآخر، فإن قويت عليهما فأنت أعلم، فقال لها: ((إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام إلى سبعة في علم الله ثم اغتسلي، حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقيت، فصلي أربعًا وعشرين ليلة، أو ثلاثًا وعشرين ليلة وأيامها، وصومي، فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيض النساء وكما يطهرن بميقات حيضهن وطهرهن، وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر، فتغتسلين ثم تصلين الظهر والعصر جميعًا، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء وتجمعين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الفجر وتصلين، فكذلك فافعلي وصلي وصومي إن قدرت على ذلك...))، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((وهذا أحب الأمرين إليّ))[رواه أحمد وأبو داود والترمذي قال: هذا حديث حسن صحيح، قال: وسألت عنه البخاري فقال: حديث حسن وحسنه الألباني، انظر صحيح أبي داود: 287). وقال أحمد بن حنبل: هو حديث حسن صحيح].

قال الخطابي - تعليقًا على هذا الحديث-: إنما هي امرأة مبتدأة لم يتقدم لها أيام، ولا هي مميزة لدمها، وقد استمر بها الدم حتى غلبها، فرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرها إلى العرف الظاهر والأمر الغالب من أحوال النساء كما حمل أمرها في تحيضها كل شهر مرة واحدة على الغالب من عادتهن. ويدل على هذا قوله: ((كما تحيض النساء ويطهرن بميقات حيضهن وطهرهن)) قال: وهذا أصل في قياس أمر النساء بعضهن على بعض، في باب الحيض والحمل والبلوغ، وما أشبه هذا من أمورهن[فقه السنة: السيد سابق 1/88].

وهذا التخيير الوارد في الحديث ليس على التشهي وإنما على الاجتهاد، فتجتهد وتبني حكمها بالنظر إلى نسائها وقريباتها، فالمقصود أنها تتحرى وتجتهد وتقرر ستة أيام أو سبعة [شرح الزاد للحمد: 2/222].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: "والعلامات التي قيل بها ست: إما العادة؛ فإن العادة أقوى العلامات؛ لأن الأصل مقام الحيض دون غيره، وإما التمييز؛ لأن الدم الأسود والثخين المنتن أولى أن يكون حيضًا من الأحمر، وإما اعتبار غالب عادة النساء؛ لأن الأصل إلحاق الفرد بالأعم الأغلب؛ فهذه العلامات الثلاث تدل عليها السنة والاعتبار، ثم ذكر بقية العلامات التي قيل بها.

وقال في "النهاية": "وأصوب الأقوال اعتبار العلامات التي جاءت بها السنة، وإلغاء ما سوى ذلك"[الملخص الفقهي: صالح بن فوزان الفوزان: 1/87].

وقال العلامة الشوكاني كلمة جامعة نختم بها هاهنا حيث قال: وقد أطال المصنّفون في الفقه الكلام في المستحاضة واضطربت أقوالهم اضطرابًا يبعد فهمه على أذكياء الطلبة فما ظنك بالنساء، وبالغوا في التعسير حتى جاؤوا بمسألة المتحيرة فتحيروا.

والأحاديث الصحيحة قد قضت بعدم وجودها؛ لأن حديث الباب ظاهر في معرفتها إقبال الحيضة وإدبارها، وكذلك الحديث الآتي في الباب الذي بعد هذا فإنه صريح في أن دم الحيض يعرف ويتميز عن دم الاستحاضة فطاحت مسألة المتحيرة وللَّه الحمد، ولم يبق ههنا ما يستصعب إلا ورود بعض الأحاديث الصحيحة بالإحالة على صفة الدم وبعضها بالإحالة على العادة وقد عرفت إمكان الجمع بينها بما سلف [نيل الأوطار - الشوكاني 1/329].

أحكام المستحاضة:

أولاً: هل يحرم شيء على المستحاضة مما يحرم على الحائض؟

الاستحاضة حدث دائم كسلَس بول ومذي وغائط وريح باتفاق الفقهاء، أو كرعاف دائم أو جرح لا يرقأ دمه أي لا يسكن عند الحنفية والحنابلة، فلا يمنع شيئاً مما يمنعه الحيض والنفاس من صلاة وصوم ولو نفلاً، وطواف، وقراءة قرآن ومس مصحف ودخول مسجد واعتكاف ووطء بلا كراهة [الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ: وَهْبَة الزُّحَيْلِيّ 1/561].

قال النووي - رحمه الله - (شرح مسلم 1/631): وأما الصلاة والصيام والاعتكاف وقراءة القرآن ومس المصحف وحمله وسجود التلاوة وسجود الشكر ووجوب العبادات عليها فهي في كل ذلك كالطاهرة، وهذا مجمع عليه.

وأدلة ذلك:

أولا الصلاة والصوم:

1- ما روت عائشة قالت: "قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إني امرأة أُسْتَحاض، فلا أطهرُ، أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنما ذلك عِرْق -أي ينزف-، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها -قدر عادتها- فاغسلي عنك الدم، وصلِّي))[متفق عليه].

2- أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - حَمْنة بنت جَحْش بالصوم والصلاة في حالة الاستحاضة.

ثانيا الاعتكاف: يجوز للمستحاضة الاعتكاف؛ لحديث عائشة: "أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - اعتكف معه بعض نسائه وهي مستحاضة ترى الدم فربما وضعت الطشت تحتها من الدم"[رواه البخاري].

وفي رواية: ((اعتكف معه امرأة من أزواجه وكانت ترى الدم والصفرة والطشت تحتها وهي تصلي))[رواه أحمد والبخاري وأبو داود].

مسألة: هل يجب على المستحاضة الغسل لكل صلاة؟

نقل صاحب المغني في ذلك أقوالاً: الأوّل: تغتسل عندما يحكم بانقضاء حيضها أو نفاسها. وليس عليها بعد ذلك إلاّ الوضوء ويجزيها ذلك.

قال النووي: وبهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف؛ لقول النّبيّ -صلى الله عليه وسلم- لفاطمة بنت أبي حبيشٍ: إنّما ذلك عرقٌ وليست بالحيضة، فإذا أقبلت فدعي الصّلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدّم وصلّي، وتوضّئي لكلّ صلاةٍ"[قال التّرمذيّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (1/408)].

قال الشوكاني: "والحديث يدل على وجوب الوضوء لكل صلاة، ويدل على أن الغسل لا يجب إلا مرة واحدة عند انقضاء الحيض"[نيل الأوطار - الشوكاني 1/348].

الثّاني: أنّها تغتسل لكلّ صلاةٍ.

روي ذلك عن عليٍّ وابن عمر وابن عبّاسٍ وابن الزّبير، وهو أحد قولي الشّافعيّ في المتحيّرة؛ لأنّ عائشة روت: أنّ أمّ حبيبة استحيضت، فأمرها النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أن تغتسل لكلّ صلاةٍ.

الثّالث: أنّها تغتسل لكلّ يومٍ غسلاً واحداً، روي هذا عن عائشة وابن عمر وسعيد بن المسيّب.

الرّابع: تجمع بين كلّ صلاتي جمعٍ بغسلٍ واحدٍ، وتغتسل للصّبح[المغني لابن قدامة1/408)].

ودليل الجمهور أن الأصل عدم الوجوب فلا يجب إلا بورود الشرع بإيجابه.

قال النووي: ولم يصح عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أنه أمرها بالغسل إلا مرة واحدة عند انقطاع حيضها وهو قوله - صلى الله عليه وآله وسلم -: ((إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي)) وليس في هذا ما يقتضي تكرار الغسل [المجموع: 2/536].

قال الشافعي -رحمه الله تعالى- في الرد علي ما احتج به من قال بوجوب الغسل وهو حديث أم حبيبة: إنما أمرها رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أن تغتسل وتصلي وليس فيه أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة قال: ولا أشك إن شاء الله أن غسلها كان تطوعًا غير ما أمرت به. [الأم 1/80)].

قال الشوكاني: وما ذهب إليه الجمهور من عدم وجوب الاغتسال إلا لإدبار الحيضة هو الحق؛ لفقد الدليل الصحيح الذي تقوم به الحجة لاسيما في مثل هذا التكليف الشاق فإنه لا يكاد يقوم بما دونه في المشقة إلا خُلّص العباد فكيف بالنساء، والتيسير وعدم التنفير من المطالب التي أكثر المختار - صلى الله عليه وآله وسلم - الإرشاد إليها، فالبراءة الأصلية المعتضدة بمثل ما ذكر لا ينبغي الجزم بالانتقال عنها بما ليس بحجة توجب الانتقال وجميع الأحاديث التي فيها إيجاب الغسل لكل صلاة "لا يقال" إنها تنتهض للاستدلال بمجموعها لأنا نقول هذا مُسَلّم لو لم يوجد ما يعارضها، وأما إذا كانت معارضة بما هو ثابت في الصحيح فلا كحديث عائشة فإن فيه: إن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أمر فاطمة بنت أبي حبيش بالاغتسال عند ذهاب الحيضة.

فقط وترك البيان في وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في الأصول وقد جمع بعضهم بين الأحاديث بحمل أحاديث الغسل لكل صلاة على الاستحباب [نيل الأوطار - الشوكاني 1/302].

ويجب أن تتوضأ لكل صلاة. لرواية البخاري: ((ثم توضئي لكل صلاة)).

قال الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله -: "ومعنى ذلك أنها لا تتوضأ للصلاة المؤقتة إلا بعد دخول وقتها، أما إذا كانت الصلاة غير مؤقتة، فإنها تتوضأ لها عند إرادة فعلها".

ثانياً: أنها إذا أرادت الوضوء فإنها تغسل أثر الدم، وتعصب على الفرج خرقة قطن ليستمسك الدم [إيقاظ الأفهام في شرح عمدة الأحكام: سليمان بن محمد اللهيميد 4/75].

ثالثًا: وطء المستحاضة:

يجوز وطؤها في حال جريان دم الاستحاضة عند جماهير العلماء؛ لأنها كالطاهر في الصلاة والصوم وغيرهما، وكذا في الجماع، ولأنه لا يحرم إلا عن دليل، ولم يأت دليل بتحريم جماعها. قال ابن عباس: المستحاضة يأتيها زوجها إذا صلت، الصلاة أعظم. يريد: إذا جازت لها الصلاة ودمها جارٍ، وهي أعظم ما يشترط له الطهارة، جاز جماعها [سبل السلام: الأمير الصنعاني 1/104].

واحتج الجمهور بأدلة منها:

1 - عن عكرمة عن حمنة بنت جحش: ((أنها كانت تستحاض وكان زوجها يجامعها)).

2 - وعنه أيضا قال: ((كانت أم حبيبة تستحاض وكان زوجها يغشاها))[رواهما أبو داود].

وكانت أم حبيبة تحت عبد الرحمن بن عوف كذا في صحيح مسلم.

وكانت حمنة تحت طلحة بن عبيد الله وقد سألتا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أحكام المستحاضة، فلو كان حراماً لبينه النبي - صلى الله عليه وسلم -.

قال النووي: قال أصحابنا وجامع القول في المستحاضة: إنه لا يثبت لها شيء من أحكام الحيض بلا خلاف، ونقل ابن جرير الإجماع على أنها تقرأ القرآن وإن عليها جميع الفرائض التي على الطاهر[المجموع 2/542)].

فائدة: المستحاضات في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

فاطمة بنت أبي حبيش - حمنة بنت جحش - أسماء بنت مرثد - زينب بنت جحش - أم حبيبة بنت جحش - سهلة بنت سهيل - أم سلمة - سودة بنت زمعة.

قال ابن عبد البر: "إن ثلاثاً من بنات جحش استحضن: حمنة، وزينب، وأم حبيبة"[إيقاظ الأفهام في شرح عمدة الأحكام: سليمان بن محمد اللهيميد 4/75].

وإلى هنا ينتهي بنا الحديث عن أحكام الحيض وأحكامه، نسأل الله -عز وجل- أن ينفع بما ذكرناه، وأن يتقبله منا فهو نعم المولى ونعم النصير.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة