أحكام الحيض 2
الكاتب : حمدي طه
عدد القراءات : 290

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعدُ:

فقد بدأنا في العدد السابق في بيان ما حرم على الحائض والنفساء، وفي هذا العدد نتحدث عن باقي ما يحرم على الحائض والنفساء، وقد سلكت مسلك البسط في ذكر الأقوال والأدلة لأهمية هذه المسائل بالنسبة للرجال والنساء على السواء.

7- الاِسْتِمْتَاعُ بِالْحَائِضِ:

اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى حُرْمَةِ وَطْءِ الْحَائِضِ فِي الْفَرَجِ لِقَوْلِهِ - تعالى -: (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ).

وسبب نزول الآية ما صح عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ، فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَأَنْزَلَ اللَّهُ -تعالى-: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) إِلَى آخِرِ الآيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ((اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ)) فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ، فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلاَّ خَالَفَنَا فِيهِ، فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَقَالاَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْيَهُودَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا. فَلاَ نُجَامِعُهُنَّ. فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا، فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمَا فَسَقَاهُمَا، فَعَرَفَا أَنْ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا"[مسلم 302)].

وَحَكَى عدد كبير من أهل العلم الإِْجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، منهم الطبري وابن حزم والقرطبي والنَّوَوِيُّ.

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الاِسْتِمْتَاعِ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّة وَالْمَالِكِيَّة وَالشَّافِعِيَّة - إِلَى حُرْمَةِ الاِسْتِمْتَاعِ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: كَانَتْ إِحْدَانَا إِذَا كَانَتْ حَائِضًا فَأَرَادَ رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يُبَاشِرَهَا أَمَرَهَا أَنْ تَتَّزِرَ ثُمَّ يُبَاشِرُهَا. قَالَتْ: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرْبَهُ كَمَا كَانَ رَسُول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَمْلِكُ إِرْبَهُ[أبو داود 2167 وصححه الألباني].

ولقوله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن سعد حينما سأله: ما يحل لي من امرأتي، وهي حائض؟ قال: ((لك ما فوق الإزار))[أبو داود 212 وصححه الألباني)].

ولأن الاستمتاع بما تحت الإزار يدعو إلى الجماع، فحرم لخبر الصحيحين عن النعمان بن بشير: ((من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه))[متفق عليه].

فمَنْ يَرْعَى حَوْل الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُخَالِطَ الْحِمَى.

والإزار: الثوب الذي يستر وسط الجسم وما دونه، وهو ما بين السرة والركبة غالبًا، فما عدا ذلك جائز بالذكر أو القبلة أو المعانقة أو اللمس أو غير ذلك. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى جَوَازِ الاِسْتِمْتَاعِ مِنَ الْحَائِضِ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ، فَلَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِمَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَهَذَا مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ.

وقال ابن حزم: وللرجل أن يتلذذ من امرأته الحائض بكل شيء، حاشا الإيلاج في الفرج، (المحلى 5/ 342) ومال إلي ذلك النووي في شرح مسلم فقال وهو الأقوى دليلاً(1/512).

وَيُسْتَحَبُّ لَهُ حِينَئِذٍ سَتْرُ الْفَرْجِ عِنْدَ الْمُبَاشَرَةِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَصَوَّبَ الْمِرْدَاوِيُّ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَأْمَنْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ، حَرُمَ عَلَيْهِ لِئَلاَّ يَكُونَ طَرِيقًا إِلَى مُوَاقَعَةِ الْمَحْظُورِ.

واحتج الحنابلة لمذهبهم بقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أنس: ((اصنعوا كل شيء إلا النكاح)).

وعن عكرمة عن بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد من الحائض شيئا ألقى على فرجها ثوبًا[أبو داود 272 وصححه الألباني].

قلت: وما ذهب إليه الحنابلة أرجح، وما ذهب إليه الجمهور أحوط.

كفارة وطء الحائض ونحوها:

يرى المالكية والحنفية والشافعية في المذهب الجديد: أنه لا كفارة على من وطئ حائضاً ونحوها، بل الواجب عليه الاستغفار والتوبة؛ لأن الأصل البراءة، فلا ينتقل عنها إلا بحجة، وحديث الكفارة مضطرب، ولأنه وطء محرم للأذى، فلم تتعلق به الكفارة كالوطء في الدبر. وهو مذهب أهل الظاهر قال ابن حزم: ومن وطئ حائضًا عامدًا أو جاهلاً، فقد عصى الله -تعالى- في العمد، وليس عليه في ذلك شيء لا صدقة ولا غيرها إلا التوبة والاستغفار[المحلى 3/162)].

ويرى الحنابلة في أرجح الروايتين عن أحمد: أنه تجب الكفارة على من وطئ امرأته في أثناء الحيض أو النفاس، والكفارة واجبة ولو كان الوطء من ناسٍ ومكره وجاهل الحيض أو التحريم، أو كلاهما، ولا تجب الكفارة بوطئها بعد انقطاع الدم.

والكفارة دينار أو نصف دينار على سبيل التخيير، أيهما أخرج أجزأه، لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: في الذي يأتي امرأته، وهي حائض: "يتصدق بدينار أو نصف دينار"[أبو داود 264 وصححه الألباني].

وتسقط كفارة الوطء في الحيض بعجز عنها، ككفارة الوطء في رمضان.

وَطْءُ الْحَائِضِ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ

ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّة وَالشَّافِعِيَّة وَالْحَنَابِلَة - إِلَى أَنَّهُ لاَ يَحِل وَطْءُ الْحَائِضِ حَتَّى تَطْهُرَ - يَنْقَطِعَ الدَّمُ- وَتَغْتَسِل، فَلاَ يُبَاحُ وَطْؤُهَا قَبْل الْغُسْل، قَالُوا: لأَِنَّ اللَّهَ -تعالى- شَرَطَ لِحِل الْوَطْءِ شَرْطَيْنِ: انْقِطَاعَ الدَّمِ، وَالْغُسْل، فَقَال - تعالى -: (وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) أَيْ يَنْقَطِعَ دَمَهُنَّ. (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) أَيِ اغْتَسَلْنَ بِالْمَاءِ (فَأَتَوْهُنَّ).

وَقَدْ صَحَ هذا التفسير عن غير واحد من التابعين كمجاهد.

وَفَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ أَنْ يَنْقَطِعَ الدَّمُ لأَِكْثَرَ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْقَطِعَ لأَِقَلِّهِ، وَكَذَا بَيْنَ أَنْ يَنْقَطِعَ لِتَمَامِ عَادَتِهَا، وَبَيْنَ أَنْ يَنْقَطِعَ قَبْل عَادَتِهَا. ولا يوجد دليل صحيح من كتاب أو سُنة على صحة هذا التقسيم وما ذهب إليه جمهور الفقهاء هو الأقوى دليلاً.

طَلاَقُ الْحَائِضِ:

اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ إِيقَاعَ الطَّلاَقِ فِي فَتْرَةِ الْحَيْضِ حَرَامٌ، وَهُوَ أَحَدُ أَقْسَامِ الطَّلاَقِ الْبِدْعِيِّ لِنَهْيِ الشَّارِعِ عَنْهُ، لِمُخَالِفَتِهِ قَوْله - تعالى -: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) أَيْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَشْرَعْنَ فِيهِ فِي الْعِدَّةِ.

ولما روي عن ابن عمر: "أنه طلق امرأته، فذكر عمر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ((مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهراً أو حاملاً))[مسلم 1471)].

وَلأَِنَّ فِي إِيقَاعِ الطَّلاَقِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ ضَرَرًا بِالْمَرْأَةِ لِتَطْوِيل الْعِدَّةِ عَلَيْهَا حَيْثُ لا تبدأ العدة إذا طلق الرجل زوجته في أثناء الحيض، لقوله - تعالى -: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)[البقرة: 228)].

وبعض القرء ليس بقرء.

أما بعد انقطاع الدم وقبل الغسل فيحل الطلاق.

فائدة في الفرق بين طلاق السنة وطلاق البدعة:

قال القرطبي: قال علماؤنا: طلاق السنة ما جمع شروطًا سبعة: وهو أن يطلقها واحدة، وهي ممن تحيض، طاهرًا، لم يمسها في ذلك الطهر، ولا تقدمه طلاق في حيض، ولا تبعه طلاق في طهر يتلوه، وخلا عن العوض. وهذه الشروط السبعة من حديث ابن عمر[الجامع لأحكام القرآن 18/152)].

مسألة هل يقع طلاق المرأة الحائض؟

ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ من الأئمة الأربعة وغيرهم إِلَى وُقُوعِ الطَّلاَقِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ، وذهب بعض الفقهاء كابن حزم وابن تيمية وابن القيم إلى عدم وُقُوعِ الطَّلاَقِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ [أحكام الفرقة بين الزوجين د. محمد وفا ص31)].

واستدل الجمهور بحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: "طلقت امرأتي وهي حائض فأتى عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له، فقال: ليراجعها، فإذا طهرت فإن شاء فليطلقها، قال قلت لابن عمر أفيحسب بها؟ قال: ما يمنعه أرأيت إن عجز واستحمق. وأخرجه الدارقطني عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: هي واحدة. أخرجه أحمد ومسلم].

قال الحافظ في الفتح: "وهذا في موضع الخلاف فيجب المصير إليه"[الفتح: 9/253)].

وفي رواية متفق عليها: "وكان عبد الله طلق تطليقة فحسبت من طلاقها".

وفي رواية: "كان ابن عمر إذا سئل عن ذلك قال لأحدهم أما إن طلقت امرأتك مرة أو مرتين فإن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أمرني بهذا، وإن كنت طلقت ثلاثًا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك وعصيت الله -عز وجل- فيما أمرك به من طلاق امرأتك"[رواه أحمد ومسلم والنسائي].

واستدل القائلون بعدم وقوع الطلاق في الحيض بزيادة وردت في حديث ابن عمر عند أبي داود في سننه وهي: "فردها عليّ رسول الله ولم يرها شيئًا".

ورد الجمهور بأن هذه الزيادة شاذة ولا تصلح للاحتجاج قال ابن عبد البر: قوله: "ولم يرها شيئًا" منكر لم يقله غير أبي الزبير وليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف بمن هو أثبت منه ولو صح فمعناه عندي والله أعلم ولم يرها شيئًا مستقيمًا؛ لكونها لم تقع على السنة[فتح الباري لابن حجر 9/353)].

واستدلوا أيضًا بقوله صلي الله عليه وسلم: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)).

قالوا: ولما كان الطلاق في حال الحيض ليس موافقًا للشرع يكون مردودًا على صاحبه، ولا يترتب على المردود طلاق.

ورد الجمهور بأن معنى الرد في الحديث عدم الثواب عليه، وعدم قبوله، ولا يلزم من عدم القبول عدم صحة العمل إذا وقع فإن الصلاة في الأرض المغصوبة أو الثوب المسروق صحيحة ولكن لا ثواب عليها[أحكام الفرقة بين الزوجين د. محمد وفا ص 32)].

وبعد عرض أدلة الفريقين يتبين قوة أدلة جمهور الفقهاء من الأئمة الأربعة وغيرهم وأن ما استدل به ابن حزم وغيره لا يعدو كونه تشغيبًا لا يرقى لمناهضة أدلة الجمهور، وعلى ذلك فإني أرى أن هذا الخلاف ضعيف، وأن الفتوى بعدم وقوع الطلاق في الحيض فيه مجازفة كبيرة ممن يترخص في الفتوى به.

الطواف:

يحرم على الحائض والنفساء الطواف بالبيت الحرام؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضي الله عنهما -: ((إذا حضت، افعلي ما يفعل الحاج، غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري))[مسلم 1211)].

وهذا محل اتفاق بين أهل العلم، ولكن هناك مسألة من الأهمية بمكان نذكرها هاهنا مع أنها من المسائل التي تتعلق بالحج وهي إذا حاضت المرأة في الحج فهل يسقط عنها الطواف؟

هذه المسألة من المسائل التي بحثها العلماء قديمًا وحديثًا لحاجة كثير من النساء اللاتي يتوافدن لحج بيت الله الحرام ويكن مرتبطات برحلات لا يستطعن التخلف عنها فتحيض إحداهن ولا تعرف ماذا تفعل؟ وقبل معرفة حكم هذه المسألة نقول: إن الأطوفة المشروعة في الحج ثلاثة: طواف القدوم، وطواف الإفاضة "أو الزيارة، أو طواف الركن" وطواف الوداع "أو طواف الصّدر" وهو طواف آخر العهد بالبيت، سمي بذلك لأنه يودّع البيت ويصدُرُ به. وما زاد على هذه الأطوفة فهو نفل.

هذا.. وقد أجمعوا على أن المكي ليس عليه إلا طواف الإفاضة.

كما أجمعوا على أنه ليس على المعتمر إلا طواف العمرة.

وأجمعوا على أن المتمتع عليه طوافان: طواف للعمرة لحله منها، وطواف للحج، يوم النحر.

أما المفرد للحج فليس عليه إلا طواف واحد يوم النحر، ويجب عليه عند المالكية القدوم أيضاً إن اتسع الوقت له، ويسن ذلك عند الجمهور.

أما طواف القدوم: فهو سنة عند جمهور الفقهاء لحاج دخل مكة قبل الوقوف بعرفة، سواء أكان مفرداً أم قارناً، وأما طواف الإفاضة أو الزيارة: فهو ركن باتفاق الفقهاء، لا يتم الحج إلا به، لقوله - عز وجل -: (وليطًّوفوا بالبيت العتيق)[الحج: 29)].

قال ابن عبد البر: هو من فرائض الحج، لا خلاف في ذلك بين العلماء. وأما طواف الوداع لمن أراد الخروج من مكة: فهو مندوب عند المالكية؛ وواجب عند باقي المذاهب [الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ أ. د. وَهْبَة الزُّحَيْلِيّ 3/516)].

إذا كان الطواف يحرم على الحائض والنفساء فهل يسقط عنها؟

اعلم -أخي القارئ وأختي القارئة-: أن ذلك مرجعه إلى نوع الطواف الذي عليها فعله فإذا حاضت المرأة أو نفست عند أول حجها سقط عنها طواف القدوم؛ لأنه سنة ولقوله صلي الله عليه وسلم لعائشة: ((افعلي ما يفعل الحاج...)) الحديث...

أما إذا حاضت المرأة أو نفست قبل أن تنفر من مكة فلا تخلو من أمرين، إما أن تكون طافت طواف الإفاضة ولم تطف طواف الوداع، ففي هذه الحالة تكتفي بطواف الإفاضة، فقد َاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ بِلاَ طَوَافِ وَدَاعٍ، تَخْفِيفًا عَلَيْهَا لحديث عائشة قالت حاضت صفية بنت حيى بعد ما أفاضت قالت عائشة: فذكرتُ حيضتها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أحابستنا هي؟!)) قالت: فقلت: يا رسول الله إنها قد كانت أفاضت وطافت بالبيت، ثم حاضت بعد الإفاضة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلتنفر)).

قال ابن قدامة: والمرأة إذا حاضت قبل أن تودع خرجت ولا وداع عليها هذا قول عامة فقهار الأمصار[المغني - ابن قدامة 3/489)].

أما إذا لم تطف طواف الإفاضة: وهو ركن بالإجماع كما سبق، فماذا تفعل المرأة في هذه الحالة؟ إن من أفضل من بحث هذه المسألة العلامة ابن القيم في كتابه الماتع إعلام الموقعين، وسأنقل عنه بعض ما كتبه في هذه المسألة وعلى من أراد الاستزادة فعليه الرجوع إلى الكتاب.

قال - رحمه الله - بعد أن أورد حديث عائشة السابق: "فَظَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الأَحْوَالِ وَالأَزْمَانِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ حَالِ الْقُدْرَةِ وَالْعَجْزِ، وَلاَ بَيْنَ زَمَنِ إمْكَانِ الِاحْتِبَاسِ لَهَا حَتَّى تَطْهُرَ وَتَطُوفَ وَبَيْنَ الزَّمَنِ الَّذِي لاَ يُمْكِنُ فِيهِ ذَلِكَ، وَتَمَسَّكَ بِظَاهِرِ النَّصِّ، وَرَأَى مُنَافَاةَ الْحَيْضِ لِلطَّوَافِ كَمُنَافَاتِهِ لِلصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ؛ إذْ نَهْيُ الْحَائِضِ عَنْ الْجَمِيعِ سَوَاءٌ، وَنَازَعَهُمْ فِي ذَلِكَ فَرِيقَانِ؛ أَحَدُهُمَا: صَحَّحَ الطَّوَافَ مَعَ الْحَيْضِ، وَلَمْ يَجْعَلُوا الْحَيْضَ مَانِعًا مِنْ صِحَّتِهِ، بَلْ جَعَلُوا الطَّهَارَةَ وَاجِبَةً تُجْبَرُ بِالدَّمِ وَيَصِحُّ الطَّوَافُ بِدُونِهَا وهو قول أبي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَحْمَدُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَهِيَ أَنَصُّهُمَا عَنْهُ، وَهَؤُلاَءِ لَمْ يَجْعَلُوا ارْتِبَاطَ الطَّهَارَةِ بِالطَّوَافِ كَارْتِبَاطِهَا بِالصَّلاَةِ ارْتِبَاطَ الشَّرْطِ بِالْمَشْرُوطِ، بَلْ جَعَلُوهَا وَاجِبَةً مِنْ وَاجِبَاتِهِ، وَارْتِبَاطَهَا بِهِ كَارْتِبَاطِ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ بِهِ يَصِحُّ فِعْلُهُ مَعَ الْإِخْلاَلِ بِهَا وَيَجْبُرُهَا الدَّمُ، وَالْفَرِيقُ الثَّانِي جَعَلُوا وُجُوبَ الطَّهَارَةِ لِلطَّوَافِ وَاشْتِرَاطَهَا بِمَنْزِلَةِ وُجُوبِ السُّتْرَةِ وَاشْتِرَاطِهَا، بَلْ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ شُرُوطِ الصَّلاَةِ وَوَاجِبَاتِهَا الَّتِي تَجِبُ وَتُشْتَرَطُ مَعَ الْقُدْرَةِ وَتَسْقُطُ مَعَ الْعَجْزِ، قَالُوا: وَلَيْسَ اشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ لِلطَّوَافِ أَوْ وُجُوبُهَا لَهُ أَعْظَمَ مِنْ اشْتِرَاطِهَا لِلصَّلاَةِ، فَإِذَا سَقَطَتْ بِالْعَجْزِ عَنْهَا فَسُقُوطُهَا فِي الطَّوَافِ بِالْعَجْزِ عَنْهَا أَوْلَى وَأَحْرَى، قَالُوا: وَقَدْ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ تَحْتَبِسُ أُمَرَاءُ الْحَجِّ لِلْحُيَّضِ حَتَّى يَطْهُرْنَ وَيَطُفْنَ.

من المقرر شرعا: أن الْعَاجِزِ عَنْ الشَّرْطِ وَالرُّكْنِ فَإِنَّهُ لاَ يُؤْمَرُ بِإِعَادَةِ الْعِبَادَةِ مَعَهُ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ؛ فَهَذِهِ إذَا لَمْ يُمْكِنْهَا إلاَّ الطَّوَافُ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَجَبَ عَلَيْهَا مَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ وَسَقَطَ عَنْهَا مَا تَعْجِزُ عَنْهُ، كَمَا قَالَ - تعالى -: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ).

وَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: ((إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ)) وَهَذِهِ لاَ تَسْتَطِيعُ إلاَّ هَذَا، وَقَدْ اتَّقَتْ اللَّهَ مَا اسْتَطَاعَتْ؛ فَلَيْسَ عَلَيْهَا غَيْرُ ذَلِكَ بِالنَّصِّ وَقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْفَوَارِقَ بَيْنَ الطَّوَافِ وَالصَّلاَةِ أَكْثَرُ مِنْ الْجَوَامِعِ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ فِيهِ الْكَلاَمُ وَالأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالْعَمَلُ الْكَثِيرُ، وَلَيْسَ فِيهِ تَحْرِيمٌ وَلاَ تَحْلِيلٌ وَلاَ رُكُوعٌ وَلاَ سُجُودٌ وَلاَ قِرَاءَةٌ وَلاَ تَشَهُّدٌ، وَلاَ تَجِبُ لَهُ جَمَاعَةٌ، وَإِنَّمَا اجْتَمَعَ هُوَ وَالصَّلاَةُ فِي عُمُومِ كَوْنِهِ طَاعَةً وَقُرْبَةً، وَخُصُوصِ كَوْنِهِ مُتَعَلِّقًا بِالْبَيْتِ، وَهَذَا لاَ يُعْطِيه شُرُوطَ الصَّلاَةِ كَمَا لاَ يُعْطِيه وَاجِبَاتِهَا وَأَرْكَانَهَا.

وَبِالْجُمْلَةِ فَالْكَلاَمُ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ فِي فَصْلَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: فِي اقْتِضَاءِ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ لَهَا لاَ لِمُنَافَاتِهَا، وَقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَالثَّانِي: فِي أَنَّ كَلاَمَ الأَئِمَّةِ وَفَتَاوِيهِمْ فِي الِاشْتِرَاطِ وَالْوُجُوبِ إنَّمَا هُوَ فِي حَالِ الْقُدْرَةِ وَالسَّعَةِ لاَ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ وَالْعَجْزِ؛ فَالْإِفْتَاءُ بِهَا لاَ يُنَافِي نَصَّ الشَّارِعِ، وَلاَ قَوْلَ الأَئِمَّةِ، وَغَايَةُ الْمُفْتِي بِهَا أَنَّهُ يُقَيِّدُ مُطْلَقَ كَلاَمِ الشَّارِعِ بِقَوَاعِد شَرِيعَتِهِ وَأُصُولِهَا، وَمُطْلَقِ كَلاَمِ الأَئِمَّةِ بِقَوَاعِدِهِمْ وَأُصُولِهِمْ، فَالْمُفْتِي بِهَا مُوَافِقٌ لأُصُولِ الشَّرْعِ وَقَوَاعِدِهِ، وَلِقَوَاعِدِ الأَئِمَّةِ [انتهى من إعلام الموقعين بتصرف 3/187)].

 

مسألة إنزال الحيض أو رفعه بالدواء:

هذه المسألة من المسألة من المسائل التي يكثر الحديث عنها خاصة عند إقبال شهر رمضان، وكذا عند وقت الحج، وهي من المسائل التي بحثها العلماء قديمًا.

أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج قال: سئل عطاء عن امرأة تحيض يجعل لها دواء فترتفع حيضتها وهي في قرئها كما هي تطوف؟ قال: نعم إذا رأت الطهر، فإذا هي رأت خفوقًا ولم تر الطهر الأبيض فلا. وقال معمر: وسمعت ابن أبي نجيح يسأل عن ذلك فلم ير به بأسًا[المصنف: 1220)].

وروى عن أحمد أنه قال: "لا بأس أن تشرب المرأة دواء يقطع عنها الحيض أن كان دواء معروفًا"[المغني لابن قدامة: 1/368)].

وعلى ذلك فإذا احتاجت المرأة دواء خاصة في الحج، إذا كانت تظن أن يأتيها الحيض قبل الطواف فلا حرج عليها أن تأخذ هذا الدواء لمنع الحيض حتى تقضي مناسكها، وقد أفتى بذلك غير واحد من أهل العلم من المعاصرين [انظر: فتاوى الأزهر 1/ 891، وفتاوى اللجنة الدائمة 5/004)].

مَا يَحِل بِانْقِطَاعِ الدَّمِ:

- إِذَا انْقَطَعَ دَمُ الْحَيْضِ لَمْ يَحِل مِمَّا حَرُمَ غَيْرُ الصَّوْمِ وَالطَّلاَقِ، وَلَمْ يُبَحْ غَيْرُهُمَا حَتَّى تَغْتَسِل وَإِنَّمَا أُبِيحَ الصَّوْمُ وَالطَّلاَقُ بِالاِنْقِطَاعِ دُونَ الْغُسْل، أَمَّا الصَّوْمُ فَلأَِنَّ تَحْرِيمَهُ بِالْحَيْضِ لاَ بِالْحَدَثِ بِدَلِيل صِحَّتِهِ مِنَ الْجُنُبِ، وَقَدْ زَال، وَأَمَّا بِالطَّلاَقِ فَلِزَوَال الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلتَّحْرِيمِ وَهُوَ تَطْوِيل الْعِدَّةِ [الفِقْهُ الإسلاميُّ وأدلَّتُهُ أ. د. وَهْبَة الزُّحَيْلِيّ 3/518)].

الفرق بين الحيض والنفاس:

يفترق الحيض عن النفاس في أمور:

1- الاعتداد بالحيض عند الحنفية والحنابلة؛ لأن انقضاء العدة بالقروء والنفاس ليس بقرء.

2- النفاس لا يوجب البلوغ، لحصوله قبله بالحمل؛ لأن الولد ينعقد من الرجل والمرأة، لقوله - تعالى -: (خلق من ماء دافق * يخرج من بين الصلب والترائب)[الطارق: 6-7)].

3 - لا تحتسب مدة النفاس على المولي في مدة الإيلاء، والإيلاء: هو أن يحلف الزوج بالله - تعالى -أو بصفة من صفاته: ألا يقرب زوجته أربعة أشهر أو أكثر، أو يعلق على قربانها أمراً فيه مشقة على نفسه، كالصيام أو الحج أو الإطعام.

في قوله - تعالى -: (للذين يؤلون من نسائهم تربُّص أربعة أشهر)[البقرة: 226)].

لأنه ليس بمعتاد، بخلاف الحيض[الفقه الإسلامي وأدلته وهبة الزحيلي 3/519)].

4- الْحَيْضُ يَكُونُ اسْتِبْرَاءً، بِخِلاَفِ النِّفَاسِ.

5- الْحَيْضُ لاَ يَقْطَعُ التَّتَابُعَ فِي صَوْمِ الْكَفَّارَةِ، بِخِلاَفِ النِّفَاسِ.

6- يَحْصُل بِالْحَيْضِ الْفَصْل بَيْنَ طَلاَقَيْ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ بِخِلاَفِ النِّفَاسِ[الموسوعة الفقهية الكويتية18/328)].

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة