الفقر..هل ينتصر على أمريكا؟
عدد القراءات : 302

طفلة صغيرة تقف وحيدة علي جانب الطريق، وعيناها زائغتان بين المارة المسرعين الذين لم يلتفتوا لبراءتها، أو البؤس الذي بدا على وجهها، وهي تحمل لافتة كتب عليها: "مشردة وجائعة"، مشهد متكرر في شوارع مدينة نيويورك الأمريكية التي تعتبر واحدة من أكثر مدن العالم ثراء.

مشهد بائس يؤكد صدق اعتراف الرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريجان في الثمانينيات من القرن الماضي: "لقد أعلنا الحرب على الفقر؛ لكن الفقر انتصر! "، بعد نحو 20 عاماً من إطلاق سلفه الراحل لندون جونسون الحرب على الفقر في 1964م، فبعد أكثر من30 عاماً ما زالت الإحصاءات الأمريكية تؤكد أن أقوى دولة في العالم تعجز حتى الآن عن هزيمة ألد عدو لها ألا وهو الفقر.

فقد تجاوز عدد الفقراء في الولايات المتحدة خلال الأشهر الماضية50 مليون شخص، وهو ما يوازي أكثر من 16% من الشعب الأمريكي، ولكن الأزمة لم تقف عند هذا الحد، فعلى مدى الأعوام الماضية اتسعت الفجوة بين الأغنياء والفقراء في أمريكا بشكل مخيف، وفي ظل سيطرة طبقة الأثرياء على مقاليد الحكم سواء داخل المعسكر الجمهوري، أو من خلال تمويل الحملات الانتخابية للمرشحين، تجاهلت النخب السياسية الفقراء والطبقات الدنيا من الشعب في صراعاتها لفرض سيطرتها على مراكز صنع القرار في البلاد.

وعلى الرغم من البرامج المتعددة التي يفرضها النظام الأمريكي لمواجهة الفقر، في ظل الارتفاع المطرد في معدلات البطالة، والذي تجاوز 7% حالياً؛ إلا أنها لم تفلح واقعياً في خفض معدلات الفقر، أو الحد من عدد المشردين في شوارع أكبر وأهم المدن الأمريكية، فولاية كاليفورنيا تعتبر من أكثر الولايات الأمريكية فقراً، نظراً للارتفاع المطرد في أسعار المنازل، وارتفاع معدل المهاجرين بها، وأكثر ما يثير الدهشة أن هذه الولاية تحديداً تعد معقلاً للأثرياء ونجوم السينما، كما أنها من أهم المناطق السياحية في الولايات المتحدة بشكل عام.

وتشير التقارير إلى أن عدد المشردين في نيويورك وحدها سجل أكثر من 64 ألف شخص، من بينهم 22 ألف طفل، وتؤكد الأرقام الرسمية أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة أنفقت أكثر من 15 تريليون دولار على برامج مكافحة الفقر على مدي الخمسين عاماً الماضية، لكن يبدو أن هذه البرامج فشلت في إحراز الهدف منها في حماية الأمريكيين من السقوط تحت خط الفقر، الأمر الذي أرجعه البعض إلى الأزمة المالية العالمية التي اندلعت بسبب الأزمة العقارية الأمريكية في 2008م، وامتدت أصداؤها لتهز العالم كله، ويبدو أن الاقتصاد الأمريكي لم يتجاوز الأزمة فعلياً، وإن كان قد نجح في تخطي المرحلة الحرجة من الأزمة والتي تسببت في إفلاس عدد لا بأس به من البنوك والشركات الكبرى، وبالتالي مضاعفة معدلات البطالة في الشارع الأمريكي ليعتمد هذا الجيش من العاطلين على الإعانات الحكومية، وذهب البعض الآخر إلى حد انتقاد برامج الإعانات، بل واتهموها بأنها تحولت إلى إدمان لدى فريق لا بأس به من العاطلين الذين يثقلون كاهل الاقتصاد الأمريكي، ويحذر المعارضون من أن هذه البرامج تشجع على زيادة الاعتماد على الدولة بدلاً من توفير الاكتفاء الذاتي لهم؛ من خلال خلق فرص عمل، ومشاريع جديدة؛ تسمح بتشغيل العاطلين الذين يعجزون عن إيجاد العمل المناسب لقدراتهم.

وبالطبع لعبت المعارك السياسية المشتعلة بين الديمقراطيين والجمهوريين دوراً لا بأس به في زيادة أزمة الفقر في الولايات المتحدة، فعلى مر التاريخ يتزايد حرص كل مرشح خاصة من المعسكر الجمهوري؛ على حماية مصالح الأثرياء من ممولي الحملات الانتخابية، وهي الفئة التي تسعى جاهدة إلى السيطرة على كواليس الساحة السياسية، ومن ثم فإن أي مسعى لزيادة الضرائب على هذه الفئة يوأد في المهد، ولا يجد طريقه للنور.

وكانت أزمة سقف الدين الأمريكي وما تبعها من' شلل' حكومي أحدث حلقة في مسلسل الصراعات السياسية التي يسقط المواطن العادي ضحية لها، فقد عانى أكثر من800 ألف موظف حكومي من القلق على مستقبله ومستقبل أسرته عندما فرضت عليه الإدارة الأمريكية الخروج في إجازة غير مدفوعة الأجر، بينما عمل نحو 1. 3 مليون موظف آخر بدون أجر لمدة 15 يوماً، ولم تكن الأزمة التي تلاعبت بقوت يوم هؤلاء مادية بقدر ما هي تعنت سياسي، وصراعات حزبية غير مجدية.

يبدو أن الحلم الأمريكي يواصل الاندثار والانهيار يوماً بعد الآخر، فقد أصيبت العقول الأمريكية بالجمود، وفشلت في إيجاد السبيل الأمثل لمواجهة هذا الخطر المحدق، وتحولت إلى مروج فاشل للوهم من خلال أفلامها وأبطالها الوهميين، ولا أدل على ذلك من الفقاعة العقارية وما تبعها من انهيار لحلم الثراء الأمريكي.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة