أسرار انسحاب الاحتلال من أفغانستان
الكاتب : خالد مصطفى
عدد القراءات : 803

في ظل تصاعد كبير لهجمات حركة طالبان وسيطرتها على أماكن شاسعة في أفغانستان قررت قوات الاحتلال إنهاء مهامها القتالية في هذا البلد المسلم بعد 13 عاماً من الاحتلال والقتل والتعذيب والاعتقالات العشوائية..

ومع الاستعداد للرحيل انطلقت تصريحات من جانب الاحتلال تحاول أن تغطي على الهزيمة التي تعرض لها بعد سنوات طويلة من القتال وإنفاق مئات المليارات من الدولارات.. أوهمت الولايات المتحدة العالم وخصوصاً الدول التي جرتها معها إلى المستنقع الأفغاني أن القضاء على حركة طالبان وعناصر القاعدة لن يستغرق سوى عدة أشهر وتعود بعدها قواتهم إلى بلادها مكللة بالنجاح الساحق، ولكن الأشهر مرت وكذلك السنوات وتكبدت القوات الأجنبية المحتلة خسائر ضخمة أعادت إلى الأذهان مرة أخرى العقدة الفيتنامية في حقبة الستينيات من القرن الميلادي الماضي والتي ما زالت حتى الآن راسخة في نفوس الشعب الأمريكي والذي يجترها عبر عشرات القصص والأفلام.. مع الإعلان عن انتهاء المهام القتالية لقوات حلف الأطلسي في أفغانستان حرص الرئيس الأمريكي على ذر الرماد في الأعين وزعم نجاح المهمة وقدرة الجيش الأفغاني الموالي للاحتلال على الحفاظ على السلطة وهو كلام لم يعد أحد يصدقه حتى أوباما نفسه الذي أصر على استمرار أكثر من 10 ألاف جندي في أفغانستان من أجل دعم القوات الحكومية ضد حركة طالبان...

سياسيون وعسكريون غربيون أبدوا مخاوفهم من سيطرة طالبان على كامل التراب الأفغاني خلال أشهر قليلة وعودة حكمها مرة أخرى لأفغانستان، مؤكدين أن القوات الأفغانية لا تستطيع مواجهة هجمات الحركة التي ما زالت تتمتع بظهير شعبي كبير، كما أشاروا إلى أن الحكومة الأفغانية يعتريها الضعف والانقسام خصوصاً بعد ما جرى في الانتخابات الرئاسية الأخيرة والتي كشفت عن تلاعب وتزوير واسع النطاق... من جهتها أكدت حركة طالبان أنها انتصرت على الاحتلال بالضربة القاضية وأن الانسحاب بهذا الشكل دليل على أن قوات أعظم دول العالم لم تستطع أن تخضع المقاومة الأفغانية رغم مرور كل هذه السنوات وتوعدت بتصعيد هجماتها في الفترة القادمة...

لا يمكن للاحتلال أن يعترف ببساطة هكذا بأنه فشل في أفغانستان بعد كل ما تكبده من خسائر معنوية ومادية ولكن الحقيقة أنه لم يعد يستطع أن يقنع الرأي العام في بلاده بجدوى الاستمرار حتى ولو سقطت كابول مرة أخرى في أيدي طالبان لذلك حاول مراراً أن يشق صفوف الحركة ويفتح معها قنوات للتواصل والتفاوض قبيل رحيله لعله يستطيع أن يصل من خلال هذا الطريق إلى ما فشل فيه عن طريق الحرب ولكن حتى هذه المحاولات كذلك باءت بالفشل...

الاحتلال أراد كذلك أن يصل لاتفاق مع إيران وروسيا من أجل أن يخلفاه في أفغانستان بشكل أو بآخر ولكن ما جرى في أوكرانيا مع موسكو وتدهور الأوضاع في العراق بظهور داعش أفشل هذه المساعي أو أجلها نوعاً ما ولكن ستظل روسيا وإيران على مقربة من القضية الأفغانية لاعتبارات كثيرة... انهار مع انسحاب معظم القوات الأجنبية من أفغانستان دعاوى محاربة قوى "الإرهاب ونشر الديمقراطية والرخاء في ربوع البلاد" بعد أن أضحت البلاد أسوأ من كل النواحي مما كانت عليه في ظل حكم طالبان وانكشفت حقيقة الغزو التي أرادت من خلاله قوات المحافظين الجدد في أمريكا إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء وإرجاع حقبة احتلال الدول الغنية للدول الفقيرة بالقوة العسكرية بعد أن كانت انتهت منذ عشرات السنين... 

لقد لقنت المقاومة الأفغانية الاحتلال الغربي درسا لن ينساه ولعل تحفظ هذه القوات عن المشاركة بقوات برية كبيرة ضد داعش في العراق يرجع في جزء كبير منه لما لاقته في أفغانستان..وستظل هذه السنوات التي قضاها الاحتلال في هذا البلد البعيد والفقير واحدة من أكبر المآسي في تاريخه الحديث والتي ستؤثر دوما في أي قرارات مشابهة قد يتجرأ زعيم فاشي مثل بوش على القيام بها.      

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة