قصة الحرب الشرسة التي ما تزال تشنها العلمانية الغربية والعربية على حجاب المرأة المسلمة قصة غريبة عجيبة، حيث إنها تتناقض مع أبسط ما ترفعه العلمانية من شعارات، ناهيك عن كونها تتجاوز حدود النطاق الديني والاجتماعي إلى التسييس المتعمد.

أما ما يتعلق بمسألة تناقض هذه الحملة العلمانية الشرسة على الحجاب مع أبسط شعاراتها، ففي الوقت الذي تزعم فيه العلمانية أن من أقدس شعاراتها إطلاق الحرية الفردية وحمايتها، نراها لا تراعي ذلك في حرية المرأة في اختيار لباسها ومنه الحجاب ولو بعشر معشار ما تراعيه في نطاق إطلاق حرية المرأة في التعري.

من ناحية ثانية يزداد عجب المتابع لمحاولات العلمانية تسييس قضية الحجاب وإخراجها من نطاقها الحقيقي الإسلامي، إذ يحاول الإعلام العلماني ربط مسألة حجاب المرأة المسلمة بالتطرف تارة وبالإرهاب تارة أخرى.

وإذا كان المسلمون في الغرب يعانون من آثار هذه الحملة منذ عقود وخصوصا بعد أحداث 11 من سبتمبر 2001م إذ إن التضييق على حرية المرأة المسلمة في ارتداء حجابها هناك لم يتوقف لحظة واحدة.... فإنها على كل حال معاناة متوقعة في بلاد تم فيها فصل الدين عن الحياة فصلاً نهائياً، ولم يعد فيه مكانا للفضيلة والعفة، بل أضحت المادة والمتعة هي اللغة السائدة والرائجة.

أما أن تخترق هذه الحملة الحدود لتصل إلى عقر ديار المسلمين، فإن معاناة المسلمين من آثارها السلبية ستكون بلا شك أشد وأفدح.

نعم..... لقد صدّر الغرب إلى بلاد المسلمين رذائل العلمانية ومفاسدها، بينما حاربوا ما زعموا أنه عنوان العلمانية وشعارها الأبرز والأشهر "الديمقراطية"، الذي من خلاله سوقوا لهذا المذهب اللاديني وخدعوا به الكثير من المسلمين من قبل، وما دعم الغرب للانقلاب على الربيع العربي، ومباركته لعودة الدكتاتورية من جديد إلا شاهد على هذه الحقيقة.

ولعل من أهم أسباب ذلك مواصلة الحرب على الإسلام وثوابته، بعد أن أظهرت ثورات الربيع العربي وجهها الإسلامي، وكشفت رغبة الشعوب العربية في إعادة تحكيم الشريعة الإسلامية.

وإذا كان الطعن والتشويه هو العنوان العام للحملة العلمانية الجديدة على الإسلام وثوابته، فإن العنوان الخاص لهذه الحملة هو المرأة المسلمة وحجابها، ذلك العنوان الذي لم يغب يوما عن خطاب العلمانية العربية ووسائل إعلامها منذ عقود.

وإذا كانت محاولات تغريب المرأة المسلمة تجري على قدم وساق في معظم الدول العربية منذ استقلالها عن المحتل الفرنسي والإنكليزي، فإن لهذه المحاولات خصوصية في تونس، حيث إن العلمانية هناك قد وصلت إلى مراحل متقدمة في حربها على الحجاب الإسلامي عبر أزلامها قبل اندلاع الثورة التونسية نهاية عام 2010م.

ويكفي أن نتذكر قوانين الحبيب بورقيبة لمنع الحجاب في تونس، وعلى رأس تلك القوانين القانون رقم (108) عام 1981م، والذي حظر فيه على المرأة التونسية ارتداء الحجاب بدعوى أنه زي "طائفي"، مع العلم أن نسبة المسلمين في تونس 98% فقط!!

ولم يكن عهد زين العابدين بن علي - الذي تولى حكم تونس عام 1987م بعد أن انقلب على بورقيبة - بأحسن حالا من سابقه فيما يتعلق بالحرب على الحجاب، ويكفي أن نذكر أنه قبل اندلاع الثورة التونسية بسنة واحدة فقط، وتحديدا في شهر سبتمبر من عام 2009م، صدر قرار من الجامعات التونسية بوجوب توقيع الطالبات على أنهن لن يدخلن الجامعة إلا "برأس مكشوف"، أي أن أي غطاء على الرأس حتى لو كان قبعة أو منديلا ممنوع ومحظور!!

لم يرق للغرب على ما يبدو - أن يرى حجاب المرأة يعود من جديد إلى الحياة في تونس عموما وإلى المؤسسات التربوية على وجه الخصوص، بعد هروب بن علي وقيادة حزب إسلامي للترويكا، فدعم انقلابا واضحا على التيار الإسلامي لإعادة العلمانية من جديد إلى سدة الحكم في تونس، لتبدأ حملة جديدة ضد الحجاب من خلال ظهور بوادرها في تصريحات الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي في خطابه بمناسبة عيد المرأة يوم 13 أغسطس/آب بشأن حظر الحجاب في المدارس ورياض الأطفال.

وعلى الرغم من محاولة البعض التأكيد بأن هذه التصريحات تطال الفتيات الصغار السن في المدارس القرآنية فحسب، وأنه ليس هناك أي توجه للحكومة التونسية للتضييق على الحريات الدينية...... إلا أن إغلاق الحكومة لكثير من المساجد مؤخرا بدعوى محاربة الإرهاب، وعزل كثير من الأئمة والخطباء بدعوى خطابهم غير الوسطي..... يثير كثيرا من المخاوف أن تكون هذه الخطوة ما هي إلا تمهيد لحرب علمانية جديدة ضد حجاب المرأة المسلمة في تونس.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة