الصهاينة جيران وغزة مصدر الإرهاب!!
الكاتب : زياد الشامي
عدد القراءات : 227

عبارات أضحت متداولة في أروقة السياسة، وكثير من وسائل الإعلام العربية والإسلامية في الآونة الأخيرة، وخصوصاً بعد أحداث 3 من يوليو عام 2013م في مصر، والتي أدت إلى عزل أول رئيس منتخب في البلاد منذ عقود.

وبعيداً عن إثبات انحراف هذه الرؤية بالوقائع والوثائق والشهادات، وبغض النظر عن قلبها للحقائق رأساً على عقب، حيث تجعل من الضحية "إرهابياً" مجرماً، ومن المجرم و"الإرهابي" الحقيقي التارخي جاراً و ربما صديقاً!! ... فإنها تشير إلى مدى انهيار معيار العدو والجار والصديق في أجندة بعض الأنظمة العربية، وخصوصاً في تلك الدول التي تسمى "دولة الطوق".

وعلى الرغم من أن شعارات العداء للكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة من قبل الدولة العربية المحيطة بها لم تكن يوماً حقيقية، كما أن شعارات دعم القضية الفلسطينية لم تكن سوى بازاراً لكسب النقاط السياسية، وتسجيل المواقف القومية، وستاراً لحجب رؤية الشعوب عن الفساد الداخلي، وهيمنة الحزب الواحد، أو الشخص الواحد، والديكتاتورية ... فإنها على أي حال كانت تعتبر الصهاينة عدواً، والفلسطينيين أشقاء، وإن بالشكل والظاهر لا بالحقيقة والباطن.

أما اليوم فقد انقلبت المفاهيم رأساً على عقب، وتحولت "إسرائيل" إلى دولة صديقة وجارة رغم كل مجازرها الوحشية بحق الشعب الفلسطيني على مدى قرابة سبعين عاماً، كما تحول المقاومون الفلسطينيون في غزة فجأة إلى "إرهابيون" يهددون أمن الدول العربية المجاورة القومي، الأمر الذي يستوجب خوض حرب ضد ذلك "الإرهاب" الفلسطيني الغزاوي المزعوم، والتغاضي عن "الإرهاب الصهيوني" الذي لم يعد يذكر أو يشار إليه رغم تجدد آثاره مؤخراً في غزة.

من خلال هذه الرؤية المستحدثة للعدو والصديق في سياسة إعلام - أو إعلام سياسة - بعض الدول العربية ... لم يكن خبر إعادة فتح سفارة الصهاينة في العاصمة المصرية القاهرة أمس الأربعاء بعد نحو أربعة أعوام من إغلاقها غريباً أو مستبعداً، فكل المؤشرات كانت تؤكد أن إعادة فتحها كان مجرد مسألة اختيار الوقت مناسب لهذا الافتتاح لا أكثر، حيث إن العلاقات بين السلطات المصرية الجديدة والكيان الصهيوني شهدت تطوراً إيجابياً ملحوظاً منذ أحداث 3 يوليو 2013م باعتراف الجانبين!!

وضمن نفس الرؤية المستحدثة لم تكن أنباء إغلاق معبر رفح الحدودي مع غزة منذ 3 يوليو 2013م جديداً، فالمعبر غالباً ما يكون مقفلاً باستثناء حالات استثنائية، ولأيام محدودة، كما أن هدم الأنفاق - التي تعتبر المتنفس الوحيد لأهالي غزة - والذي يجري على قدم وساق، وهذه المرة بآليات ومعدات وسواعد مصرية لم يعد أمراً مستهجناً، كما لم تعد المنطقة العازلة والجدار العازل سياسة صهيونية داخل فلسطين المحتلة، فقد بدأ الجيش المصري بإنشاء منطقة عازلة على الحدود مع غزة بعمق 2 كيلومتر حالياً، وهناك مؤئرات لتوسيعها إلى 5 كلم كما تقول مصادر مصرية رفيعة لصحيفة "عكاظ السعودية".

بل إن أمر انتكاس وانعكاس المفاهيم لم يتوقف عند هذا الحد، بل وصل إلى درجة اختفاء أربعة أشخاص من كوادر حماس أثناء ركوبهم حافلة في طريقهم إلى القاهرة، وتوجيه أصابع الاتهام باختطافهم هذه المرة إلى عناصر أمنية مصرية، الأمر الذي يعكس مدى توتر العلاقة بين الأخوة والأشقاء، في مقابل تطورها إيجابياً بين من يُفترض أن يكونوا ألد الأعداء، إن هذه الأنباء تثير بلا شك غضب واستنكار الشعوب العربية الإسلامية التي ما تزال ترى عدوها التاريخي هم الصهاينة، في الوقت الذي ترى فيه الفلسطينيين والعرب المسلمين أجمعين إخوة في العقيدة والدين، فما بالك بالمقاومين والمجاهدين منهم؟! ومن هنا فلا شك أن وصول مدير عام وزارة الخارجية "دوري غولد" إلى مصر للإشراف على مراسم إعادة فتح سفارة بلاده في القاهرة المغلقة منذ العام 2011م قد أثارت حفيظة المصريين - ناهيك عن العرب والمسلمين -.

كما أن تغريدات المتحدث باسم رئيس الوزراء "الإسرائيلي" أوفير جندلمان التي أبدى فيها الابتهاج بإعادة فتح السفارة، بالإضافة لتصريحات مدير عام الخارجية "الإسرائيلية" دوري غولد في مراسم هذه الحادثة، والتي يتحدث فيها عن كل من الكيان الصهيوني ومصر، وتعاونهما وكأنهما أكثر من صديقتان؛ تدفع المواطن المسلم العربي للتساؤل: كيف يمكن أن تكون "إسرائيل" جارة أو صديقة - في نظر بعض ساسة ووسائل الإعلام العربية - وما زالت أيديها ملطخة بدماء مئات الآلاف من الفلسطينيين منذ احتلالهم لفلسطين وحتى الآن، ناهيك عن عبثها بالمسجد الأقصى، ومحاولات هدمه التي لم تتوقف يوماً...الخ.

وفي المقابل: كيف يمكن أن يكون الفلسطينيون عموماً - والمقاومون المجاهدون على وجه الخصوص - إرهابيون، وهم يدافعون عن دماء ومقدسات المسلمين طوال تلك السنون!! إنها في الحقيقة نتيجة متوقعة لتحويل الموقف من اليهود الصهاينة، والموقف من القضية الفلسطينية والمقدسات من قضية دينية عقدية تخص جميع المسلمين في العالم؛ إلى قضية سياسية فلسطينية فحسب.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة