من الإعجاز الطبي في السنة المطهرة
عدد القراءات : 551

مقدمة:

لقد كشفت البحوث العلمية المكثفة والمتوالية حقائق مذهلة عن تفاعل الجسم البشري لمواجهة المخاطر حال الإصابة بالجرح، أو بالمرض، كما تم اكتشاف الخطوط الدفاعية، والاستجابات الوظيفية التي تحدث بالجسم حال إصابة عضو من أعضائه بالمرض، أو الجرح، تلك الاستجابات التي تتناسب مع درجة معاناة العضو المصاب تناسباً طردياً، فبقدر ما تكون شدة إصابة العضو بقدر ما يكون توجيه طاقات الجسم ووظائفه لمنع استفحال المرض أولاً، ولتحقيق الالتئام والشفاء التام ثانياً.

ولقد جمعت الدراسات التي أجراها (مور) عامي 1959م و1963م والتي أحصى فيها ما تم كشفه من أسرار تلك التفاعلات، وأضاف إليها ما كشفته دراسات النظائر المشعة لمختلف عمليات الجسم الحيوية؛ صورة متكاملة لاستجابة الجسم البشري للمرض والجراحة.

فلو تصورنا إنساناً بالغاً صحيح البدن يعيش في منطقة نائية حيث لا توجد إسعافات، أو رعاية طبية، قد سقط من مكان مرتفع، أو تعرض لهجوم وحش كاسر، فأصيب بتهتك ونزيف في إحدى فخذيه مثلاً؛ ترى كيف سيتفاعل جسمه تجاه هذا الجرح، وتلك الإصابة البالغة لكي يحافظ على حياته، وحياة العضو المصاب من خطر النزيف والتهتك، والتلوث الذي حدث أولاً؟ ثم لكي يتمكن من تحقيق التئام الجرح، وعودة العضلات المصابة لوظيفتها الطبيعية ثانياً؟

فأولاً: سيبدأ الأمر من ذات الجرح حيث أدى تمزق العضلات، وتفتح الأوعية الدموية، وتقطع نهايات وجذوع الأعصاب الطرفية إلى انبعاث إشارات ونبضات تمثل في حقيقتها استغاثات صادرة من مكان الإصابة إلى مختلف مراكز الجسم، وتنطلق هذه النبضات على عدة محاور تلتقي كلها عند نقاط رئيسية، ومراكز عصبية وحسية من شأنها تحقيق استجابة عامة، واستنفار لجميع أجهزة الجسم الحيوية، وهو ما يعرف بالاستجابة العصبية (الغدى صماوية Neuro – endocrinal response) والتي يتبعها تغيرات هامة في تفاعلات الاستقلاب البدني Metabolic changes، وفي وظائف الكلى، والرئتين، والجهاز الدوري، والجهاز المناعي (Immune system) لتكون المحصلة النهائية لهذه التداعيات هو توجيه طاقة الجسم البشري، ووظائف أعضائه؛ لخدمة العضو المصاب، ولو أدى ذلك إلى بذل الأعضاء المختلفة لجزء كبير من مخزونها، وحاجاتها الأساسية من طاقة، وبروتين، ولتوفير ما يلزم لذلك العضو من إمدادات دفاعية وبنائية لتحقيق التئامه، وعودته لحالته الطبيعية.

قد تبدو هذه المقدمة نوعاً من الفلسفة، أو الكتابة الأدبية، ولكن الحقائق العلمية التي أثبتتها الأبحاث الدقيقة أبلغ بكثير من تلك المقدمة التي تحاول تصوير الواقع الذي يحدث كل يوم في ملايين الأجسام البشرية التي تتعرض للمرض أو الجراحة.

ولنبدأ بتلخيص ما يحدث على النحو التالي:

أولاً: الإشارات المنبعثة من مكان الإصابة:

أ- النزيف الدموي: حيث يؤدي ذلك النزف إلى حدوث هبوط مفاجئ في ضغط الدم تتنبه له المستشعرات الضغطية (Baroreceptors) الموجودة في جدران القلب، وشرايين الكليتين، والشريانين العنقيين، وبتنبه تلك المستشعرات تنبعث الإشارات والنبضات العصبية إلى مراكز تحت المهاد بالجهاز العصبي المركزي (Hypothalamic centre) والتي سنرى أنها تمثل محطة رئيسية لاستقبال واستشعار الإشارات المختلفة، والتغيرات التي تحدث بالدم بعد حدوث الإصابات أو المرض.

ب- انطلاق هرمون الـ(نور أدرينالين) (Nor-adrinaline) من النهايات العصبية المتمزقة في الجرح حيث تنطلق في الدورة الدموية لتصل إلى مراكز ما تحت المهاد، منشطة إياها لتلتقي في ذلك مع الإشارات السابق ذكرها في (أ).

ج- الإحساس بالألم: ويحدث بانبعاث إشارات من النهايات العصبية في موضع الجرح ليمر في المسارات العصبية إلى مركز الإحساس بالمخ، ومنها تنطلق الانعكاسات والإشارات من مراكز المهاد (Thalamus) وإلى النظام الساقي (system Linbic) الذي يوزع الإشارات إلى مراكز التكوين الشبكي (reticular formation) وإلى مراكز تحت المهاد (Hypothamus).

ويتضح لنا مما سبق ذكره في أ، ب، ج، أن الشكوى من العضو المصاب قد تمثلت في إشارات انطلقت على ثلاثة محاور رئيسية تلاقت كلها في الجهاز العصبي المركزي لتنبيه ثلاثة مراكز رئيسية هي:

1- مراكز تحت المهاد centres Hypothamus.

2- مراكز الإحساس العلوية بقشرة المخ Cerebral cortex.

3- مركز التكوين الشبكي reticular formation.

وسنبدأ باستعراض ما يحدث في مراكز تحت المهاد إذ أنها تمثل محطة الاستقبال، والإرسال الرئيسية، وهي حلقة الوصل بين الجهاز العصبي اللاإرادي Autonomic N.S، ونظام الغدد الصماء Endocrinal system.

وهي المنسق والمنظم لما يعرف باسم الاستجابة العصبية الصماوية Neura – endocrinal response.

أ- الاستجابات والانعكاسات التي تحدث في مراكز ما تحت المهاد:

أولاً: تنبعث المفرزات المختلفة لهرمونات الفص الأمامي للغدة النخامية Anterior pituitary releasing factors فتسـبب إطلاق العديد من هرمونات تلك الغدة والتي من أهمها هرمون منشط القشرة الكظرية Acth، وهرمون النمو Growth hormone، وهرمون منشط الدرقية T.S.H.

ثانياً: ينطلق هرمون مضاد الإدرار A.D.H من النهايات العصبية الموجودة في الفص الخلفي للغدة النخامية Post. Pituitary (رؤوس هذه النهايات موجودة في مراكز تحت المهاد، وتتنبه لإطلاق هذا الهرمون من نهاياتها بالمنبهات السابق ذكرها).

ثالثاً: تنطلق النبضات المنبهة لمراكز الجهاز العصبي الودي Sympathetic Nervous S الموجودة في ساق المخ، والتي من أهمها مركز تسارع نبضات القلب Cardiac accelerator centres، ومراكز انقباض الأوعية الدموية Vasomotor centers، ومراكز تنشيط نخاع الكظرية Adrenal medulla لإفراز هرمون الأدرينالين، والنور أدرينالين بوفرة.

رابعاً: يتم إفراز مادتي (الاندروفين والانكفالين) في داخل الجهاز العصبي، وفي مناطق مختلفة، وكذا في النخاع الشوكي كاستجابة للإحساس بالألم والإصابة، ولهاتين المادتين أثر مسكن ومطمئن يفوق ما تفعله مادة (المورفين) بحوالي من 18 إلى 30 مرة.

ورغم أن اتضاح دورهما في حال المرض والإصابة لم يصل بعد إلى درجة قطعية كاملة؛ إلا أن المشاهد والمستنتج أن لهما أثراً مسكناً للألم مما يساعد في تهدئة الذعر والاضطراب الذي يحدث للمصاب بسبب الألم الشديد الذي قد يسبب صدمة عصبية، ويفقد المصاب القدرة على حسن استجابة المراكز الحركية، ومواجهة خطر الإصابة بالقتال أو الهرب.

وهذا مشاهد وملحوظ في الحروب مثلاً، حيث يؤدي ارتفاع نسبة هذه المواد عند المحاربين إلى انتفاء الإحساس بالألم تماماً رغم حدوث إصابات بالغة أحياناً.

التداعيات والتفاعلات الناتجة عن الاستجابات السابق ذكرها:

أولاً: يقوم هرمون منشط القشرة الكظرية ACTH بتنشيط الغدة الكظرية لإنتاج كمية وفيرة من هرمونات الكورتيزون والألدوستيرون، ويقوم الكورتيزون أيضاً بتنشيط نخاع الكظرية لإفراز الأدرينالين فتكون المحصلة هي زيادة هرمونات:

1- الكورتيزون.

2- الأدرينالين.

3- الألدوستيرون.

ولتلك الهرمونات الثلاثة تأثيرات هامة في توجيه تفاعلات الاستقلاب Metabolic reaction، وتوجيه وظائف الكلى فيما يختص بتنظيم إدرار الملح، وسنعرض لها فيما بعد.

ثانياً: يقوم (مضاد الإدرار) بتوجيه القنوات المجمعة بالكلى لإعادة امتصاص أكبر قدر ممكن من الماء الراشح فيها مع البول، وإعادته إلى الدورة الدموية، وبذلك يتم الاحتفاظ بماء الجسم من أن يفقد مع البول.

ثالثاً: بتنبيه الجهاز العصبي الودي Sympathetic Stimulation تنقبض الأوعية الدموية الطرفية، ويتسارع نبض القلب، وتزداد قوة ضخه، وبذلك يرتفع ضغط الدم إلى المستوى اللازم لسريان الدم في الأعضاء الحيوية رغم ما قد يحدث من تناقص في حجم الدم الدوار نتيجة النزف أو الارتشاح.

كما أنه بإفراز الأدرينالين والنورأدرينالين بوفرة يتغير كثير من تفاعلات الاستقلاب الهامة، والتي سيرد ذكرها فيما بعد.

ب- التداعيات الناتجة عن تنبيه التكوين الشبكي والنظام الساقي: Limbic system and reticular formation

تعتبر التداعيات الناتجة عن تنبيه هذا الجهاز محوراً ضرورياً وهاماً في مواجهة الجسم البشري للأحوال التوترية، والضغوط المختلفة التي يتعرض لها الجسم البشري بسبب المرض أو خلافه، فعن طريق الإشارات الصادرة من مراكز المخ العليا يتم تنبيه التكوين الشبكي الذي يقوم بإرسال وتأمين الأنشطة التالية:

1- تحقيق الانتباه التام، واليقظة المستمرة لمراكز المخ العليا.

2- تنبيه الجهاز العصبي الودي Sympathetic N.S، ورفع درجة توتر العضلات وحساسيتها Excitabilily فتكون محصلة ذلك سهر الجسم والعقل، واستنفاره في حالة يقظة مستمرة أثناء المرض أو الإصابة.

ج- التداعيات الناتجة عن تنبيه مركز المخ العليا:

بوصول الإحساس بالمرض أو الإصابة لعضو ما إلى مراكز المخ العليا يحدث الآتي:

1- يتم تنبيه وتوجيه المراكز المختلفة السابق ذكرها.

2- ترسل إشارات إلى مراكز الذاكرة للاستعانة بالخبرة السابقة، واستدعاء مراكز التفكير العليا لاتخاذ القرار المناسب حيال المرض أو الإصابة (والدليل على ذلك اختلاف تصرف صاحب الخبرة والذي سبق تدريبه عن الذي لم يتعرض قبل ذلك للمرض أو الإصابة - وهذا التصرف لا يكون على مستوى الجهاز الإرادي فحسب بل أيضاً على مستوى الجهاز العصبي اللاإرادي، وذلك في الإنسان والحيوان، وبعض الكائنات الأدنى - مما يدلل على قيمة الذاكرة والخبرة السابقة، وقيمة استدعائها لتوجيه تصرفات الجسم في حال المرض أو الإصابة).

تداعيات واستجابات أعضاء الجسم المختلفة:

إن ما سبق ذكره هو وصف لما يحدث في الجهاز العصبي بمحاوره الرئيسية (مراكز ما تحت المهاد - المحور العصبي الهرموني - مراكز المخ العليا - مراكز التكوين الشبكي والجهاز العصبي اللاإرادي) يعد مرحلة من مراحل استجابة الجسم البشري بأسره، فمن تنبه هذه المراكز تنبثق النبضات المختلفة (عصبية، وهرمونية) إلى جميع أعضاء الجسم بحيث يأخذ كل عضو بل وربما كل خلية سليمة في الجسم البشري دوراً ووظيفة لمواجهة ما أصاب عضواً ما من مرض، أو جرح عطل وظيفته وهدده.

الدور الهام الذي تؤديه الكليتان في حال المرض أو الإصابة:

أ- تقوم الكليتان بالاحتفاظ بالماء والصوديوم من أن يفقدا وذلك بتقليل الإدرار لأقل صورة ممكنة، وهذا تحت تأثير هرمونين أساسيين هما هرمون (مضاد الإدرار) للاحتفاظ بالماء، و(الدوستيرون) للاحتفاظ بالصوديوم.

ب- تساهم الكلى في إنتاج هرمون الألدوستيرون بإفراز هرمون (الرنين) الذي يحول هرمون الـ(انجيوتنسين1) الذي يفرزه الكبد إلى (انجيوتنسين2) فيقوم (الإنجيوتنسين2 Angiotensin  II) بتنشيط قشرة الغدة الكظرية لإنتاج كميات كبيرة من الألدوستيرون.

ج- تساهم الكلى في إخراج كمية كبيرة من البوتاسيوم الزائدة، والمتصاعد أثناء عمليات الاستقلاب، وتهدم خلايا الجسم أثناء المرض وذلك عن طريق مبادلة مع الصوديوم المترشح في القنوات الطرفية Distal tubules.

وبذلك تبذل الكلى دوراً مطلوباً لتقليل فقدان الجسم لما به من ماء وصوديوم، ويكون دور الكلى في الاحتفاظ بالصوديوم أهم إذ أن الصوديوم هو العنصر الأساسي لتحقيق توازن الماء في الدم والسوائل خارج الخلية - ذلك السائل الهام الذي يتخلل خلايا الجسم، ويشكل وسطاً تبادلياً هاماً بين سائر أعضاء الجسم بحيث يؤدي انكماشه أو تغير تركيبه إلى فقدان الحياة -.

الدور الذي يؤديه القلب والجهاز الدوري:

هذا الدور غني عن القول والشرح، فالدم هو:

1- الوسط الهام الذي ينقل الأكسجين والغذاء إلى العضو المصاب وسائر الأعضاء النشيطة لخدمة العضو المصاب.

2- ينقل الرسائل الهرمونية بين أعضاء الجسم وغدده التي تكون في حالة نشاط.

3- ينقل مواد التجلط المختلفة إلى العضو المصاب لإيقاف النزيف الذي قد يحدث هناك.

4- ينقل كثيراً من الأجسام المضادة، وخلايا الجهاز المناعي إلى حيث تجب مواجهة أي جسم غريب أو ميكروب ضار يغزو الجسم أثناء المرض أو الإصابة.

ولكي يتم ذلك بصورة سريعة يتم تنبيه القلب وتنشيطه عصبياً وهرمونياً ليتسارع نبضه، ويقوى ضخه، ويتضاعف معدل الضخ القلبي Cardiac out put أثناء المرض أو الإصابة.

كما يتم انقباض أوعية الجهاز الدوري (شرايين طرفية - وأوردة وشرايين) وذلك:

1- لرفع ضغط الدم الذي قد يهبط عند النزيف.

2- ولسحب الدم من الأعضاء الطرفية والخاملة نسبياً، وتوجيهه إلى الأعضاء الأكثر نشاطاً.

3- ولتعويض ما يفقد تعويضاً سريعاً ومؤقتاً حتى يتم التعويض بالسوائل ثم بالخلايا الدموية بعد ذلك.

عمليات الاستقلاب التي تحدث عند المرض والإصابة Metabolic Responses:

تحدث هذه التفاعلات بصورة متسارعة ونشطة، وتكون موجهة لمواجهة المرض أو الإصابة، وينظم ذلك التنبيهات العصبية والهرمونية التي سبق وصفها، وسنرى أنها تشمل جميع الأعضاء بل خلايا الجسم السليمة.

نظراً لاحتياج الجسم لكميات عالية من الطاقة في حال المرض، والجراحة؛ تتوجه تفاعلات الاستقلاب لتوفير تلك الطاقة اللازمة للانتفاع بها فيما يلي:

1- المحافظة على سلامة الخلايا المحيطة بمنطقة الإصابة والخلايا التي أصيبت بحالة مرضية أدت إلى انتفاخها بكميات زائدة من الماء بسبب تعرض غشائها لخلل في نفاذية الأملاح، فتحتاج لطاقة كبيرة لطرد الصوديوم ومعه الماء الزائد خارج الخلية ذاتها، والإبقاء على البوتاسيوم داخلها، وهو ما يعرف بعملية المضخة الملحية Sodium pump وهي عملية نشطة تحتاج لكميات عالية من الطاقة الكيميائية المخزونة في جزيئات الأدينوسين الثلاثي A.T.P.

2- توفير الطاقة اللازمة لإتمام تفاعلات الهدم والبناء والالتئام، والتي تشتمل على تكوين جزيئات وبروتينات جديدة، وهذه لا تتم إلا في وجود كمية كبيرة من الطاقة.

3- نشاط الجهاز المناعي لمقاومة الميكروبات التي قامت بغزو العضو المصاب، ومواجهة هذا الغزو تقتضي ازدياد نشاط الخلايا البلعية، وعمليات ابتلاع الميكروبات والأجسام الدقيقة Phagocytosis، ثم عمليات تصنيع الأجسام المضادة.

4- توفير الطاقة اللازمة للنشاط الزائد الذي يحدث في مختلف أعضاء الجسم التي تكون في حالة مواجهة للمرض مثل: عضلة القلب، ونشاط الكلى؛ للاحتفاظ بالماء والأملاح، ونشاط الكبد لتكسير مختلف المواد، ونشاط الأمعاء الزائد لامتصاص البروتين والغذاء، ونشاط العضلات الزائد بسبب التوتر ... وهكذا يحتاج الجسم كله لرفع درجة نشاطه، وهذا بالتالي يحتاج لإنتاج طاقة أكبر.

ولتوفير هذه الطاقات يتضافر فعل الهرمونات المختلفة التي تم إفرازها للاستجابة العصبية الهرمونية، وأهم تلك الهرمونات:

1- الكورتيزون.

2- الأدرينالين.

3- النورأدرينالين.

4- الجلوكاجون.

5- هرمون النمو.

فيقوم الكورتيزون بالعمل على توفير الجلوكوز في الدم من مختلف مصادره الموجودة بالجسم، وخاصة عن طريق تأثيره الهدام لبروتينات العضلات لإفراز حمض اللاكتيك Lactic asid، والألانين، والأحماض الأمينية ذات السلاسل المتشعبة مثل اليوسين، والأيزوليوسين، والفالين، كما يقوم بهدم الدهون لإنتاج الجلسرين، كما ينشط زيادة إفراز الأدرينالين - النورأدرينالين، والجلوكاجون.

ويقوم هرمون الأدرينالين والجلوكاجون بهدم الجليكوجين المخزون في الكبد والعضلات لتوفير جزيئات الجلوكوز، وأيضاً هدم الدهون إلى أحماض دهنية وجليسرين (Lipolysis)، وهكذا تتضافر الهرمونات السابق ذكرها لإحداث عملية هدم وتداعي واسعة تشمل مخزون الكربوهيدرات، والدهون، والبروتينات لتوفير كميات كبيرة من:

1- الجلوكوز.

2-  والأحماض الدهنية.

3-  والجليسرين.

4-  والأحماض الأمينية.

وأما الجلوكوز فينتفع به مباشرة لإنتاج جزيئات من الطاقة العالية الممثلة في صورة جزيئات ثلاثي فوسفات الأدوينوزين (A.D.P).

وأما الأحماض الدهنية والجليسرين والأحماض الأمينية فإما أنه يتم إنتاج جزيئات A.T.P منهم بإدخال جزيئاتهم الأولية في دائرة تفاعلات دائرة كريبس، أو يتم تحويلها إلى جلوكوز في الكبد فيما يعرف بعملية إنتاج جلوكوز جديد (Gluconeogenesis)، كما يتم الانتفاع بالأحماض الأمينية في بناء بروتينات جديدة للجهاز المناعي (أجسام مضادة وخلايا دفاعية)، ولتصنيع جزيئات النسيج الضام اللازم لعملية التئام العضو المصاب.

الحمى التي تحدث في حالة المرض والإصابة:

وتعرف الحمى بارتفاع درجة حرارة الدم عن المستوى الطبيعي المعتاد وهو 36.6 درجة مئوية 37.2 درجة مئوية، ويتم تثبيت هذه الدرجة في تلك الحدود عن طريق مركز خاص موجود في مراكز ما تحت المهاد، حيث تحتوي هذه المراكز على خلايا عصبية خاصة لها مستقبلات لاستشعار درجة حرارة الدم، فإذا ارتفعت درجة حرارة الدم عن المعتاد تنبهت بعض هذه الخلايا المختصة بإنقاص الحرارة، فإذا تنبهت أرسلت إشارات تنتهي إلى العضلات وجدران الشرايين والأوردة الموجودة تحت الجلد، فترتخي العضلات، وتنتفخ شعيرات الدم السطحية، وكذا يحدث زيادة إفراز العرق الذي يتبخر محدثاً برودة ونقصاً في حرارة الدم القريب من سطح الجلد، كما تقل الطاقة الحرارية الناشئة عن زيادة نشاط العضلات، كما يكون من أثر تنبه مراكز إنقاص الحرارة حدوث الشعور بالحر لدى الإنسان، مما يدفع إلى التخفف من ملابسه، واللجوء إلى الأماكن الأكثر برودة، كما يحدث العكس اكتساب الحرارة التي ترسل إشارات تسبب زيادة انقباض العضلات بل وارتعادها (رعدة البرد) وانقباض الأوعية الدموية السطحية، وقلة إفراز العرق، وانتصاب شعر الجلد، فيزداد تصاعد الحرارة؛ ويقل فقدانها عن طريق سطح الجلد مضافاً إلى ذلك الشعور بالبرد، الذي يدفع إلى الإكثار من الدثور، واللجوء إلى الأماكن الأكثر دفئاً.

تحدث تلك العمليات الدقيقة من ضبط درجة حرارة الدم عند درجة ثابتة مناسبة لوظائف خلايا الجسم وعملياته الحيوية في معدلها الطبيعي، وقد ضبطت أحاسيس الخلايا الموجودة في مراكز تنظيم الحرارة بالمخ لتستشعر التغير في درجة حرارة الدم عندما تقل عن 36.5 درجة مئوية، أو ترتفع عن 37.5 درجة مئوية.

فإذا حدث تغير في درجة استشعار تلك الخلايا بحيث لا تتنبه إلا عند مجال أعلى (مثلاً 38.5- 39 درجة مئوية) فإنها تتخذ الإجراءات اللازمة لرفع درجة الحرارة عند هذا الحد، وتتعامل مع درجة 37.5 درجة مئوية على أنها درجة منخفضة؛ فتتنبه مراكز اكتساب الحرارة لرفع حرارة الدم، وهذا يفسر الرعدة، والشعور بالبرد اللذان يحدثان قبل ارتفاع درجة الحرارة في حال الحمى، وتظل تلك الرعدة حتى تصل حرارة الدم إلى الدرجة الجديدة التي انضبطت عندها مراكز الحرارة (39 درجة مئوية مثلاً).

والحمى تحدث في حال المرض سواء كان جرحاً، أو غزواً ميكروبياً، أو مرضاً داخلياً كالسرطان مثلاً، أما سبب الحمى فإنه نابع من الجسم ذاته، ومن مكان المرض حيث يؤدي التفاف الخلايا البلعية، والخلايا المناعية الأخرى؛ حول العضو المصاب أو المريض، وتفاعلها في عمليات الالتهاب المختلفة ضد الميكروبات والأجسام الغريبة والضارة يؤدي ذلك إلى تصاعد مواد تعرف باسـم (البيروجينات) التي تنطلق من الكريات البيضاء، ومن أنسجة العضو المصاب.

ما تفعله البيروجينات:

تسري البيروجينات في الدم، وتصل إلى مراكز ضبط الحرارة في المخ لتؤثر في خلاياها تأثيراً يعدل من درجة انضباطها، وتحسسها، لاستشعار التغير في حرارة الدم، بحيث تتنبه عند درجة أعلى من الطبيعي - وتختلف هذه الدرجة تبعاً لدرجة استجابة الجسم، والجهاز المناعي لهذا المرض أولاً، ثم لنوع المرض ودرجة الإصابة ثانياً، والدليل على ذلك عدم ارتفاع الحرارة عند المصابين بهبوط وتدهور في جهازهم المناعي.

أي أن الحمى تحدث كجزء من تفاعل الجسم البشري لمواجهة المرض أو الإصابة، وهذا ما أثبته العلم أخيراً، وقد كان المعتقد أن الحمى تحدث بتأثير المرض الداخل إلى الجسم (بيروجينات خارجية).

فوائد الحمى:

لم يحط بها العلم بعد إحاطة كاملة، وما زال الدور الكامل الذي تؤديه الحمى سراً لم يتم الكشف إلا عن بعض جوانبه، فما هي الفوائد التي تم الكشف عنها؟ وهل للحمى تأثير متناسق مع تداعيات الجسم الأخرى في حال المرض والإصابة؟.

أولاً: من الحقائق الكيميائية الثابتة أنه كلما ارتفعت درجة الحرارة المحيطة بتفاعل ما كلما تسارعت معدلات ذلك التفاعل، ونشطت وتضاعفت، وتناقص الزمن اللازم لإتمامها، فإذا هبطت الحرارة حملت التفاعلات، وصارت بطيئة متكاسلة، ولقد رأينا أنه في حال المرض يحتاج الجسم لتسارع التفاعلات الاستقلابية المختلفة (Metobolic catabolic and anabolic reaction) فيكون ارتفاع حرارة الدم والأنسجة عاملاً مساعداً وهاماً لتنشيط هذه التفاعلات، وتزايد سرعتها وكميتها.

ولقد حسبت معدلات الاستقلاب في حال الحمى، ووجد أن هذه المعدلات تزداد 10% كلما ارتفعت حرارة الجسم درجة مئوية واحدة.

ثانياً: قد علمنا أن الجسم يتعرض لغزو ميكروبي تشكل الفيروسات النسبة العظمى منه عند الأطفال، كما تشكل البكتريا النسبة العظمى منه عند الكبار، وتنقسم البكتريا وتتزايد في أنسجة العضو المريض مستغلة الهبوط الاضطراري والمؤقت الذي يحدث في جهاز المناعة في أول المرض، وتقوم البكتريا بإفراز سمومها التي لها فعل مدمر للخلايا، وإذا وصلت إلى الدورة الدموية انتشرت في الجسم، واستقرت في أماكن أخرى عديدة، وهي في كل هذه الأحوال تنقسم وتتكاثر وتفرز سمومها، هذا التكاثر يبلغ أعلى معدل له عند درجة حرارة أقل بقليل من حرارة الجسم العادية (35-37 درجة مئوية) فإذا حدثت الحمى، وارتفعت حرارة الجسم بسبب تفاعل الخلايا المناعية مع هذه الميكروبات، وإفراز البيروجينات، بحيث تصل الحرارة إلى (38، 39، أو 40) درجة مئوية فإن هذه الحرارة العالية تعتبر معولاً مدمراً ومحاصراً للميكروبات التي يقل معدل تكاثرها وانقسامها، وتصاب أنشطتها بالخلل، وربما اضمحلت وماتت.

ثالثاً: تحتاج أنسجة الجسم لأكبر قدر ممكن من جزيئات الأكسجين لإتمام تفاعلاتها النشيطة، في حال المرض هذا الأكسجين يكون محمولاً إلى الأنسجة بواسطة الهيموجلوبين الموجود في كريات الدم الحمراء، ولا يفارق الهيموجلوبين إلى الأنسجة والخلايا إلا عند ضغط معين، وظروف معينة، وارتفاع الحرارة يعدل من معدل افتراق الأكسجين عن الهيموجلوبين بحيث يتركه عند ضغط أقل، وبنسبة أكبر.

إلا أننا لا نستطيع القول بأن جميع درجات الحمى مفيدة، ذلك أن خلايا المخ تتأثر بدرجات الحرارة العالية (40) درجة مئوية فما فوق، وتتعطل وظائفها عند أكثر من (41) درجة مئوية، وتستحيل حياة الجسم البشري عند درجة حرارة أعلى من (44) درجة مئوية.

إلا أن المقطوع به أن لحدوث الحمى المتوسطة 38-39 درجة مئوية أثر مفيد لمواجهة المرض، وهي مقياس لدرجة تفاعل الجسم، وقوة مواجهته.

وهكذا يتضح لنا تداعي الجسم البشري لمواجهة المرض أو الإصابة الحادثة لعضو من أعضائه، ولقد استخدمنا كلمة تداعي وتداعيات لأننا لم نجد لفظاً أشمل في وصفه لما يحدث في الجسم حال المرض أو الجراحة مثل هذا اللفظ.

فلو قلنا تفاعلات؛ فإننا نصف بعض ما يحدث، ولو قلنا استجابات لما وصفنا إشارات التنبيه التي هي في الحقيقة إشارات نداء واستغاثة، والتداعي لغة من تداعى يتداعى إذا: دعا بعضه بعضاً، وهو هنا وصف لما يحدث في أول مراحل المرض والإصابة.

والتداعي بمعنى الالتفاف والمسارعة والتوجه إلى مكان بعينه هو حقيقة ما يحدث من توجه جميع أجهزة الجسم بكل أنشطتها وعملياتها الحيوية لخدمة العضو المصاب، ومساعدته، ورفع مقاومته.

وما يحدث في النظام المناعي لا يمكن إلا أن نسميه تداعياً إذ أن خلية بلعية واحدة تقوم بدعوة كل خلايا الجهاز المناعي الأخرى بمجرد مقابلتها لجسم غريب (ميكروب، أو خلية غريبة)، بل وتدعوها إلى التكاثر والانقسام، وتصنيع الأجسام المضادة.

والتداعي بمعنى الهدم أو الانهيار يصف ما يحدث في سائر أجهزة الجسد، فهي تقوم بهدم بروتيناتها ومخزونها من دهون لكي تعطي العضو المصاب ما يحتاجه من طاقة ومواد بناءة لمواجهة المرض الحادث له، فيتناقص بذلك وزن المريض، ويعزى إليه الهزال الذي يعاني منه، هذا على الرغم من البدء في بناء العضو المصاب والتئامه حتى يتم شفاء العضو المشتكي، ثم يبدأ بناء ما تهدم من الجسم بعد ذلك، وقد تتسارع معدلات الهدم في حالات المرض الشديد، أو الإصابة المصحوبة بغزو بكتيري كثيف، وهو ما يعرف بحالة الانهدام المفرطة (Hypercatabolism) والتي قد تصل إلى انهيار في جميع وظائف الجسم وأجهزته، مما قد يؤدي بحياة البدن كله في بعض الأمراض والإصابات، والجروح الشديدة.

وهذا التداعي يتحقق بالسهر والحمى، والسهر لا يعني يقظة العينين والذهن فحسب، ولكن يقظة جميع أجهزة الجسم وأعضائه وعملياته الحيوية، حتى إنها لتكون في حالة نشاط دائم، وسهر مستمر، والسهر بمعناه الوظيفي (الفسيولوجي) يعني نشاط الأعضاء في وقت يفترض أنها تنام فيه، وهذا هو ما يحدث حال المرض والجراحة، وبصورة مستديمة طوال ساعات الليل حتى لو أغمضت العينان، وشرد الذهن أو نام، إلا أن الجسم لا يكون أبداً في حالة نوم حقيقي، لأن جميع أجهزته وعملياته الحيوية تكون في نشاطها الذي كانت عليه حال اليقظة، فلا يحدث لها الخمود والتباطؤ الذي يحدث أثناء النوم في حال الصحة.

من الإعجاز العلمي في السنة المطهرة:

ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - عن النعمان بن بشير - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: ((مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)) رواه البخاري ومسلم وأحمد في مسنده، وهذا لفظ مسلم ولفظ البخاري: ((ترى المؤمنين في تراحمهم، وتوادهم، وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له جسده بالسهر والحمى))، ورواية أحمد: ((مثل المؤمنين في توادهم، وتعاطفهم، وتراحمهم؛ مثل الجسد إذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى)).

يخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بما يجب أن يكون عليه حال المسلمين، وحال الأمة المسلمة من تواد، وتراحم، وتعاطف، فيأمرنا - صلى الله عليه وسلم - أن نتواد، ونتعاطف، ونتراحم، ولكي نفقه إلى أي درجة يكون هذا الترابط والتعاطف ضرب لنا - صلى الله عليه وسلم - مثالاً بالجسد الواحد وما يحدث فيه عندما يشتكي عضو من أعضائه، ووصف لنا ما يحدث عند الشكوى من أن الجسم يتداعى كله بالسهر والحمى من أجل هذا العضو، وأن الجسم لا يزال يتداعى حتى تتوقف شكوى ذلك العضو.

والنبي - صلى الله عليه وسلم - بما أوتي من جوامع الكلم وصف لنا ما يحدث في جملة شرطية قصيرة، فعل الشرط فيها: اشتكى، وجواب الشرط: تداعى، فكان الإعجاز علمياً ولغوياً وبلاغياً.

إعجاز علمي: في إخباره - صلى الله عليه وسلم - بحقيقة ما يحدث في الجسم البشرى، وهو ما لم يكشف إلا حديثاً وبعد أربعة عشر قرناً.

وإعجاز لغوى: في استخدام كلمات تصف حقيقة ما يحدث بجميع معانيها الواردة في اللغة، ولا توجد لغة العرب كلمة واحدة تجمع حقيقة ما يحدث الجسم حال المرض إلا هاتين الكلمتين: اشتكى - تداعى، ولو بحثنا عن أفعال أخرى لتصف حقيقة ما يحدث، لاحتجنا إلى عدة أفعال مكان الفعل الواحد "تداعى" مثلاً.

وجه المطابقة بين الحديث وما توصل إليه الطب:

علمياً: إخباره - صلى الله عليه وسلم - بحقيقة ما يحدث الجسم البشري والذي لم يكشف عنه العلم إلا حديثاً السنوات الأخيرة.

فهل وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - أمراً لم يكن يعرفه أهل العلم زمانه؟!.

نقول: نعم، لا زمانه ولا بعد زمانه - صلى الله عليه وسلم - بقرن، بل بعد أكثر من ثلاثة عشر قرناً من الزمان، كيف؟

كل الناس من قديم كانوا يعرفون أنه إذا أصيب عضو أصيب سائر الجسد بالحمى، نعم هذا معروف، وبالسهر كان أيضاً معروف على ظاهره بعض الأحوال، وإن كان الظاهر أحوال أخرى أن المريض يرقد وينام أحياناً حتى يتماثل للشفاء.

ولكن الحديث يخبر بحدوث شكوى للعضو المصاب على الحقيقة لا على المجاز، وبحدوث السهر أولاً أيضاً على الحقيقة، وبكل ما يحمله معنى السهر الحقيقي، سهر الجسد كله، كما ورد النص: ((تداعى له سائر الجسد بالسهر)) والحمى ثانياً، تأتي مع السهر وبعد أن يبدأ السهر، والسهر[1] يحدث حتى ولو كان المريض نائماً، ولو كان غيبوبة؟!! هذا ما نفهمه من ظاهر الحديث.

والجسم يتداعى، والتداعي يكون بمجرد الشكوى فإن لم توجد شكوى لم يوجد تداعي (إذا اشتكى... تداعى).

والتداعي لغة يعني:

1- دعا بعضه بعضاً.

2- تجمع عليه من كل صوب وحدب كما قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها))(رواه أبو داواد: 3/483، وأحمد: 5/78).

3- تهدم وانهيار: كما يقال تداعى [2] البناء أي: سقط على بعضه، وانهارت جوانبه على نقطة تقع أوسطه.

4- تجهز واستعد كما يقال: تداعى الجيش للحرب، فهل حقاً يشتكي العضو على الحقيقة أم أنه على المجاز؟ وكيف يشتكى العضو بلا لسان؟ وهل كان الناس يفهمون أن الشكوى على الحقيقة؟

إن من يقرأ حقيقة ما كشفه العلم من انطلاق نبضات عصبية حسية من مكان الإصابة والعضو المريض إلى الدماغ وإلى مراكز الحس والتحكم غير الإرادي، وانبعاث مواد كيماوية، وهرمونات من العضو المريض، وبمجرد حدوث ما يتهدد أنسجته، ومع أول قطرة دم تنزف أو نسيج يتهتك أو ميكروب يرسل سمومه بين الأنسجة والخلايا، وتذهب هذه المواد إلى مناطق مركزية في المخ والأعضاء الحيوية المتحكمة في عمليات الجسم الحيوية؛ إن من يعرف هذه الحقائق لا يستطيع إلا أن يصفها بأنها شكوى على الحقيقة وليست على المجاز، وإلا فما هي الشكوى؟

أليست هي إخبار وإعلام، واستغاثة من ضرر ونازلة ألمت بالشاكي؟ ولمن تكون الشكوى لغة[3]؟.

أليست توجه للجهة التي يظن أنها تتحكم في مجريات الأمور، وتملك من الإمكانات ما تنقذ به الشاكي، وترفع عنه ما ألم به؟

إن الساعد الأيمن مثلاً إذا أصيب بالمرض فإنه لا يوجه شكواه إلى الساعد الأيسر، أو الرجل اليمنى لأنها لا تملك توجيه وظائف الجسم لمواجهة المرض، وإنما تنطلق النبضات والإشارات والهرمونات إلى المراكز الحيوية الدماغ، وهي التي تملك توجيه سائر الجسد لإغاثة العضو المشتكي.

وإذا اشتكى العضو تداعى سائر الجسد لشكواه: وهذا ما يحدث فعلاً، وبجميع معاني التداعي الواردة لغة العرب.

1- فهو يدعو بعضه بعضاً، مراكز الإحساس تدعو مراكز اليقظة، والتحكم منطقة ما تحت المهاد التي تدعو بدورها الغدة النخامية لإفراز هرموناتها، والتي بدورها تدعو باقي الغدد الصماء لإفراز هرموناتها التي تحفز وتدعو جميع أعضاء الجسم لتوجيه وظائفها لنجدة العضو المشتكي، وعلى النحو الذي سبق وصفه أول البحث.

2- وهو يتداعى بمعنى يتوجه بطاقاته لخدمة العضو المشتكي، فالقلب مثلاً يسرع بالانقباض والانبساط ليسرع بتدوير الدم، الوقت الذي تنقبض الأوعية الدموية بالأجزاء الخاملة من الجسم، وتتسع الأوعية الدموية المحيطة بالعضو المصاب لكي تحمل له ما يحتاجه من طاقة، وأكسجين، وأجسام مضادة، وهرمونات، وأحماض أمينية بناءة؛ هي خلاصة أعضاء الجسم المختلفة من الكبد، والغدد الصماء، والعضلات، كما أرسلت الدهون المختزنة كلها لإمداد العضو المريض بما يحتاجه لمقاومة المرض والالتئام.

3- وهو يتداعى بمعنى يتهدم وينهار فعلاً، ويبدأ بهدم مخزون الدهن، ولحم العضلات (البروتينات) لكي يعطي من نفسه لمصلحة العضو المصاب ما يحتاجه وما ينقصه، ويظل الجسم متوجهاً بعملية الهدم هذه إلى أن تتم السيطرة على المرض، ويتم التئام  الأنسجة المريضة أو المجروحة، ثم بعد ذلك يعود الجسم لبناء نفسه، والهدم يستمر إلى درجة تتناسب مع قسوة المرض، وقد حسب العلماء مقدار الهدم كل حالة، ووجدوا تناسباً بين مقدار ما يفقده الجسم من وزنه وشدة إصابة العضو ومرضه، ووضعت لذلك جداول كتب الطب، واكتشف أن عملية الهدم هذه ربما وصلت إلى  درجة انهيار الجسم انهياراً تاماً، وتهدمه إلى أقل من نصف وزنه حالات الإصابات الشديدة، حتى لربما انتهى الأمر بالوفاة حالة تعرف بـ(الحالة الانهدامية المفرطة) Hyper catabolic state.

والسهر موجود بمعناه حتى لو نامت عين المريض، أو تاه عن وعيه؛ فإن جميع أجهزة الجسم، ودورته الدموية، وتفاعلاته الاستقلابية، وجهازه التنفسي، والكلى، والقلب تكون حالة السهر الدائم أثناء المرض، ونعني بذلك أنها تكون حالة نشاط مساوية لحالة اليقظة ومستمرة عليها طوال الليل والنهار إلى أن تزول شكوى العضو المريض.

والحمى قد رأينا الجانب العلمي من البحث منشأها وانبعاثها، وبعض فوائدها، وأنها صورة من صور تداعي الجسد لشكوى العضو (بالسهر والحمى).

وما كشف العلم الحديث حقيقة واحدة تعارض ظاهر النص أو باطنه، أو تسير نسق بعيد عنه بل كان النص وصفاً دقيقاً جامعاً شاملاً لحقيقة ما يحدث، بل ما قد يفهمه الجاهل بحقيقة الأمر مجازاً أو كناية، وضحه العلم الحديث على أنه حقيقة واقعة لا تحتاج إلى تأويل.

فهو يخبرنا - صلى الله عليه وسلم - بالكيفية التي ينبغي أن يكون عليها المسلمون توادهم، وتعاطفهم، وتراحمهم فمن أراد أن يفقه إلى أي مدى ما يطلب النبي - صلى الله عليه وسلم - من المسلمين أن يتوادوا، ويتعاطفوا، ويتراحموا؛ فعليه أن يسأل علماء الطب والجسم البشري، وأن يبحث وينظر كيف يفعل الجسد الواحد، وبمقدار ما يعلم من حقيقة تفاعل الجسم البشري ويتأملها بمقدار ما يفقه مقصد الشريعة وأمرها، ومقدار التعاطف والتراحم بين المسلمين، وصدق الله - تعالى - إذ يقول: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون)(الذاريات:21).

ومن العجيب أن يستخدم العلماء الغربيون اسماً للجهاز العصبي الذي يتفاعل حال تعرض الجسم للخطر والمرض، اسماً بلغتهم وصفوا به حقيقة ما يفعله هذا النظام والجهـاز هـو Sympathetic، فكانت ترجمته الحرة: المتواد، المتعاطف، المتراحم، وهو عين ما سماه الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم -، وليس لغة العرب ألفاظ أخرى تصف حقيقة ما يؤديه هذا الجهاز الجسم البشري، وليست في لغة العرب ألفاظ أخرى تصلح لترجمة الاسم الذي أطلقه علماء الغرب على هذا النظام الذي اشتقوا له اسماً يصف وظيفته الحقيقية من واقع ما شاهدوه وتحققوا منه، فكان ما وصفوه مطابقاً لما وصفه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما سموه مترجماً بالألفاظ التي ذكرها الحديث قال - تعالى -: (وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوى...)(النجم 3-5) صدق الله العظيم.

المراجع:

- فتح الباري.

- صحيح مسلم.

- شرح السنة للإمام البغوي.

- القاموس المحيط.

- لسان العرب، لابن منظور.

- المعجم الطبي الموحد/ إنجليزي - عربي - فرنسي - مجلس وزراء الصحة العرب - منظمة الصحة العالمية - اتحاد الأطباء العرب.

- المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، طبعة 1983م.

- Carol, mattson and porthed. j.b lippincot company philadelphia –london- (stress and adaptation p.26).

- guyton a, text book of medical physiology 6 th edphiladelphia wb saumders 1984

- rose r.m, endocine response to slressfe psychalogicai events. pyschiatric clincs of north america 3;251, 1980.

- e.j moron compell/ c.j. dikinson / jdh slater, crw edwards/ ek sikora clinical physiology 5 th editionk blackwell scientijei publicationk oxford, london, ed. 1984 sabiston, ess

-----------------------------------------------------------------

[1] السهر: الأرق، سهر سهر سهراً فهو ساهر: لم ينم ليلاً. السهر: امتناع النوم بالليل (لسان العرب: ج4 ص383).

[2] انظر: لسان العرب: ج14 ص262.

[3]  شكا: وتشكي واشتكى: تشاكى القوم: شكى بعضهم إلى بعض، والاشتكاء إظهار ما بك من مكروه أو مرض ونحوه، والشكو: هو المرض نفسه، والشكي: الذي يشتكي. (لسان العرب: ج14 ص439).

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة