الطريق الضيق..
عدد القراءات : 316

إننا نعيش في عصرٍ قد سطَت عليه المطامِع والمصالح المادِّية، فانحَطَّت القِيم الأخلاقِيَّة وانْهَدَّت الدَّعائم الروحِيَّة، فقَلَّ المحافِظون على حدود الله، الرَّاشِدون في مراعاةِ الأحوال القائمة والظُّروف الجارِيَة، وتكاثرَ المُدَّعون الالتزام والتديُّن الصحيح وهم من دعاة الباطل، المُسْرِفون في التعصُّبِ الجامِح والمُتَطَرِّفون المُتَشَدِّدون بالغَ التطرُّف..

وتكاثر أولئك الذين اسْتَعْجَلوا لذَّة الدُّنيا الفانِيَة فآثَروها على لذَّة الآخرة الباقِية، فقصرت همتهم عن طلبِ الغايات العظيمة التي أخرجَت الناس من الظُّلمات إلى النُّور، ومن الفوضى إلى النظام، ومن الارتباط بالقيم المادية إلى الارتباط بالقيم المعنوية، وانْشغلوا عن إثارة الدَّعوة المستنيرة وإثباتِ الحقِّ في موطنِ جلالِه وإشراقِه، وتخَلَّوا عن التمَسُّك بمُسْتَندِهم الصَّحيحِ اللَّامِع وانْفَصَلوا عن العُرْوَة الوثقى، فتجرَّعوا مرارة الحياة والعيش الضَّنك ووَقَعُوا في شَركِ الحرج والضِّيق.

وكيف تطيب الحياة لأبناء هذه الأمة وقد شاهدوا بأَعْيُنِ الحقيقة انْتِسافَ أحلامهم ومطامحهم بعد انحِطاط قيمهِم المعنَوِيَّة إلى أسفل سافلين!!..

وكيف يتنعَّمون بلذَّة العيشِ الرَّغْدِ الهَنِيء وقد خلعوا أيديهم عن تلك الدَّعوة الخالدة، ورفعوا أمامهم فوارق الحسَب والنَّسَب، وتفاخَروا بالسُّلطان والجاه، والوفرة في المال والولد!!..

لقد نَسُوا أو تَناسَوْا أنَّ تلك الدَّعوة هي التي بعثَت كوامِنَ العظَمة والسُّؤدد في أبناءِ سلَفِ الأمة وأتباعهم، وهي التي ألبسَتْهُم لباسَ المناعَة والحَصانة، وأوثقَت رباطهم وشدَّت ساعِد قوَّتهِم، فانْمَحى من قلوبهم الشعور بالهوانِ والضَّعف، وخارَت عصبِيَّتهم العمياء التي كانت تشحذ همَّتهم على الاستبداد والجور فكسروا أعلام الباطل ورفعوا أعلام الحق والعدل..

فعلى أبناء هذه الأمة أن يخلصوا لرسالتهم النبيلة وأن ينهَضوا بالواجب المَنوطِ بهم ويخرجوا من عزلتهم واغْترابهم، ويقْبِلوا على ميدان العمل ليبلِّغوا رسالة التغيير والإصلاح، ويقوِّموا الاعْوِجاجَ والفساد من الدَّاخل، لأنَّه أصل الدَّاء وميدانُ التَّأسيس والبناء، وتخريجِ الأجيال الصَّالحة للتَّرَقِّي والتمدُّن، والأخذِ بأسباب النِّظام والنُّهوض بالأعمالِ الجَليلة التي تستحِقُّ أن يكون لها ظهورٌ قوي وامتدادٌ واسِع وإشعاعٌ باهِر، والسَّيرِ بركْبِ الأمَّة إلى الذِّروة والسَّنام في مختلف مجالات الحياة..

إلا أن طريق الهداية تحفُّه الشدائد والمِحن

وليس بالطرَّيق الفسيحِ المُعَبَّد لكلِّ سالِك المَفْروشِ بالورود واللَّآلئ، التي تلتَقِطُها الأكُفُّ المنعَّمة بحياة الرَّاحة والانْبِساط..

بل هو طريق الكفاح والنِّضال، وطريق الفرسان الأشِدَّاء مَن مَلَكوا زِمامَ الإرادة الصَّلبة، فعَقَدُوا ميثاقَ الصِّدق والإخلاص على إِمْضاءِ عهد الوفاء والإنصافِ للحقِّ والواجب، والنُّهوض بما تقصُر عن النُّهوضِ به الهِمَم الضَّعيفة، والتصَدٍّي لما ترْكَنُ إليه الأهواء الطَّائِشَة، ولما تغْتَرُّ به النُّفوس الطَّامِحة إلى امْتِلاك ما لا يُشْبِعُ بطنًا واحدة..

لأنَّ غاياتهِم هي أكبر من العمل للحياة الفانية أو مُجاراةِ انْجِذاب النفس إلى ما تهوى وتعشَق، والرَّكضِ خلفَ من يركضون ليُدْرِكوا تلك الحركَة الكونِيَّة التي لا تنقطع، أو المَيْل إلى الدعة والرَّاحة والاسْتِرخاء، والإفراط في النَّومِ والأكل والشُّرب والاسْتِمْتاع كما يسْتَمْتِعُ الدَّواب والهَوام، مُعْتَزَّةً بصَنيعِها ومُرْتقى طموحِها وتخالُه من بديع الحُسْنِ والتمًّام.

ولأنَّ غاياتهِم هي أعظم من غاياتِ المُثَبِّطين والمُتَقاعِسين والخامِلين في عالم الرَّكودِ والجُمود، حيث تَقْبَعُ الأجساد في زاويةِ الظِّل قانِعَةً بحياةٍ خالِيَة من كلِّ هدفٍ نبيل يغيِّر مجرى خَطِّها الثاَّبت، بل تراهُم وجِلين من مآلهِم ومصيرهِم وخاتمة أمرهمِ، (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً) سورة السجدة:16

ولأنَّ غايتهِم الاحْتِكام إلى اقْتِضاء الصِّراط المستقيم والإِذْعانِ للأمْرِ الإلهي، وقد لبُّوا نداءَ التَّكبير فتَحَلَّلوا من مُتَعَلَّقاتِ القلوبِ العَليلة، وتذَوَّقوا من رَشْفِ لذائِذِ القُرْبِ والطَّاعة فأقبلوا عليها بأشواقِ العبادة، وأَفْسَحوا لأرواحهِم الاسْتِجْمام في رياضِ المُحِبِّين الأصفياء، وحالهم كما ذكرهم الحق - سبحانه -: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) سورة السجدة: 16

ولأن طريق الهداية طريق المشقَّة ومُعْتَرَك الشِّدة، تجد بابه لا يولَج من شِقِّه الواسِع المَطْروق بل من شِقِّه الضيق الموصَد، ولا يخوضُه إلا أرباب الهِمَم العالية وأصحاب السَّواعِد الشَّديدة التي لا تلين ولا تنكسِر أمام الخطوب والفتن العظيمة..

ومن هذا الباب ولجَ نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ولهذا أحاطه الله - سبحانه - بعنايته ورعايته، فكانت تنزل عليه الآيات لتذكِّره بالثَّباتِ على الدِّين والاستقامة، والصَّبرِ على الأذى وتحمُّلِ المحن والشَّدائد، واقْتِفاءِ أثَرِ أولي العزم من الرُّسل الذين انْقادوا إلى أَمْرِ اللَّه وطَاعَته، وتقلَّدوا عِبْءَ الرِّسالة وتحمَّلوا في سبيلها المشاقَّ والمكاره: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْم مِنْ الرُّسُل) سورة الأحقاف: 35

ولو نظرنا إلى أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وسيرته حتى بلغ الأربعين من حياته سندرك كيف يصنع الإيمان رجل الرِّسالة، وكيف يصنع الطريق الضيق رسالة خالدة، وهو الذي لم يكن إلا رجلا من عامة رجال العرب وتجَّارهِم، ولم يجد أمامه الطَّريقَ مُزْهِرًا، ولا توفَّرت له أسباب الخطابة ليُغْري من حوله بنصاعَةِ بيانه وقوَّةِ كلامه، ولا رُزِق أسبابَ العلم والمعرفة لتجري الحكمة على لسانِه، ويتكلَّم في كلِّ فَنٍّ عن روايةٍ ودراية كأهل التخصُّص والإتقان، بل وجدَه قومه يخرج عليهم من غار حراء وقد جمعَ في خلوته ما لم يجمعه أولئك الذين أقبلوا على الملذات والشهوات، وامتلك ما أفحمَ به أساطين الكفر ورؤوس الضَّلال، وما أبهر به فحولَ الشُّعراء وفُصَحاء الخُطَباء، فجعل من صمته وعزلته في ذاك المكان الضيق ما جعل لحياته سعَةً وانْعِتاقًا يفصله عن حياة أولئك الذين توفَّرت لهم وسائل التمتُّع والتهتُّك، وجعل لدعوته صوتًا مُجَلْجِلاً أخرسَ أصوات الباطل والكفر، ولرسالته جاذبية كجاذبيَّة شمائله وحسن خِلاله، ولخطابه آيات باهِرة تستحوذ على الأذهان وتأسر القلوب..

ولقد أتى وهو الأمي ربيبُ اليُتْم بما لم يَأْتِ به غيره من العلماء وحُذَّاق الحكماء على بُعْدِ نظرهم، ونُضْجِ تفكيرهم، وخصب تحليلهم واستنتاجهم، وعمق تجاربهم وخبرات حياتهم، وكشفَ غطاء الحقائق والأسرار الخفية عن الأذهان التي لم تكن تدرك من المعارف والعلوم والتجارب إلا بقدر ما ينفعها في دنياها الفانية، ولقَّنهم الدُّروسَ في الدِّيانة، وبعث فيهم أخلاق الصدق والأمانة، والشرف والنزاهة، والنظام والمدنية، وكل ما يتعلق بشؤون حياتهم..

أما طريق الملذات والشهوات فهو طريق الانبساط والراحة..

لأنه واسع فسيح الجنَبات ومُمْتَلئ بالجداول والأنهار، تَغْرَف منها النفوس الضَّعيفة ما يرضي أمزجتها السَّاقطة، ويروي ظمأ أرواحها المتعطِّشة الوالِهة، إلا أنَّ هذا الطريق على رحابتِه واتِّساعِه تزَلُّ فيه أقدام من لا يعِفُّون عن طلبِ كلِّ متعةٍ زائلة، ولا يتحرَّجون من نظرةٍ تحرِّك فيهم لواعِجَ الاشْتِياق لكل محرَّمٍ ممتنَع، والانْجِذاب إلى كلِّ هوى مُسْتَحكم، والتلذُّذ بكلِّ شهوة تعقُبها الحسرة والنَّدامة.

فالنفوس الضعيفة لا يزيدها الطَّمع إلا جشَعًا فلا تقنع بما أدركته، ومنتهى أحلامها أن تظل تحلق ما شاء لها التحليق بلا قيود ولا سدود، ولا حدود تكسر طموحها الشَّارد خلف كلِّ ما يُشْبِع نهَم اشْتِهائِها للَذائِد الدنيا، وما يُغْدِق على أرواحها بالمُتعِ والرَّغائب في لحظات الصَّفو ومجالس الأنس، ولكنه شبعٌ يعقبه الجوع ورواءٌ يعقبه العطش، وطمعٌ يتحوَّل إلى إدمانِ الطَّلب والاشتهاء الزَّائِد عن حدِّ الاحتياج، وعدم الاكتفاء بما يتوفَّر للنفس من أسباب الراحة وما يُهْدَى إليها من النِّعَمِ المُباحَة.

ولو تتبَّعنا تلك الصفحات المشرقة من سيرة نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، سنجد أنه كان متواضعا وزاهدا في حطام الدنيا، يحسن معاملة الصغير والكبير، والغني والفقير، والعالم والجاهل، والحر والعبد، ويشاطر الجميع أفراحهم وأتراحهم، ويقسم معهم اللقمة ورغيفَ العيش، دون أن يأخذه الطمع والجشع فيسلك مسلك الأسياد مع العبيد في غطرستهم والعظماء في رعونتهم واستبدادهم، بل كان راغِبًا عن كل ذلك وقانعًا بعيشِ الفقراء، ويدعو ربه: (( اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني مع زمرة المساكين))، ولا يطلب إلا الزَّاد القليل وينام على الحصير، ويرتدي الخَشِن من اللباس، ويسكن في بيت سقفه من سعف النخل، وكان يطعم القديد وقد تمر عليه الأيام فلا يجد ما يسدُّ به الرَّمَق، ويتجافى جنباه عن مضجعه فيقيم ليله عابدا ويطيل الوقوف حتى تتورم قدماه خشية من الله..

وما كان ليُعْجِزه أن يسلك الطريق الفسيح الذي سلكه أهل الكفر والشرك، وما كان ليجْذِبَه ما يجْذِب قومه وعشيرته أو يأْخُذَه الشَّغَف بالملذَّات مأخذَهُم فيلوِّث نقاءَ سريرَتِه وصفاءَ سجِيَّته، ولم تنحَسِر بصيرته عن معرفة الحقِّ والعمَل بمقتضاه، بل اختار وُلوجَ الباب الضيق وسُلوكَ الطريق الأطول، راضِيًا بحياة المشَقَّةِ والكَدْح لأنها الحياة الفُضْلى العامِرَة بغِراسِ الأخلاقِ والقيم، ولأنها الحياة العظيمة في مراتب الرِّفعة والارْتِقاء الرُّوحي عن حياة المادَّة، التي تُثْقِل الأجساد فتتهاوى على الأرض، وتصْهَر النفوس في أتونِ الإغراء وموقِد الإِبْهار للبصرِ الحَسير عن إدراك ما تحمِلُه البصيرة من مشارقِ الأنوارِ، الكاشِفَة للجَوْهَر الماس والدُّر المنثور، والمعدن النَّفيس والمعنى الجليل.

واختار - صلى الله عليه وسلم - أن يصدع باسم الخَلاَّق في مكة والشِّرك بها ضارِبٌ أَطْنابَه، والمنكر فيها غالِبٌ وذائِع في مجتمعٍ غارقٍ في الشهوات، وبين قومٍ يبَسَت قلوبهم وتحَجَّرت إلى حَدِّ الجمود والجهل الموصِل إلى التقرب بالنُّحور إلى أصنامٍ وخشُبٍ مُسَنَّدة، وعبادة النُّصُب والأحجار، والتَّنافُس على الغَلبةِ والسُّلطان.

وصنع ما عجز عن صُنْعِه أشرافُ المال وأَمْجادُ الأَحْساب، والمُنَعَّمون في حياة السِّعَة واليُسْر، واستطاع أن يغَيِّر الأفكار والعادات المنحرفة والطَّبائع الهمَجِيَّة والمذاهب الفاسدة، وأنتج أحسن نظام وأَنْضَر مدنِيَّة وأرقاها، وخرَّج العظماء والأبطال في الدِّيانة والأخلاق ممَّا لا يحصيهم عَدٌّ أو حساب، ومن سارت بذكرهم الرُّكبان في مشارق الأرض ومغاربها..

وهذا الاختبار الصَّعب..

يجعلنا ندرك أنَّ وُلوجَ ميدانِ الضّيق هو الذي ينقُلنا إلى ميدانِ السِّعَة ورحابَةِ العيش، ولو كان نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - قد اختار طريقًا غير الطريق الذي اختاره الله له، ما كان لدعوتِه ورسالته أن يكون لها كل هذا التمكين وقد نشأت في معترك الشدة والامتحان، وما كان لخطابه كل هذا التأثير في صناعة التغيير والإصلاح، وما كان لسيرته كل هذا الإشعاع المُمْتَد عبر العصور والأجيال.

وهذا الاختيار الصعب..

يجعلنا ندرك بأنَّنا علينا أن نسلُك الطَّريق الضيق لأنَّه الطَّريق الموصِل إلى التعَقُّل والتَّفكير المتمرِّس، والمٌشاهَدة والتأمُّل للاعْتبار واكتساب الحكمة، والتحقيق لبلوغ اليقين ودفع الشكوك والشُّبَه.

ولأنه الطَّريق الذي يوقِدُ فينا روحَ المبادرة والمنافسة والثَّورة العملية، ويحرِّك فينا شعلةَ الجِدِّ والنشاط والمثابرَة، ويهَبُنا الاستعداد العملي لإعدادِ الأسبابِ التي تُمَهِّد لبلوغِ الغاياتِ السَّامية والأهداف العظيمة بقوَّةِ الإرادة وعلُوِّ الهِمَّة ومضاءِ العزيمة..

ولأنَّه الطريق الذي يوقِدُ فينا شعلة التَّحدي والصُّمود، والتي تظهر بعد أن نتعلَّم دروسًا في ممارسة الإيمان والتحرُّك بالعلم، والإشراق بنور البصيرة التي تفتح أمامنا أنفاقَ الطريقِ الضيِّق، وتزيح أستار الغيوم الملبَّدة، وتفُكُّ أقفالَ الأبواب الشَّديدة..

ولأنه الطريق الذي يغرس فينا روح الإنسان الجديد على نفسِه وعلى من حوله، المختلف في كل شيء بقِواه المهذَّبة التي تجعل كلمته نافذة ومسموعة، ولأنه الطريق الذي يُنْشِئ فينا ذوقَ الفهم الذي يجعلنا نشعر بقيمة وعظمة غاياتِ وجودنا، ويضع بين أيدينا من التجارب ما تكفلُ لهذه الجوارح أن تعمل وفق ما خُلِقَت له، وأن تخضع لنظامٍ يجمع ما بين العقل والحس والوجدان، وما بين الروح والمادة، وما بين الدين والعلم والعمل، ويضع التفكير والعاطفة في الميزان فيعملان معا على مدار التمييز والاختيار، والنقد لأقوالنا وأفعالنا لتقويم السلوك، والخروج من الطريق الضيق إلى الطريق الواسع الرَّحب..

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة