مبعوثوا الأمم المتحدة...وسطاء أم أجراء؟
الكاتب : زياد الشامي
عدد القراءات : 282

لم يكن ما كشفته صحيفة الجارديان البريطانية عن انحياز المبعوث الأممي إلى ليبيا "برنارد ليون" لطرف الثورة المضادة والدولة العميقة في ليبيا المدعومة من دول إقليمية ودولية لقاء أكثر من ألف جنيه استرليني يوميا.... أمرا مفاجئا، فلم يكن مبعوثوا الأمم المتحدة إلى دول ما يسمى "الربيع العربي" أو غيرها يوما محايدين أو نزيهين، بل يمكن وصفهم بلا مبالغة بأنهم: أجراء لا وسطاء.

ولم تكن فضيحة تنفيذ "ليون" لأجندة بعض الدول العربية والغربية المناوئة لإمكانية وصول التيار الإسلامي إلى سدة الحكم في ليبيا بعد ثورة 17 من فبراير..... غريبة أو شاذة عن القاعدة، فقد تكررت هذه الفضائح مع كثير من مبعوثي الأمم المتحدة إلى دول ما يسمى "الربيع العربي"، ولعل ما كشفته بعض وسائل الإعلام عن تواطؤ مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن "جمال بن عمر" مع الحوثيين، من خلال شرعنة ما يقومون به من انقلاب على الشرعية والسيطرة على المدن اليمنية واحدة تلو الأخرى كما يؤكد ذلك السفير اليمني في الأمم المتحدة خالد اليماني.... ليس ببعيد.

ولم يكن حال مبعوث الأمم المتحدة الأخير إلى سورية ""دي مستورا" أحسن حالا من غيره، فقد أبدى انحيازا واضحا لصالح إبقاء طاغية الشام في سدة الحكم بشكل أو بآخر، تماما كما تريد الدول الداعمة للأسد وأمريكا والغرب، في مخالفة واضحة لمزاعم الحياد والزاهة التي تدعيها الأمم المتحدة في وساطاتها المشبوهة في دول "الربيع العربي".

والحقيقة أن تنفيذ مبعوثي الأمم المتحدة لأجندة الدول التي ابتدعت هذه الهيئات والمنظمات الدولية لبسط هيمنتها على العالم ليس بالأمر المفاجئ ولا الجديد، ولكن الجديد في الأمر تنفيذ هذه الأجندات الغربية بأموال عربية، الأمر الذي يجعل خسارة العالم العربي والإسلامي أكبر، وحجم المخاطر المحيطة به أعظم.

ولم تخرج بعثة الأمم المتحدة إلى ليبيا عن هذا الانحياز السافر لأجندة الغرب وبعض الدول الإقليمية المناوئة لوصول التيار الإسلامي إلى سدة حكم بعض دول "الربيع العربي""، بل إن المال السياسي كان له دور كبير هذه المرة في قلب الطاولة على ثوار ليبيا، من خلال دعم "حفتر" عسكريا بالسلاح، وشراء ذمة المبعوث الأممي إلى ليبيا "ليون" لينحاز إلى برلمان طبرق الداعم لــ "حفتر" سياسيا، لتكتمل مؤامرة إفشال التيار الإسلامي من الوصول إلى حكم ليبيا.

لقد أكدت "الجارديان" في تقرير أعده "رانديب راميشن" أن مبعوث الأمم المتحدة لليبيا "ليون" عُرضت عليه وظيفة في يونيو من هذا الصيف، كي يعمل مديرا للأكاديمية الدبلوماسية في الإمارات، وأنه سيحصل على راتب شهري مقداره 35 ألف جنيه إسترليني لتدريب الدبلوماسيين الإماراتيين، ودعم السياسة الخارجية الإماراتية.

كما كشفت الصحيفة عن تنسيق "ليون" مع سفير برلمان طبرق في أبو ظبى، ومع السياسي الليبي الموالي للبرلمان محمود جبريل والمقيم هو الآخر في أبو ظبى، ما يؤكد انحيازه الواضح لصالح برلمان طبرق وقوات "حفتر" ضد قوات فجر ليبيا في طرابلس وممثلهم السياسي "المؤتمر الوطني العام".

والحقيقة أن من يقرأ العنوان العام الذي شهدته جلسات الحوار بين الأطراف الليبية المختلفة، يمكنه ملاحظة الإصرار الدولي على إضفاء الشرعية على برلمان طبرق رغم قرار المحكمة الدستورية العليا الليبية بعدم شرعيته، وإضفاء الشرعية كذلك على قوات "حفتر" ومعركته التي سماها زورا وبهتانا بمعركة "الكرامة"، رغم كونها معركة ضد أهم إنجازات ثورة الشعب الليبي.

وعلى الرغم من المرونة التي أبداها المؤتمر الوطني العام لإخراج ليبيا من دوامة الحرب والقتال، إلا أن انحياز المبعوث الأممي بدا واضحا في تجاهل الأخير ملاحظات المؤتمر على مسودة اتفاق الصخيرات، ومحاولة فرض رؤيته للحل السياسي في ليبيا على حساب رؤية الثوار أصحاب الشأن والقرار، ليكون الفشل من نصيب أي حوار يقوده ممثلو الأمم المتحدة، لكونه لا يمت بصلة إلى الحياد والنزاهة وأصول الوساطة.

ولذلك لم يزد تقرير صحيفة الغارديان المسلم الفطن المتابع لما يجري في دول "الربيع العربي" أي حقيقة جديدة لم تكن معلومة له من قبل، فجميع العقلاء باتوا يعلمون أن مبعوثي الأمم المتحدة هم أجراء الدول الكبرى لتنفيذ أجندتهم في المنطقة العربية، وخصوصا في تلك الدول التي تظهر فيها قوة عسكرية ذات توجه إسلامي معتدل كسورية وليبيا.

بل إن الأمر من شدة وضوحه وانكشافه وعدم خفائه لم يعد بحاجة إلى إنكار أو استهجان، فلم ينكر المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة "استيفان دوغريك" الخميس الماضي المعلومات التي نشرتها الغارديان عن مبعوثها إلى ليبيا "ليون"، بل إن "دوغريك" رد على سؤال أحد الصحفيين حول "قبول ليون عقد عمل في دولة الإمارات بقيمة 1500 دولار يوميا، وهو ما يتنافى مع مهمته كوسيط للأمم المتحدة، في نزاع تعد حكومة أبو ظبي إحدى أطرافه".... ردا دبلوماسيا هو أقرب إلى الاعتراف منه إلى النفي أو حتى التشكيك حيث قال: "بان كي مون على ثقة بأن السيد ليون كان ملتزمًا تمامًا، بالقواعد الأخلاقية للعمل بالمنظمة الدولية".

ولا أظن أن الأمم المتحدة بعد هذا الرد في وارد مساءلة أو إجراء تحقيق مع مبعوثها السابق إلى ليبيا "ليون" كما طالب بذلك المؤتمر الوطني العام.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة