تدوين السنة النبوية الشريفة
عدد القراءات : 550

 * (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [آل عمران: 164].

* (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [النحل: 44].

* (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [الأحزاب: 21].

* (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) [الحشر: 8 - 10].

مقدِّمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - هو عبده ورسوله، وبعد:

فإن السنة النبوية الشريفة لها من الأهمية ما لم يختلف عليه ذوو العلم والألباب، فهي وحيٌ من الله- تبارك وتعالى -إلى رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -، قال - تعالى -: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: 3، 4]، ومتابعة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسنَّته هي الشرط الثاني لقَبول الأعمال بعد الإخلاص لله - تعالى -، كما أخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قال: ((مَن عمِل عملاً ليس عليه أمرُنا فهو ردٌّ)؛ رواه مسلم؛ أي: ليس على هَدْي النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو مردودٌ على صاحبه، لا يقبَله الله - تعالى -منه.

ولعظم أهمية السنة حرَص النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على تعليمِها للصحابة - رضي الله عنهم -، ثم علَّمها الصحابة للتابعين، ثم علَّمها التابعون لتابعيهم، إلى أن وصلت إلينا عن طريق رواة ثقات أفذاذ عدول من هذه الأمة، قد قيَّضهم الله - تعالى -لهذا الدين الحنيف، فوصلت إلينا بالحفظ والتعليم والتدوين والتنقيح؛ لأنها المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، ومما لا بد أن يعلمه المسلم كيفية وصول السنة إلينا، وهي أقوال وأفعال وتقريرات النبي - صلى الله عليه وسلم -، حتى تكونَ بمثابة هدايةٍ لنا بعد القرآن الكريم، وكذلك ما مرَّ بها من مراحل في النقل والتواتر منذ أن تلقَّاها الصحابة - رضي الله عنهم - من فِي النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى نهاية القرن الثالث الهجري وما بعده، إلى أن أصبحت مجموعةً في الصحاح والجوامع والمسانيد والدواوين التي جمعت ما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى أدق التفاصيل في حياته.

فهذا مختصر قد أعطى لمحةً سريعة عن السنة النبوية، وأهميتها، وخصائصها، وتاريخ تدوينها، إلى أن وصلت إلينا.

واللهَ - تعالى -أسألُ أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعل هذا العمل في ميزان الحسنات يوم القيامة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا مَن أتى الله بقلب سليم.

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم

معنى السنة:

السنة لغةً: الطريقة، والسِّيرة حسنةً كانت أم سيئةً، وعند الإطلاق تنصرف إلى السنة الحميدة.

والسنة في الاصطلاح يختلف معناها باختلاف مناهج العلماء.

فالسنة عند المُحدِّثين: هي أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله، وتقريراته، وصفاته الخِلْقية والخُلُقية، وسيرته، ومغازيه، سواء قبل البعثة مثل تحنُّثه في غار حراء، وحسن سيرته، وأنه كان أميًّا لا يقرأ، وما إلى ذلك من صفات الخير، وكذلك ما كان بعد البعثة، وتعريفهم هذا مبنِيٌّ على عنايتهم بإثبات وتصحيح كل ما يتصل بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، سواء أثبتَت أحكامًا شرعية أم لا.

وعند الفقهاء: هي كل ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير افتراضٍ ولا وجوبٍ، وتقابل الواجبَ وغيره من الأحكام الخمسة.

وعند الأصوليِّين: هي ما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - غير القرآن الكريم من الأقوال والأفعال والتقرير، وتعريفهم هذا مبنِيٌّ على عنايتهم بالدليل ومن السنة التي أمرنا باتِّباعها.

وعند علماء العقيدة والوعظ والإرشاد: هي ما وافقت الكتاب والحديث وإجماع سلف الأمة من الاعتقادات والعبادات، وتقابلها البدعة، وتعريفهم هذا مبنِي على عنايتهم بالأعمال التعبدية وموافقتها للدليل، وردِّ ما خالف ذلك، وهكذا نرى أن أوسع الإطلاقات هو إطلاق الُمحدِّثين.

 منزلة السنة من الدين:

إن لسنةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكانتَها بالنسبة إلى القرآن الكريم، ومكانتها بالنسبة إلى التشريع الإسلامي؛ فهي المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم من حيث القوة لا من حيث الالتزام، فالالتزام بها كدليل شرعي كالالتزام بالقرآن تمامًا، فالسنة هي أصل من أصول الدين يجب اتِّباعها، وتحرم مخالفتها، للأدلة والإجماع على وجه لا يدع للشك مجالاً.

 مصدر السنة النبوية الشريفة:

لا يخفى على أحدٍ عَلاقةُ السنة بالقرآن الكريم، فالقرآن الكريم وحي الله - تعالى -إلى رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - باللفظ والمعنى، والسنة وحي من الله - تعالى -إلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالمعنى، أغلبها، أو إقرار الله - تعالى -لما صدر من الرسول - صلى الله عليه وسلم - باجتهاده من قول أو فعل؛ فالقرآن والسنة مصدرهما واحد وكلاهما وحي، قال - تعالى -: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: 3، 4]، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ألا إني أُوتِيت الكتاب ومثله معه...))، وقال: ((ألا وإن ما حرَّم رسولُ الله مثل ما حرم الله)).

 أقسام الوحي:

الوحي: إعلام بخفاء.

المُوحِي: الله - تعالى -.

والموحَى إليه: رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -.

والموحَى به هو القرآن الكريم وكذلك السنة.

وينقسم الوحي إلى قسمين: وحي متلو - وحي غير متلو.

 الوحي المتلو

(القرآن الكريم) الوحي غير المتلو (السنة النبوية)

1 نُقِل إلينا بطريق التواتر منها المتواتر، ومنها غير المتواتر، وفيها الصحيح والضعيف

2 مُعجِز بلفظه ومعناه غير معجزة باللفظ

3 نزل باللفظ والمعنى نزلت بالمعنى دون اللفظ

4 مُتعبَّد بتلاوته غير مُتعبَّد بتلاوتها

5 يحرم على المُحدِث مسُّه لا يحرم على المُحدِث مسها

6 مُتعبَّد للصلاة به لا يُصلَّى بها

7 يُسمَّى بالقرآن تُسمَّى العلم أو السنة أو الحديث

8 لا يجوز روايتُه بالمعنى يجوز روايتها بالمعنى (عند مَن يرى ذلك من العلماء، بشروطٍ؛ منها أن يكون عالِمًا

9 جميع آياته وسُوَره نزل بها جبريل - عليه السلام - في اليقظة بالمعاني والألفاظ نزلت بطرق الوحي المعروفة، في المنام أو اليقظة بواسطة الملك أو غيره

سؤال: ما الحكمة في أن ما أُوحِي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منه ما نزل باللفظ ومنه ما نزل بالمعنى؟

الجواب: أنزل الله - جل وعلا - السُّنة وهي وحيٌ بالمعنى، وجعل اللفظ لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إيذانًا بأن في الأمر سَعةً للأمة وتخفيفًا عنها، وأن المقصود هو مضمونها لا ألفاظها.

وقد اختلف العلماء والمُحدِّثون في جواز رواية الحديث بالمعنى، فأجاز عدد من المُحدِّثين والعلماء رواية الحديث بالمعنى؛ كابن الصلاح، وابن العربي، والماوردي، وغيرهم، ولم يُجِزْه آخرون؛ كالإمام مالك، والقاضي عياض، - رحمهم الله - جميعًا.

والدليل على إجازة رواية الحديث بالمعنى هو سفراءُ النبي - صلى الله عليه وسلم - للملوك والأمراء؛ حيث ترجَموا أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمعنى إلى لغات أخرى ليفهموها؛ لأنه يستحيل ترجمتها باللفظ، فيجوز لصحابته ومَن بعدهم أن يُبلِّغوها باللفظ النبوي، وهو الأحوط والأولى، ويجوز لهم أن يبلغوها بعبارات يُنشِئونها تفي بالمعنى المقصود، ولا يكون ذلك إلا للماهر في لغة العرب، حتى لا ينشَأ عن الرواية بالمعنى خللٌ يَذهَب بالغرض المقصود من الحديث، وفي ذلك من الخطر ما فيه؛ لأن الخطأ في نقل السنة أثره جسيم.

 سؤال: ما الحكمة في أن الله - تعالى -جعل الوحي على قسمين، قسم يجوز روايته بالمعنى، وقسم لا يجوز روايته بالمعنى؟

الجواب: هو صون الشريعة، والتخفيف عن الأمة، فلو كان الوحي كله من قبيل القرآن في التزام أدائه بلفظه، لشق الأمر، ولَمَا استطاع الناس أن يقوموا بحمل هذه الأمانة الإلهية كمًّا وكيفًا، ولو كان الوحي كله من قبيل السنة في جواز روايته بالمعنى لكان فيه مجال للريب، ومثار للشك، ومَغْمَز للطاعنين؛ إذ يقولون: لا نأمَنُ خطأ الرواة في أداء الشريعة، ولا نثقُ بقول نَقَلةِ العقائد والأحكام والآداب، ولكن الله - جلَّت حكمته - صان الشريعة بالقرآن، ورفع الإصر عن الأمة بتجويز رواية السنة بالمعنى لئلا يكون للناس على الله حجة.

السنة النبوية مُبيِّنة للقرآن الكريم:

جاء القرآن الكريم بالأصول العامة ولم يتعرَّض للتفاصيل والجزئيات، ولم يُفرِّع عليها إلا بالقدر الذي يتفق مع تلك الأصول، وتكفَّلت السنة النبوية ببيان القرآن الكريم، فلولا السنة لظلَّت آيات القرآن الكريم نصوصًا يعجز البشر عن فهم معانيها، فقد جاء فيها بيان كيفية الصلاة ومواقيتها، فقال - تعالى -: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) [البقرة: 43]، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي))، فنقل الصحابة كيفية صلاته - صلى الله عليه وسلم -، وقال: ((يا أيها الناس، خُذُوا عنِّي مناسككم))، فشاهدها الصحابة - رضي الله عنهم - ونقلوها إلينا بكل دقَّة.

 وقد جاءت النصوص تذكر صراحةً أن الله أنزل القرآن الكريم وأنزل السنة تبيانًا له، فقال - تعالى -: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [النحل: 44]، وقال - تعالى -: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [النحل: 64]، وقال - تعالى -: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) [الحشر: 7]، وعلى هذا فكلُّ أمرٍ ونهي من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مَرَدُّه في الحقيقة إلى الله.

وجوب طاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:

كان الصحابة - رضي الله عنهم - يعتبرون قولَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفعلَه وتقريرَه حكمًا شرعيًّا، لا يختلف في ذلك واحدٌ منهم، وتمثَّل ذلك في قول ابن مسعود - رضي الله عنه - للمرأة: "لئن كنتِ قرأتِه لقد وجدتِه"، عندما سألته عن لعن الواشمات، والمستوشِمات، والمتنمِّصات، والمتفلِّجات للحُسْن، المُغيِّرات خلق الله، أنها لا تجده في كتاب الله، فقال لها: "وما لي لا ألعن مَن لعنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو في كتاب الله؟ فتلا عليها قوله - تعالى -: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) [الحشر: 7]، والقرآن الكريم يُثبِت أن طاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طاعةٌ لله - تعالى -، وجمع بين الطاعتَيْنِ، فقال - سبحانه -: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) [النساء: 80].

 وحذَّر الله - تعالى -من مخالفةِ رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فقال - سبحانه -: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النور: 63]، وأقسم - سبحانه - بنفي الإيمان عمَّن يرفض حكم رسوله - صلى الله عليه وسلم - والانقياد له، فقال - جل وعلا -: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء: 65]، بل جعل الله - تعالى -متابعةَ النبي - صلى الله عليه وسلم - علامةً على حبه - جل وعلا -، فقال: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [آل عمران: 31].

أوجه بيان السنة للقرآن الكريم:

إن القرآن الكريم دلَّ على وجوب العمل بالسنة، فكل عمل جاءت به السنة يُعَدُّ عملاً بالقرآن الكريم، فالكتاب مجملٌ والسنة مُوضِّحة، ومُفصِّلة، ومُخصِّصة، ومُقيِّدة، ومُؤكِّدة، ومُفرِّعة، قال - تعالى -: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ) [النحل: 89]، وقال - سبحانه -: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [النحل: 44]، والذِّكر هو السُّنة، وما نزل إليهم؛ أي: القرآن الكريم، وعلى ذلك فإن أوجه بيان السنة للقرآن متعدِّدة؛ منها:

1- مُوضِّحة لمعاني القرآن الكريم:

فقد جاءت السُّنة مُفسِّرة ومُوضِّحة؛ مثل قوله - تعالى -: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) [الحجرات: 12]، بيَّنها النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث، فقال: ((أتدرون ما الغِيبة؟))، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ((ذكرُك أخاك بما يكره))، قيل: أرأيتَ إن كان في أخي ما أقول؟ قال: ((إن كان فيه ما تقول فقد اغتَبْتَه، وإن لم يكن فيه فقد بَهتَّه)).

وبيَّنتِ السنةُ أيضًا الأحكام التي وردت، كقوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ... ) [الطلاق: 1]، فقد أخرج الشيخان أن عبدالله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما - طلَّق امرأته وهى حائضٌ على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسأل عمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مُرْه فليُراجِعْها، ثم ليُمسِكْها حتى تطهُرَ، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلَّق، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء)).

2- مُفصِّلة لمُجمَله:

مثل تفصيل الصلاة على اختلاف مواقيتها وركعاتها وسننها ومبطلاتها، والصلوات المفروضة والمسنونة والنافلة، وغيرها كأحكام الزكاة في بيان الأنصبة، والصيام، والحج، والذبائح، والأنكحة، والبيوع، والجنايات، فإن هذه التفاصيل لم تَرِد تفصيلاً في القرآن الكريم.

3- مُخصِّصة لعامِّه:

فقد جاء في الأحاديث تخصيص الأحكام العامة؛ مثل نصيب الوارث في الميراث من أصحاب الحقوق التي نصَّت عليها الآيات؛ كقوله - تعالى -: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) [النساء: 11]، فالقاعدة العامَّة أن المسلم الذي يُتوفَّى يرثُه أقرباؤه، كلٌّ بنسبة حقه الذي بيَّنه القرآن الكريم، لكن السنة النبوية خصَّصت هذه القاعدة بالنسبة للأنبياء، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا نُورَّث، ما تركنا صدقةٌ)).

كما خصَّصت السنة الوارث بغير القاتل، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((ليس لقاتلٍ ميراثٌ)).

4- مُقيِّدة لمُطلقِه:

فقد جاءت الأحكام في القرآن الكريم مُطلقةً دون تحديد أو تعيين، وتكفَّلت السنة ببيان القيود والشروط اللازمة لتنفيذ هذه الأحكام، كما جاء في حد السرقة، فقال - تعالى -: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا... ) [المائدة: 38].

ولإقامة الحد نحتاج إلى معرفة أمرينِ:

الأول: ما المقدار الذي إذا أخذه السارق تُقطَع يده؟

الثاني: ما حد القطع؟ أي من أين تقطع اليد من الكتف أو المرفق أو الرسغ؟

فقد جاءت السنة مُقيِّدة، وبيَّنت نصاب السرقة، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((تقطع يد السارق في ربع دينار)).

وبيَّنت السنة الفعلية حدَّ القطع؛ إذ كانوا يقطعون من مفصل اليد (الرسغ)، وأحوالاً أخرى بيَّنتها السنة في السرقة؛ كالضرورة، والحِرْز، وغير ذلك، أو أن يأكل الرجل من مال ابنِه دون إذنه، فهذا لا تقطع يده، فالابن من كسب أبيه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أنت ومالُك لأبيك)).

وغير ذلك من حالات استُثنِيَت من إيقاع الحد عليها لوجود شبهة، وذلك من باب دَرْء الحدود بالشبهات.

5- مُؤكِّدة لِمَا ورد بالقرآن الكريم: مثل قوله - تعالى -(وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء: 19]، فقد فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (((اتقوا الله في النساء، فإنكن أخذتُموهنَّ بأمان الله، واستحللتُم فروجَهن بكلمة الله)).

6- مُفرِّعة على الأصول:

ذكرنا من قبلُ أن القرآن الكريم ذكر القواعد الكلية والأصول العامَّة، ويترك للسنة تطبيق هذه القواعد على الأمور الفرعية وأوجه نشاطات الناس المختلفة، كقوله - تعالى -: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [النساء: 29].

فقد جاء القرآن الكريم بتحريم أخذ أموال الناس بغير حق، أو بغير رضا وطِيب نفس، حتى لو كانت أموالَ زوجٍ أو زوجةٍ، أو ابنٍ، أو أبٍ، أو أموالَ الدولة، فهذه القاعدة (تحريم أخذ أموال الغير بغير حق)، نجد أن السنة قد فرَّعت عليها قواعد فرعية؛ منها تحريم بيع الثِّمار قبل نضجها، فعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (نهى عن بيع الثَّمر حتى يبدوَ صلاحها، نهى البائع والمبتاع).

ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الملامسة، والمنابذة، والنَّجْش، وغيرها من بيوع تحتمل الظلم والغَرَر للبائع أو المشترى، لذلك حرَّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه البيوع وأمثالها تفريعًا للآية السابقة من سورة النساء.

استقلال السنة بالتشريع:

(أي جاءت السنة بأحكام لم ترد في القرآن الكريم):

اتفق العلماء قديمًا وحديثًا على أن السنة النبوية هي مصدر من مصادر التشريع الإسلامي، والتي لا غنَى عنها في معرفة الحلال والحرام، فالسنة قد أتت بأحكامٍ وتشريعات كثيرة لم تَرِدْ في القرآن الكريم، في العبادات أو المعاملات أو شؤون الأسرة؛ مثال ذلك: قوله - تعالى -: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الأعراف: 157].

فقد أحلَّ الله - تعالى -الطيِّبات وحرَّم الخبائث، وبقِيَت أشياء ليست من أيٍّ منها، فبيَّن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنها مُلحَقة بأحدهما، فنهى عن أكل كلِّ ذي نابٍ من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، ونهى عن أكل الحُمُر الأهلية، وألحق الضب والأرنب بما شابهها من الطيبات.

وأحلَّ - تعالى -صيد البحر وحرَّم الميتة، فماذا عن ميتة البحر؟

فقد بيَّنت السنة حكمها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا سئل عن ماء البحر: ((هو الطهور ماؤه، الحلُّ ميتتُه)).

وذكر الله - تعالى -نصيب ما فوق البنتينِ في الميراث، فقال: (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) [النساء: 11]، وبقيت البنتانِ مسكوتًا عنهما، فنُقِل في السنة حكمُهما، وهو إلحاقهما بما فوق البنتين، كما اعتبر بنتَ الابن مع البنت من الصلب كأختينِ، وأعطاهما الثُّلُث.

ومما استقلَّت به السنة دون القرآن: أحاديث تحريم جمع الرجل بين المرأة وعمَّتِها، وبين المرأة وخالتِها، وأحكام الشفعة، ورجم الزاني المُحصَن، وتغريب البِكْر، وإرث الجدَّة، وزكاة الفطر، وغير ذلك مما استقلَّت السنة بتشريعه.

حفظ السنة قبل التدوين:

* حالة العرب قبل الإسلام والاستعداد الفطري للحفظ:

اشتهر العرب بصفات طيِّبة، وخصال محمودة كثيرة قبل الإسلام؛ كالمروءة، والكرم، والوفاء بالعهد، إلى جانب سَعَة حافظتِهم التي كانت سجلاًّ لتاريخهم وأنسابهم وأشعارهم، وكانوا يشتهِرون بالصدق والأمانة، وصفاء الذهن، ونشاط الذاكرة، وقوة مَلَكة الحفظ، وإجادة الضبط في أداء الألفاظ، فأقبل الصحابة - رضي الله عنهم - بعد الإسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأحبُّوه وفَدَوْه بأرواحهم وأموالهم وأقبَلُوا على ما جاءهم من القرآن يحفظونه ويحفظون ما يُحدِّثهم به من الأحاديث، فجمعوه في صدورهم وطبَّقوه في جميع أحوالهم.

الدعوة إلى التعليم:

أول ما نزل الوحي دعا إلى التعليم والقراءة، فكان أول ما نزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله - تعالى -: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ... اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ) [العلق: 1 - 4].

كما حضَّ - سبحانه وتعالى - على سؤال العلماء، فقال جل شأنه: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النحل: 43].

وأوجب نشر العلم وبيان أحكامه، فامتثل الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - للأمر والنهي، وحث على طلب العلم الذي يحتاجه كل مسلم ليقيم أمور دينه، وبيَّن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منزلةَ العلم ورغَّب فيه، فقال: ((مَن يُرِد الله به خيرا يُفقِّهْه في الدين))، وقال: ((مَن سُئِل عن علمٍ فكتمه أُلْجِم بلجام من نار يوم القيامة))، وقال: ((العلماء ورثة الأنبياء)).

منهجه - صلى الله عليه وسلم - في التعليم:

في بداية الدعوة اتَّخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - دارَ الأرقم بن أبي الأرقم مقرًّا له ولأصحابه، يتذاكرون كتاب الله - تعالى -، حينما كانت الدعوة سرية، وبعد هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - أصبح المسجد النبوي هو المكانَ المعهود للعلم إلى جانب العبادة.

وكان للنبي - صلى الله عليه وسلم - مجالسُ علميَّة كثيرة، وكان يُخاطِب الناس على قدر عقولِهم، ويُكرِّر الكلام ثلاثًا ليفهمَ السامعُ ما يقول، وكان إذا سُئِل عن شيء لا يعلمه انتظر الوحي من الله بذلك، ثم يجيب عنه، وربما طرح الأسئلة على أصحابه ليختبرَهم، ويستفيض في بعض المسائل إذا رأى ذلك مناسبًا للمقام والحال، وإذا رأى من أحد شيئًا يُنكِره قال: ((ما بال أقوامٍ يفعلون كذا وكذا))، وكان يتلطَّف في النصيحة لمن أرد نصحه.

كيف تلقى الصحابة - رضي الله عنهم - العلم الشرعي؟

كان الصحابة - رضي الله عنهم - يتعلَّمون من النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن الكريم آيات معدودات، يفهمون معناها، ويتعلمون فقهَها، ويُطبِّقونها على أنفسهم، ثم يحفظون غيرها، وكان بعض الصحابة - رضي الله عنهم - يُقِيم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتعلَّم أحكام الإسلام وعباداته، ثم يعود إلى أهله وقومه يُعلِّمهم ويُفقِّههم، كما فعل مالك بن الحُوَيرث - رضي الله عنه -.

حرصُ الصحابة على تعلُّم العلم الشرعي ومدارسته:

فقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - يحرِصون على حضور مجالس العلم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى جانب قيامِهم بأعمالِهم المعيشية؛ إذ لم يكن الصحابة سواءً في حضور دروس العلم:

* فمنهم مَن كان يلازمه؛ كأبي بكر وأبي هريرة - رضي الله عنهما -.

* ومنهم مَن كان يتخلف لقضاء مصالحه أو الخروج لسرية من السرايا، ثم يسألون عمَّا فاتهم من العلم.

* وأحيانًا كان الصحابة - رضي الله عنهم - يتناوبون الحضور إذا تعذَّر عليهم، فيتَّفِق اثنان على تناوب الحضور؛ كما كان يفعل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مع جارٍ له، على أن يحضر أحدهما يومًا بعد يوم.

وقال أنس - رضي الله عنه -: كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فنسمع الحديث، فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظه.

فانظر أخي الكريم كيف كان يحرِصُ الصحابة - رضي الله عنهم - على طلب العلم، وتعاهده، والمثابرة عليه، وكان ذلك في الحضر والسفر.

 تعليم النساء:

ولم تكن مجالس العلم قاصرةً على الرجال، بل كان كثير من النساء يحضُرْنَ في المسجد، ويستمعن إلى حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما كن يخرجن إلى صلاة العيد، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتنقَّل إلى صفوف النساء ويتحدَّث إليهن ويُعلِّمهن أمور الدين، ولم يكن ذلك كافيًا، فقد حرَص النساء أيضًا على سماع الحديث الشريف، فكان يجيئه بعض النساء يسألنه ويطلبن منه أن يُخصِّص لهن يومًا يُعلِّمهن دون الرجال، فاستجاب لهن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكانتِ المرأةُ أحيانًا تأتي إلى منزله - صلى الله عليه وسلم - لتسأله فتحصل على الإجابة، ومنهن مَن تجعل إحدى نسائه وسيطًا بينها وبين النبي - صلى الله عليه وسلم -.

وهكذا كان الصحابة - رضي الله عنهم - يتلقَّون الحديث من النبي - صلى الله عليه وسلم - إما عن طريق المشافهة لأفعاله وتقريراته، وإما عن طريق السماع ممن سمِع منه أو شاهد أفعاله وتقريراته؛ لأنهم لم يكونوا جميعًا يحضرون مجالسه - صلى الله عليه وسلم -.

تدوين السنة النبوية الشريفة

روى بعض مَن لم يُحقِّق من المؤرِّخين ووهِموا أن أوَّل مَن كتب علم الحديث هو محمد بن شهاب الزهري - رحمه الله تعالى -(ت 124 هـ)، وأن أول مَن وضع الكتب أتى بعده، وبالتالي ثبت في أذهان العامة وغير ذوي الاختصاص أن الحديث لم يُكتَب في عصر الصحابة والتابعين إلا فيما ندر، والنادر لا حكم له، فكان قد استقر رأيُهم على أن الحديث لم يكتب إلا بعد عصر التابعين؛ أي حين شرع العلماء في تدوينه ومن ثم تصنيفه.

سؤال: لماذا لم تُدوَّن السُّنة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟

الجواب: لأن هذا يحتاج إلى تفرُّغ كبير من الصحابة - رضي الله عنهم -، والعمل سيكون شاقًّا عليهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أميٌّ، وبعث في أمة أمية، فكان الكتبة قلة، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمرهم بكتابة القرآن الكريم في الصحف والرِّقاع، وكان أيضًا محفوظًا في صدورهم، وكان العرب يعتمدون على ذاكرتهم وحدها، فلو دُوِّنت السنة كما دُوِّن القرآن الكريم - وهى واسعة جدًّا - للزم انكبابُهم على حفظ السنة مع القرآن، وهذا فيه من الحرج والمشقة ما فيه.

النهي عن كتابة الحديث:

عن أبي سعيد الخُدْري رضي الله - تعالى -عنه أن رسول الله صلى الله عيه وسلم قال: ((لا تكتُبُوا عنِّي، ومَن كتب عني غيرَ القرآن فليَمْحُه، وحدِّثوا عنِّي ولا حرج، ومَن كذب عليَّ - قال همَّام (أحد رواة هذا الحديث): أحسبه قال: متعمِّدًا - فليتبوَّأ مقعدَه من النار)).

وقد نهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في أول الأمر عن كتابة الحديث خشيةَ أن يختلط بالقرآن وينصرفوا إلى الحديث، ثم أذِن لهم بعد ذلك.

الإذن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكتابة الحديث:

لَمَّا تتابع الوحي وكثُر ما نزل من القرآن، وأمن اللبس بين القرآن والسنة في نفوس وعقول العرب، وميَّزت أذواقُهم بين أسلوب القرآن وغيره، كان ذلك من دواعي اطمئنان النبي - صلى الله عليه وسلم - على القرآن الكريم، فأذِن لعددٍ من الصحابة - رضي الله عنهم - بكتابة الحديث، وليس بين النهي والإذن تعارضٌ؛ إذ إنه نهى عن التدوين الرسمي كما كان يُدوَّن القرآن الكريم، وذلك لِمَا عُرِف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الفصاحة والبلاغة خشيةَ أن تختلط بالقرآن الكريم، وأما الإذن، فهو سماح بتدوين السنة لظروف خاصة، أو السماح لبعض الصحابة الذين كانوا يكتبون السنة لأنفسهم.

وقد أذِن بتدوين السنة النبوية الشريفة؛ لأنها موسوعة الإسلام وتفاصيله، وللحفاظ عليها من الضياع بموت حفَّاظها، وكذلك خشية تحريفها واختلاطها بموضوعات الوضَّاعين وكتبهم، وهناك شواهد لإذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في كتابة وجمع السنة؛ مثل:

1- صحيفة أبي شاهٍ:

عن أبي هريرة رضي الله - تعالى -عنه أنه لَمَّا فتح اللهُ على رسوله - صلى الله عليه وسلم - مكةَ، قام في الناس فحمِد الله وأثنَى عليه ثم قال: ((إن الله حبس عن مكة الفيل... ))، وذكر حديثًا طويلاً جاء في آخره: فقام أبو شاهٍ - وهو رجل من اليمن - فقال: اكتبوا لي يا رسول الله، فقال - صلى الله عليه وسلم - ((اكتبوا لأبي شاهٍ)).

2- صحيفة عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - (الصحيفة الصادقة):

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: ما من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد أكثر حديثًا عنه مني، إلا ما كان من عبدالله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب.

فدلَّ هذا الأثر الصحيح على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقر عبدالله بن عمرو - رضي الله عنهما - على كتابة الحديث.

وعن عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أنه قال: كنت أكتبُ كل شيء أسمَعُه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أريد حفظه، فنهَتْني قريشٌ، وقالوا: أتكتبُ كل شيء تسمعه، ورسول الله بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ فأمسكت عن الكتاب، فذكرتُ ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأومأ بأصبعه إلى فيه، فقال: ((اكتُبْ، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق)).

 3- صحيفة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -:

أخرج البخاري - رحمه الله تعالى -عن أبي جُحَيفة أنه قال: (قلتُ لعلي بن أبي طالب: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلا كتاب الله، أو فهم أُعطِيَه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة، قال: قلتُ: ما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل (الديات)، وفكاك الأسير، ولا يُقتَل مسلمٌ بكافر).

ومما يستأنس به ما رواه التابعون عن الصحابة من إذنِ الكتابة؛ كقول عمر بن الخطاب وأنس بن مالك - رضي الله عنهما - لبَنِيهم: قيِّدوا العلم بالكتاب؛ أخرجه الدارمي - رحمه الله - في المقدمة (باب من رخص في كتابة العلم)، والحاكم - رحمه الله - في المستدرك (كتاب العلم).

أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالكتابة:

أُثِر عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أمر بكتابة أشياء من السنة في مناسبات مختلفة؛ منها:

1- العهود والمواثيق: مثل ما أمر بكتابته في أول هجرته إلى المدينة بين المهاجرين والأنصار، وصلح الحديبية، ومعاهدة أهل الحدود بين الحجاز والشام لَمَّا ذهب إلى تبوك.

2- كُتُبه - صلى الله عليه وسلم - إلى الملوك والأمراء؛ إلى كسرى، وقيصر، وهرقل، والنجاشي، وإلى أمراء العرب، يدعوهم فيها إلى الإسلام.

3- كتابُه لصاحب طلحة بن عُبَيدالله - رضي الله عنه -، وهو رجل من الأعراب ألا يتعدَّى عليه أحد في صدقاته.

4- كتب كتابَ الصدقات والديات والفرائض والسنن لعمرو بن حزم وغيره.

والخلاصة في أمر تدوين السنة النبوية الشريفة:

1- النهي عن تدوينها أول الأمر حمايةً للقرآن الكريم من التحريف باختلاط السنة وغيرها به، وتوفيرًا لجهود المسلمين حتى لا ينشغلوا بالقرآن الكريم عن غيره.

2- الإذن بتدوينها بعد أن تحقَّق الغرض الأول، ولتحقيق أغراض أخرى مهمة؛ منها نشر العلم، وتفقيه المسلمين من أبناء القبائل والبلاد البعيدة في دينهم، ولصيانة السنة من الضياع بالنسيان أو موت حفَّاظها، وحفظها من التحريف.

تبيَّن أنه قد بدأت كتابة الحديث منذ عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - بصورةٍ خاصة وغير رسمية، فلم تكُنِ السُّنة مُهمَلة طيلة القرن الأول إلى عهد أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله تعالى -، وكانت تلك الصحف تحتوي على العدد الأكبر من الأحاديث التي دُوِّنت في القرن الثالث، واهتمَّ الصحابة - رضي الله عنهم - بالعلم والحديث بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -:

فكان ابن عباس - رضي الله عنهما - يذهب إلى الصحابة - رضي الله عنهم - ليتثبَّت منهم في الحديث.

ودرس الصحابة - رضي الله عنهم - الحديث فيما بينهم، بل حثُّوا على حفظه وطلبه، وحضُّوا التابعين على مجالسة أهل العلم والأخذ عنهم.

أخرج الدارمي - رحمه الله تعالى - في (كتاب الفرائض) أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: تعلَّموا الفرائض واللحن والسنن كما تتعلمون القرآن.

العلة في كراهة كتابة الحديث في عهد الصحابة - رضي الله عنهم -:

اعتنى الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعون بالسُّنة، وحرَصوا عليها حرصًا شديدًا، لكنهم لم يُسَوُّوا بينها وبين القرآن الكريم في الكتابة، خوفَ الإنكباب عليها والتهاون، أو إغفال حفظ القرآن الكريم.

وقد أراد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كتابة السُّنة، واستشار الصحابة - رضي الله عنهم -، فأشاروا عليه بكتابتها، لكنه استخار الله - تعالى -شهرًا، فترك كتابة السنن خشية ترك القرآن الكريم، وكان بعض السلف يستعين على حفظ الحديث بأن يكتبه ويدرسه من كتابه، فإذا أتقنه محا الكتاب خوفًا أن يتَّكِل القلب عليه فيؤدي ذلك إلى نقصان الحفظ.

وقال عبدالله بن الزبير - رضي الله عنه -: كتبت الحديث ثم محوته، فوددت أني فديتُه بمالي وأني لم أَمْحُه، وذلك لَمَّا كبِرت سنُّه وتغيَّر حفظه ندم.

ومن أسباب كراهة كتابة الحديث خوف صيران العلم إلى غير أهله، وكانوا يرون أن بني إسرائيل إنما ضلُّوا بكتب ورِثوها.

التدوين الرسمي للسنة النبوية:

سؤال: ما السبب الذي أدى إلى تدوين السنة النبوية في عهد الصحابة والتابعين؟

الجواب: لَمَّا انتشر الإسلام، واتَّسَعت الفتوحات الإسلامية، وتفرَّق الصحابة في الأقطار، وكاد القرن الأول ينتهي، والسُّنة موكولة إلى حفظ الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين، فنشأ جيلٌ بعد ذلك قليل الضبط، ضعيفُ الحفظ بسبب اختلاط العرب بالأعاجم في البلدان المختلفة - كالعراق والشام ومصر - فدعت الحاجةُ إلى تدوين الحديث النبوي، فأكثر التابعون من كتابة الحديث والسنن، ولم يُنكِرها واحدٌ منهم في الوقت الذي تلهَّف فيه المسلمون في الأقطار إلى معرفة شرائع الإسلام وآدابه، وإعجابهم بالصحابة - رضي الله عنهم -، ومرافقة التابعين والأخذ عنهم، فضلاً عن ظهور الكذب والوضع على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أنصار الفِرَق والمذاهب الذين ظهروا بعد مقتل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، فاقتنعوا بضرورة تدوين السنة النبوية الشريفة، وكان التدوين الرسمي في القرون الثلاثة على ثلاثة مراحل.

1- التدوين الرسمي الأول:

في نهاية القرن الأول الهجري أفضتِ الخلافةُ إلى الإمام العادل عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله تعالى -، فهداه الله - تعالى -إلى جمع السنة، فكتب إلى بعض علماء الأمصار يأمرُهم بجمع الحديث الشريف، فكتب إلى أبي بكر (عمرو بن حزم) عاملِه وقاضيه على المدينة، وبهذا توجَّهت الدولة الإسلامية إلى تدوين السنة رسميًّا، بعد أن كان تدوينها شخصيًّا.

وقام الإمام ابن شهاب الزهري - رحمه الله تعالى - (محمد بن شهاب الزهري) بجمع ما توفَّر لديه من أحاديث وسنن، فقد كان عالمًا خفاقًا من أعلام السنة في عصره، وبهذا انتقلت حماسة تدوين السنة النبوية الشريفة إلى علماء الأمة الأفذاذ، فتنافسوا في جمعِها ومتابعتِها وطرقِها ورجالِها الأمناء، وكان منهجُهم في التدوين هو جمع الأحاديث التي تدور في موضوع واحد في مؤلَّف خاص؛ كالصلاة، والزكاة، والصوم، والطلاق، ومن أشهر مَن دون الحديث في ذلك الوقت:

* عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج، ومحمد بن إسحاق في مكة

* مالك بن أنس في المدينة.

* سعيد بن أبي عَروبة، وحَمَّاد بن سلمة في البصرة.

* سفيان الثوري في الكوفة.

* الأوزاعي في الشام.

* مَعْمَر بن راشد في اليمن.

* عبدالله بن وهب في مصر.

وغيرهم كثير، وقام هؤلاء بجمع أحاديث كل باب من العلم على حِدَةٍ في مؤلَّفٍ واحد، لكنهم مزَجوا الأحاديث النبوية بأقوال الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين وفتاويهم، ونسج على هذا المنوال بقية أهل عصرهم.

2- التدوين الرسمي الثاني:

وكان أيامَ الدولة العباسية بأمرٍ من الخليفة أبي جعفر المنصور حين اطَّلع على كتاب الإمام مالك - رحمه الله تعالى -، وقد كان عكف عليه أربعين عامًا، فطلب الخليفة منه أن يكتب كتابًا يُوطِّئ (يُيَسِّر) للناس سُنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسَمَّاه (المُوطَّأ)، وقد تميز موطَّأ الإمام مالك بتبويب الأحاديث حسب الموضوعات مع أقوال الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعين، واجتهاده الفقهي في بعض المسائل، وفتح الله على باقي العلماء فبذلوا ما في وُسْعهم لخدمة السنة النبوية الشريفة.

3- التدوين الرسمي الثالث:

وجاء القرن الثالث الهجري، وازدهر فيه تدوين السنة، وتنوَّعت المؤلَّفات فيها، ففي القرن الأول والثاني كان الاهتمام بالسنة تدوينًا وجمعًا فقط، أما في القرن الثالث، فقد تناول العلماء السنة من جهتين؛ هما الجمع والتدوين والتصنيف على المسانيد والجوامع والسنن.

* المسانيد: هي الكتب الحديثية التي رتَّبها مؤلفوها على ما رواه كل صحابي على حِدَةٍ، بغضِّ النظر عن الموضوع؛ كمسند الإمام أحمد بن حنبل، ومسند أبي يَعْلَى.

* الجوامع: هي الكتب التي اشتملت على جميع أنواع الحديث في العقائد، والفقه، والرقائق، والآداب، والتفسير، والمناقب، وغيرها؛ كالجامع الصحيح للإمام البخاري.

* السنن: هي الكتب التي رُتِّبت على الأبواب الفقهية؛ كسنن أبي داود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه، - رحمهم الله - تعالى -.

وتابع علماء القرن الثالث الجهودَ المباركة للعلماء السابقين، وانتهجوا نهجًا مخالفًا بعض الشيء في حفظ السنة، فأفردوها عن أقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم وفتاويهم وتفسيراتهم، والتزموا شروطًا وضعوها لأنفسهم، مع اهتمام بارز بالرواة والروايات، وكان الداعي لهذه الطرق هو أن تكون عونًا للفقهاء وتسهيلاً لهم في الوقوف على الأحاديث التي يستنبطون منها أحكامهم، أو يستدلون بها، أو يجتهدون على ضوئها.

وقد لقي الحديث عنايةً وحفظًا واهتمامًا عظيمًا من أبناء ذلك العصر، الذين تولَّوا نقلَه بأمانة وإخلاص إلى الجيل الذي تلاهم، ثم أدَّت الأجيال المتعاقبة هذه الأمانة، حتى وصلت إلينا في أمَّهات الكتب الصحيحة.

مدارس الحديث:

لَمَّا اتَّسعت الفتوحات الإسلامية بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتعطَّشت نفوسُ الناس إلى العلم، بعث خلفاءُ المسلمين الصحابةَ - رضي الله عنهم - ليُعلِّموهم أحكامَ الدين، وبنزول الصحابة تلك البلدان؛ كالعراق، ومصر، والشام، وفارس - أصبحتِ الأقاليمُ والأمصار مراكزَ إشعاعٍ علميٍّ، ومعاهدَ لتعليم القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، حتى تخرَّج على أيديهم في كل قطر من الأقطار طبقةٌ من التابعين، كانوا بعد ذلك هم حماةَ السُّنة ورواة الحديث، وكانت المساجدُ في الغالب هي دُورَ العلم ومعاهد الحديث.

أهم المراكز العلمية:

المدينة المنورة:

وهي مهاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأكثر التشريع كان فيها، وهى الموطن الأول للصحابة - رضي الله عنهم -، ومركز الخلافة الإسلامية الراشدة، وأشهر علماء المدينة: أبو هريرة، وعائشة، وعبدالله بن عمر - رضي الله عنهم -، وقد تخرَّج على أيديهم كبارُ التابعين؛ كسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير.

مكة المكرَّمة:

لما فتَحها النبي - صلى الله عليه وسلم - خلَّف فيها معاذَ بن جبل - رضي الله عنه - يُفقِّه الناس في دينهم، ثم تزعَّم دارَ الحديث بمكة المكرمة ابنُ عباس - رضي الله عنهما -، وتخرَّج على أيدي الصحابة - رضي الله عنهم - تابعون أجلاء؛ من أشهرهم: مجاهد بن جبر، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء بن أبي رباح، وغيرهم، وكان هناك مؤتمر علمي سنوي في موسم الحج يجمع كل طلبة العلم من كل الأقطار الإسلامية.

الكوفة:

وقد نزل بها عدد كبير من الصحابة رضي الله عنهم؛ أشهرهم: علي بن أبي طالب، وعبدالله بن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد - رضي الله عنهم -، فعلَّموا وفقَّهوا طلبة العلم، وتخرَّج على أيديهم الكثير؛ من أشهرهم: عامر بن شراحيل، وإبراهيم النخعي، وعَبِيدة السلماني، وغيرهم.

البصرة:

نزل بها عدد كبير من الصحابة - رضي الله عنهم - منهم أنس بن مالك، وكان إمامًا في الحديث، وأبو موسى الأشعري، وابن عباس، وكان واليًا عليها من قِبَل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - لفترة قصيرة، وأشهر مَن تخرج منها الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وأيوب السختيانى، وقتادة بن دعامة.

الشام:

لما فتح المسلمون الشامَ في عهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، دخل كثير من أهلها الإسلام، فأرسل إليهم عمر - رضي الله عنه - معاذَ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبا الدرداء، ثم أرسل عبدالرحمن بن غنمٍ، وقد تخرج على أيدي هؤلاء علماء الشام من التابعين؛ كأبي إدريس الخولاني، وقبيصة بن ذؤيب، ومكحول بن أبي مسلم الشامي، ورجاء بن حَيْوة، وغيرهم.

مصر:

لَمَّا فتح المسلمون مصرَ في عهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، ووُلِّي عليها عمرو بن العاص، انتشرت رواية الحديث، فكان من أبرز علمائها عبدالله بن عمرو بن العاص، وهو من المُكثِرين في الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كما نزل بمصر عُقْبة بن عامر الجهني، وخارجة بن حذافة، وعبدالله بن حارث بن جزء، وتخرَّج على أيدي هؤلاء: يزيد بن أبي حبيب، وأبو الخير المرثد بن عبد الله اليزني، ثم تتابعت مدارس الحديث في الانتشار والازدهار في اليمن والمغرب والأندلس وخراسان وغيرها من البلدان.

الرحلة في طلب الحديث الشريف في عهد النبي والصحابة:

علمُ الحديث من أشرف العلوم؛ إذ ترتكز عليه بقية العلوم الشرعية، فكل العلوم تعتمد على الروايات والرواية هي الحديث، ولا شك أن الرحلة في طلب العلم والتقاء طلاب العلم ببعضهم يُثقِّف العقول ويُصحِّح المفاهيم، فالرحلة في طلب العلم سِمَة من سمات العلماء من قديم الزمان، وأوضح مثال لذلك رحلة موسى - عليه الصلاة والسلام - إلى الخَضِر، وكانت الرحلة في طلب العلم قائمةً في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - للتعرُّف على تعاليم الإسلام الجديدة ولسماع القرآن الكريم، فيأتونه إلى المدينة ويمكثون عند النبي - صلى الله عليه وسلم - الأيام والليالي يُعلِّمهم ويُوجِّههم، ثم يتوجَّهون إلى أهليهم يُبلِّغونهم الإسلام، كوفد ضمام بن ثعلبة، ووفد عبدالقيس، ووفد بني حنيفة، طيِّئ، كندة وغيرهم.

وعلى المستوى الفردي أيضًا فكانوا يمتطون دوابَّهم لا يبالون بالأخطار ولا الجبال والوديان بالليل والنهار؛ كعقبة بن الحارث لَمَّا سأل النبي صلى الله عله وسلم عن مسألة رضاعه مع زوجته، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بمفارقتها، وقال: ((كيف وقد قيل))؛ رواه البخاري.

وبعد الفتوح الإسلامية تفرَّق الصحابة - رضي الله عنهم - في البلدان ينشرون العلم ويَرْوُونه، فشاعت رواية الحديث، وكان الصحابة - رضي الله عنهم - يقطعون المسافات الطويلة لا يعبؤون بالمخاطر في الطريق، كما فعل جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - حينما ذهب إلى الشام فسار شهرًا واشترى بعيرًا يحمله إلى عبدالله بن أُنَيْس - رضي الله عنه - ليسمع حديثًا في القِصاص، فلما ذهب إليه قال له: فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، رغم أن جابرًا - رضي الله عنه - من المُكثِرين في الرواية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: لو أعلم أن أحدًا أعلم بكتاب الله - تعالى -مني تبلغُه الإبل لأتيتُه.

وهذا أبو أيوب الأنصاري - رضي الله عنه -، فقد ركِب إلى عقبة بن عامر - رضي الله عنه - في مصر فسأله عن حديث في ستر المؤمن: (مَن ستر مؤمنًا في الدنيا على عورة ستره الله - عز وجل - يوم القيامة)؛ رواه أحمد - رحمه الله -، فرجع إلى المدينة فما حل رحلَه يُحدِّث بهذا الحديث.

 رحلة التابعين في طلب العلم:

قال أبو العالية: كنا نسمع الرواية عن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بالبصرة فلم نرضَ حتى ركِبنا إلى المدينة فسمِعناها من أفواههم.

وقال الشعبي: لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن ليسمع كلمةَ حكمةٍ ما رأيتُ أن سفره ضاع.

وقال سعيد بن المسيب: إن كنتُ لأسير في طلب الحديث الواحد مسيرة الأيام والليالي.

وهذا شعبة بن الحجَّاج الذي يُعدُّ أمير المؤمنين في الحديث، وهو أول مَن فتَّش عن الرجال بالعراق وانتقى الأسانيد، قد حُكِيت قصةُ بحثه عن حديثٍ تنقَّل من أجله بين البصرة والكوفة ومكة والمدينة، ثم عاد إلى الكوفة ثانية، وهو حديث: (مَن توضأ فأحسن الوضوء ثم دخل مسجدًا فصلى ركعتين واستغفر الله، غفر الله له)؛ رواه أحمد - رحمه الله - بمعناه، كما رحل أتباع التابعين بحثًا عن التابعين للأخذ منهم وملازمتهم في سبيل المذاكرة.

وعند تتبع تراجم المُحدِّثين من التابعين وأتباعهم، نجد المؤرخين لحياة هؤلاء يقولون في الرجل: فلان بن فلان المكي، ثم الكوفي، ثم الشامي، ثم المدني، ثم البصري، ثم المصري؛ إيذانًا منهم بأن الراوي كان رحَّالة في طلب الحديث والعلم؛ كحجاج بن إبراهيم الأزرق أبي محمد البغدادي سكن طرطوس ومصر.

 وكان للرحلات العلمية أثرٌ عظيم في انتشار السنة والمحافظة عليها، وجمعها وتمحيصها والتثبُّت منها، وهكذا تعاون العلماء من الأمصار المختلفة على حفظ السنة النبوية، ورحل بعضُهم إلى بعضٍ، وتلقى بعضهم عن بعض، فلم تصِلْنا السنة في مصنفات وكتب مرتبة على الأسانيد ومجموعة على الأبواب إلا بعد أن خدمها الصحابة - رضي الله عنهم - والتابعون وأتباعهم من العلماء ومن بعدهم، فكانوا حقًّا واحةً نلوذُ بها كلما أعيانا الجهد وأضنانا المسير في رحلة طلب العلم.

أشهر رواة الحديث من الصحابة - رضي الله عنهم -:

1- أبو هريرة (رضي الله عنه):

الدوسي سيِّد الحفَّاظ، كان من أوعية العلم، وهو عبدالرحمن بن صخر، من قبيلة دوس باليمن، وأمه ميمونة بنت صبيح، وقيل أميمة، ومن شيوخه بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأسامة بن زيد، وعائشة، وفي القرآن أُبَي بن كعب.

 وبلغ عدد مَن روى عنه من الصحابة والتابعين 800 تلميذ، وهاجر من اليمن إلى المدينة، وكان من أهل الصُّفَّة يعيش في المسجد، ولا عمل له ولا مال، وجاع واحتاج ولزم المسجد، وكان بارًّا بأمه، فقد طلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يدعو لها بالهداية فدعا لها بالهداية للإسلام، فهداها الله فأسلمت، ودعا بحب الناس لهما، فكان ذلك.

وكان أبو هريرة رأسًا في القرآن والسنة والفقه، وكان حفظُه من معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان التابعون يتعجَّبون من حفظه، وهو أكثر الصحابة روايةً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد بلغ مسنده 5374 حديثًا، ولم ينفرِد بكثرة الرواية، وإنما كانت رواياته أكثر من غيره، وذلك للأسباب الآتية:

1- خشية كتمان العلم.

 2- دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - له بالبركة والحفظ.

3- تفرغه للتعليم والتعلم.

4- كثرة تلامذته والناقلين عنه.

5 تأخُّر وفاته، فقد تُوفِّي سنة 57 هـ، وقيل 58 هـ.

والأحاديث المنقولة عنه تنقسم إلى:

* ما كان ضعيف السند لا يصح عن أبي هريرة - رضي الله عنه -.

* ما كان له أكثر من إسناد.

* ما رواه عن أكابر الصحابة وأمهات المؤمنين.

* ما كان موقوفًا عليه من كلام.

واتفق الشيخان البخاري ومسلم على إخراج 326 حديثًا، انفرد البخاري - رحمه الله - بـ 93، ومسلم - رحمه الله - بـ 98 حديثًا.

وكان أبو هريرة - رضي الله عنه - متواضعًا حتى عندما كان خليفةً لمَرْوان على المدينة كان يسير في السوق يحمل حزمة الحطب، وله مكانة عظيمة في الفتوى، واحتج المسلمون قديمًا وحديثًا بحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - لحفظه وجلالته وإتقانه وفقهه، وكان يقول عبدالله بن عباس: أفتِ يا أبا هريرة، واستعمله عمرُ على البحرين، ودعاه عمر ليولِّيه فأبى - رضي الله عنه -، وتُوفِّي أبو هريرة سنة 57 هـ قبل معاوية بسنتين، وقيل صلى عليه الأمير الوليد بن عتبة بعد صلاة العصر، وشيَّعه ابن عمر وأبو سعيد ودُفِن بالبقيع.

2- عبدالله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما -:

وهو عبدالله بن عمر بن الخطاب بن نُفَيل بن عبدالعُزَّى القرشي العدوي، ثم المدني، وأمُّه - وأم حفصة (أم المؤمنين) - هي زينب بنت مَظْعون، أخت عثمان بن مظعون أخي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الرضاعة، ولد ابن عمر - رضي الله عنهما - قبل الهجرة بـ 11 عامًا، وأسلم وهو صغير، ثم هاجر مع أبيه ولم يبلغ الحُلُم، وهو ممَّن بايع تحت الشجرة، وشيوخه بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ هم: الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وعائشة، وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - جميعًا، وبلغ عدد تلاميذه أكثر من 130 راويًا؛ أشهرهم ابنه سالم ومولاه نافع.

* وقد شُهِد لابن عمر بالفضل وعُرِف عنه علو الهمة:

- قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: إن من أملك شباب قريش لنفسه عن الدنيا ابن عمر.

- وقال أبو سلمة بن عبدالرحمن: مات ابن عمر وهو في الفضل مثل أبيه، وكان مثالاً في الورع.

- قال طاوس: ما رأيت رجلاً أورع من ابن عمر.

* كما اشتهر ابن عمر - رضي الله عنه - بتتبعه لآثار النبي - صلى الله عليه وسلم - في كل شيء، حتى مكان بوله كان يذهب يبول عنده.

قال محمد بن زيد بن عبدالله بن عمر: ما ذكر ابن عمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا بكى.

وقال حبيب الشهيد: قيل لنافع (مولى ابن عمر): ما كان يصنع ابن عمر في منزله؟ قال: ما لا تُطِيقونه؛ الوضوء لكل صلاة، والمصحف فيما بينهما.

* وكان ابن عمر - رضي الله عنهما - حريصًا على نشر العلم الذي تلقَّاه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دون زيادة ولا نقصان.

قال مالك بن أنس: أقام ابن عمر بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - ستين سنة يقدم عليه وفود الناس.

* وكان - رضي الله عنه - يهرب من الخلافة، وحاول مروان بن الحكم إغراء ابن عمر بالخلافة بعد وفاة معاوية بن يزيد بن معاوية فأبى ابن عمر - رضي الله عنه -.

وتُوفِّي ابن عمر بمكة ودفن بمكان يسمى (فخ) سنة 74 هـ، وله 84 عامًا، ولابن عمر في مسند (بقي بن مخلد) 2630 حديثًا، اتفق الشيخان على 168، انفرد البخاري بـ 81، ومسلم بـ 31 حديثًا.

3- أنس بن مالك - رضي الله عنه -:

هو أنس بن النَّضْر بن ضمضم بن زيد بن حرام، الإمام المفتي، المقرئ المُحدِّث، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي النجاري المدني، خادم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتلميذه، وهو آخر الصحابة موتًا بالبصرة، له صحبة طويلة وحديث كثير، ولازم النبي - صلى الله عليه وسلم - منذ هاجر إلى المدينة إلى أن مات النبي - صلى الله عليه وسلم -، وُلِد قبل الهجرة بعشر سنين، ومات النبي - صلى الله عليه وسلم - ولأنسٍ عشرون عامًا.

وروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمًا جَمًّا، وأهم شيوخه: أبو بكر، وعمر، وعثمان، ومعاذ بن جبل، وأبو هريرة، وأمه أمُّ سليم بنت ملحان، وخالته أم حرام، وزوجها عُبادة بن الصامت، وفاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وغيرهم.

أما تلاميذه، فكثير، وروى عنه خلقٌ كثير؛ كالحسن البصري، وابن سيرين، والشعبي، وثابت البناني، وعمر بن عبدالعزيز، وبلغ عدد تلاميذه مائة نفس.

ودعا له النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((اللهم ارزُقْه مالاً وولدًا، وبارِكْ له فيه))، فكان أكثر الأنصار مالاً، وكان من صلبه بضع وعشرون ومائة.

وكان مجاب الدعوة، فقد عطشت أرضه ذات مرَّة فصلى ودعا، فغشيت أرضه وأمطرت السماء في الصيف، وقال المثنى بن سعيد: سمعت أنسًا يقول: ما من ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيبي ثم يبكي؛ يعني: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكان أنسٌ وَرِعًا مُكثِرًا من الرواية.

واختلفوا في موته فروى سنة 91هـ، وروي 92هـ، وقال عدةٌ: سنة 93هـ، فيكون على هذا تُوفِّي وله 103 عامًا.

وبلغ مسنده 2286 حديثًا، اتفق الشيخان على 280، انفرد البخاري بـ 80، ومسلم بـ 90 حديثًا.

4- عبدالله بن عباس - رضي الله عنه -: (حبر الأمة وترجمان القرآن):

هو عبدالله بن عباس بن عبدالمطَّلب بن هاشم، القرشي، الهاشمي، المكي، حبر الأمة وإمام التفسير وفقيه عصره، ابن عم الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وأمه هي أمُّ الفضل لُبابة بنت الحارث الهلالية، أخت أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث، ولد ابن عباس بشِعْب بني هاشم قبل عام الهجرة بثلاث سنوات، هاجر مع أبوَيْه إلى دار الهجرة بعد الفتح، وقد أسلم قبل ذلك، وأوَّل شيوخه النبي - صلى الله عليه وسلم -، صحبه نحوًا من ثلاثين شهرًا، ومن شيوخه: عمر، وعلي، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وقرأ على أُبَي بن كعب وزيد بن ثابت وعائشة.

وتلاميذه عدة بلغوا 197 نفسًا؛ منهم أبناؤه، ومواليه، وأنس بن مالك، وأبو طفيل، وغيرهم من التابعين، وقرأ عليه مجاهد، وسعيد بن جبير، وطائفة، ودعا له النبي - صلى الله عليه وسلم - قائلاً: ((اللهم فقِّهْه في الدين))؛ رواه البخاري ومسلم - رحمهما الله - تعالى -، وفي رواية: ((اللهم علِّمه الكتاب))، وفي رواية: ((اللهم علِّمه الحكمة)).

وطلب ابن عباس العلم وتفوَّق فيه، وكان يذهب إلى بيوت الصحابة - رضي الله عنهم - وينتظرهم حتى يقوموا من نومهم في القيلولة.

روى طاوس عن ابن عباس أنه قال: إني كنتُ لأسأل عن الأمرِ الواحد ثلاثين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.

قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: ولَنِعْمَ ترجمان القرآن ابن عباس.

وقال مجاهد: كان ابن عباس يسمى البحر لكثرة علمه.

وقال ابن حزم في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام): وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فُتْيا ابن عباس في عشرين مجلدًا.

تُوفِّي ابن عباس - رضي الله عنهما - بالطائف سنة 68 هـ، وقيل عاش 71 عامًا، وبلغ مسنده 1660 حديثًا، له في الصحيحين 75 حديثًا، انفرد البخاري بـ 120، ومسلم بـ 9 أحاديث.

5- عائشة أم المؤمنين - رضي الله عنها -:

بنت الصدِّيق الخليفةِ الأوَّل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأحب الرجال إليه، أبي بكر عبدالله بن أبي قحافة عثمان بن عامر، القرشيةُ التيمية المكية، زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأفقه نساء الأمة على الإطلاق، وأمها أم رُومان بنت عامر بن عُوَيْمر بن عبدشمس الكنانية.

وُلِدت عائشة - رضي الله عنها - في الإسلام، وهي أصغر سنًّا من فاطمة بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - بثماني سنين، وقد تزوَّجها النبي - صلى الله عليه وسلم - إثر وفاة خديجة - رضي الله عنها -، فتزوَّج بها وبسَوْدة في وقت واحد، ثم دخل بسودة فتفرَّد بها ثلاثة أعوام.

ثم بنى بعائشة - رضي الله عنها - في شوال بعد موقعة بدر سنة 2 هـ، فما تزوَّج النبي - صلى الله عليه وسلم - بكرًا سوى عائشة، وأحبها حبًّا شديدًا كان يُظهِره ولا يُخفِيه.

ومن شيوخها بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -: أبو بكر، وعمر، وفاطمة، وغيرهم.

وتلامذتها كثيرون، فقد حدَّث عنها المئات من الصحابة والتابعين؛ كابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة، وعبدالله بن الزبير، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وطاوس، وعُروة بن الزبير، والشعبي، وقد استفاض علمها - رضي الله عنها - بين الناس وانتشر فقهها.

قال الزهري: لو جُمِع علم عائشة إلى علم جميع النساء كان علم عائشة أفضل.

وقال مسلم بن صبيح: سألنا مسروقًا: أكانت عائشة تُحسِن الفرائض (المواريث)؟ قال: والذي لا إله غيره، لقد رأيت الأكابر من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألونها عن الفرائض؛ (أخرجه الدارمي في الفرائض).

تُوفِّيت عائشة - رضي الله عنها - سنة 57 هـ، وكان عمرها 63 عامًا وستة أشهر، ودُفِنت ليلاً، وبلغ مسندها 2210 حديثًا، اتفق الشيخان على 164، وانفرد البخاري بـ 54، ومسلم بـ 69 حديثًا، فرضي الله عن عائشة أم المؤمنين وعن صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

هذا وقد انتهيتُ بفضل الله - تعالى -وحوله وقوَّته مما أردتُ أن أبيِّنه لإخواني المسلمين عن تدوين السنة النبوية الشريفة في صفحاتٍ قد بذلتُ فيها جهد المُقِلِّ، الذي يرجو وجه الله والدار الآخرة.

وأسأل الله - جل في علاه - أن يتقبل هذا العمل مني

وأن ينفع به قارئه وناشره إنه جواد كريم

وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قائمة المصادر والمراجع

1- تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي - جلال الدين السيوطي - دار الكتب العلمية ط 3.

2- تفسير القرآن العظيم - أبو الفداء إسماعيل بن كثير - دار المعرفة - بيروت 1982م.

3- تقييد العلم - أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي - دار إحياء السنة النبوية 1974م.

4- تهذيب التهذيب - الحافظ شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن حجر العسقلاني - مؤسسة التاريخ العربي - ط 2 1993م.

5- جامع بيان العلم وفضله - أبو عمر يوسف بن عبدالبر القرطبي - مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت ط1 1995م.

6- الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع - الخطيب البغدادي - مكتبة المعارف 1983م.

7- دراسات في السنة النبوية الشريفة - د. صديق عبدالعظيم ود. محمد نبيل غنايم - مكتبة الفلاح - الكويت 1995م.

8- السنة قبل التدوين - د. محمد عجاج الخطيب - دار الفكر للطباعة والنشر- بيروت ط5.

9- السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي - د. مصطفى السباعي - المكتب الإسلامي - دمشق - بيروت ط2.

10- علوم الحديث - أبو عمرو عثمان بن عبدالرحمن الشهرزوري المعروف بابن الصلاح - دار الفكر المعاصر - بيروت 1986م.

11- المستشرقون والسنة - د. سعد المرصفي - مكتبة المنار الإسلامية - الكويت 1994م.

12- النهاية في غريب الحديث والأثر أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري ابن الأثير - دار الفكر - بيروت.

13- أسد الغابة في معرفة الصحابة - عز الدين أبو الحسن على بن محمد الجزري، ابن الأثير، دار المعرض - بيروت ط 1 1997م.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة