ماذا بعد إسقاط الطائرة الروسية؟
الكاتب : زياد الشامي
عدد القراءات : 301

لا شك أن حادث إسقاط المقاتلات التركية طائرة حربية روسية أمس - بعد أن انتهكت أجواءها الجوية - له ما بعده، فهو يؤسس لمرحلة جديدة في الأزمة السورية التي يزداد لهيبها ويمتد حتى لا يكاد يستثن أحدا في المنطقة، ويفتح الباب واسعا أمام جميع الاحتمالات والتكهنات حول كيفية النهاية التي يمكن أن تختم سيناريو هذه الحرب التي تشعبت وتعقدت حلقاتها بعد التدخل الروسي العسكري منذ حوالي شهرين.

وإذا كان معظم المحللين والسياسيين والمراقبين يستبعدون حدوث أي صدام عسكري بين روسيا وتركيا بشكل مباشر وصريح نتيجة لإسقاط الطائرة، وذلك لاعتبارات مادية عسكرية واقتصادية لا تخفى على أحد، حيث من المعلوم أن تركيا عضو أساسي في حلف الناتو الذي تحسب روسيا له ألف حساب، بالإضافة إلى فاتورة إشعال مثل هكذا مواجهة بشريا وماديا ومعنويا على مختلف الأصعدة، ناهيك عن المصالح الروسية الاقتصادية الكبرى مع تركيا، سواء من خلال اعتبارها المنفذ الوحيد لتصدير غازها إلى الدول الأوروبية بعد الأزمة الروسية الأوكرانية التي أغلقت منافذ تصدير الغاز الروسي لدول القارة العجوز، أو من خلال المصالح الاقتصادية الأخرى التي لا ترغب موسكو بالمجازفة بها في وقت هي بأشد الحاجة إلى المال اللازم لتمويل عدوانها السافر على سورية.......

إلا أن ذلك لا يعني أن القيصر الروسي المعروف بغروره وعنجهيته "بوتين" سيلتزم الصمت إزاء هكذا صفعة وضربة موجعة، بل لا بد لأمثاله ممن عُرف بالغرور و أحلام إعادة أمجاد القياصرة أن لا يسكت على ما يعتبر إهانة له شخصيا قبل أن تكون إهانة لروسيا التي يريدها أن تعود دولة عظمى كسالف عهدها أيام الاتحاد السوفيتي بأي شكل من الأشكال.

وإذا كان كيل التهم لتركيا بعد هذا الحادث بدعمها للإرهابيين في سورية من جهة، و اعتبار إسقاط الطائرة ضربة في الظهر حسب وصف "بوتين"، و التهديد بعواقب وخيمة على العلاقات مع تركيا بعد الحادثة، بدأت طلائها تظهر بإعلان وزارة الدفاع الروسية قطع الاتصالات العسكرية مع تركيا، بالإضافة لإعلان رئيس الوزراء الروسي "ديمتري مدفيدف" أن إسقاط الطائرة قد يؤدي لإلغاء مشروعات مهمة بين البلدين، ناهيك عن تهديد موسكو بتدمير أي طائرة ترى روسيا في تحليقها بالأجواء السورية تهديدا، وذلك بعد إرساء البارجة الروسية "موسكو" قرب اللاذقية وإعلان وزارة الدفاع الروسية عزمها نشر منظومات "اس 400" الصاروخية في قاعدة حميميم السورية للدفاع عن الطائرات الروسية حسب زعمها......

إذا كان كل ما سبق هو من قبيل رد الفعل المتوقع من روسيا التي تحاول من خلالها تجنب إشعال فتيل حرب لا يمكن ضبطها أو تحمل نتائجها، وتسعى بواسطتها لاستعادة هيبتها بعد أن تعرضت لصفعة وإهانة قوية بإسقاط طائرتها..... فإن جميع المحلليين والمراقبين يكادون يجمعون على أن الغضب الروسي الحقيقي سينصب على الشعب السوري، وأن رد قيصر روسيا على حادث إسقاط الطائرة سيتحمله أطفال ونساء وشيوخ سورية الأبرياء.

وإذا كانت آلاف الغارات الروسية التي صبت حممها على أرض سورية منذ الــ30 من سبتمبر الماضي قد استهدفت بنسبة أكثر من 90 % المدنيين والفصائل المقاتلة ضد طاغية الشام، وأودت بحياة آلاف السوريين الأبرياء من النساء والأطفال والشيوخ على وجه الخصوص، فإن هذه الغارات ستزداد كثافة وإجراما بلا شك بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية، وخصوصا على معاقل التركمان في ريف اللاذقية وعلى الحدود السورية التركية.

وقد بدأت روسيا بالفعل بتكثيف غاراتها على معاقل المعارضة السورية عموما منذ اليوم - وعلى جبل الأكراد بريف اللاذقية على وجه الخصوص في خطوة تهدف على ما يبدو لاستثمار حادثة إسقاط الطائرة لمنع تحقيق رغبة تركيا بإقامة منطقة آمنة على حدودها مع سورية.

وعلى الرغم من تأكيد الرئيس التركي رجب طيب أردغان اليوم أن بلاده لن تسكت على أي انتهاك لأجوائها في المستقبل، ولن تقف متكوفة الأيدي حيال أي خرق لحدودها أو سيادتها، وذلك أمام منتدى الدول الإسلامية في اسطنبول، في رد واضح على تهديدات روسيا وإجراءات التصعيدية... إلا أن ذلك لا يكفي على ما يبدو للجم ما قد ينجم عن الدب الروسي الجريح من ردود أفعال ستطال الشعب السوري و عناصر المعارضة السورية على وجه التحديد.

ومن هنا لا بد من أن تحسم دول التحالف الداعمة للثورة السورية أمرها في الإسراع بتزويد المعارضة السورية بمضادات للطائرات بأي شكل من الأشكال، لا لوقف التغول الروسي في سورية و التخفيف من ردة فعله الوحشية ضد الشعب السوري بعد حادثة إسقاط طائرته الحربية فحسب، بل لمواجهة مشروع القيصر الروسي وحليفه الصفوي في سورية، والذي يريد إجهاض ثورة الياسمين وتصفية رموزها، و تثبيت حكم الطائفة النصيرية في سورية الذي لم يعد له من الأمر شيء بعد التدخل الصفوي الروسي، مما يعني احتلالا واضحا لسورية من قبل كل من إيران و روسيا.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة