الـبِنْيَةُ الاقتصاديَّةُ في الأَقْطَار العربيَّةِ وأخلاقيَّاتُ المجتمع
عدد القراءات : 298

الكتاب: البِنْيَةُ الاقتصاديَّةُ في الأَقْطَار العربيَّةِ وأخلاقيَّاتُ المجتمع

المؤلف: مجموعة من الباحثين

الناشر: المنظمة العربية لمكافحة الفساد ـ بيروت ـ لبنان

الطبعة: الطبعة الأولى - 2009 م

الصفحات: 206 صفحات من القطع الكبير

صدر حديثًا عن المنظمة العربية لمكافحة الفساد في بيروت بلبنان كتابٌ تحت عنوان " البِنْيَةُ الاقتصاديَّةُ في الأَقْطَار العربيَّةِ وأخلاقيَّاتُ المجتمع" لمجموعة من الباحثين.

وجاء الكتاب متضمنًا الوقائع الكاملة للحلقة النقاشية التي أقامتها المنظمة العربية لمكافحة الفساد في بيروت يوم 24 أكتوبر 2008 حول: البنية الاقتصادية في الأقطار العربية وأخلاقيات المجتمع، في حضور عدد كبير من الشخصيات العربية ذات الخبرة في الاقتصاد والقانون والمهتمِّين بمكافحة الفساد.

تركَّزت الحلقة النقاشية في جوهرها حول ورقة عمل للدكتور زياد الحافظ عن البِنْيَة الاقتصادية في الأقطار العربية وأخلاقيات المجتمع، ومن خلال تلك الورقة تَبَيَّنَ أنَّ من المحيط إلى الخليج هناك وصف واحد لاقتصادات الدول العربية، وعبارتان تربَّعَتَا على مداخلات أكثر من 30 خبيرة وخبير من مصر ولبنان والعراق والمغرب والإمارات والأردن... هما «الفساد» و«الاقتصاد الريعي».

وبَيَّنَتِ الورقة أنَّ لبنان الذي تمتزج فيه عناصر الريع والفئوية والفساد، يتجسَّد موجودًا مهمته الحفاظ على سيطرة السلطة الحاكمة؛ إذ يرى زياد الحافظ أن بنية الاقتصاد اللبناني الريعية قائمة على حالتين، خارجية مدعَّمة بتدوير الفوائض المالية النفطية، وداخلية مكَّنت النظام الطائفي الفئوي من المتاجرة بالنفوذ، وبالتالي إيجاد ريع داخلي. والمهمة الأولى للطبقة الحاكمة هي تقاسُم المغانم أو الريع عبر نظام المحاصصة الذي يكرِّسُه النظام الفئوي الطائفي المذهبي. ومظاهر الفساد تتجلى في لبنان بالنظام الريعي ذاته، ومن مظاهره طريقة تكوُّن الدين العام اللبناني؛ بحيث يتراكم عبر تحويل واردات الدولة إلى فئات محدودة عبر إصدار سندات الخزينة بفوائد مرتفعة جدًا بالمقارنة مع الفوائد العالمية، ما مثَّل ريعًا مضمونًا لأصحاب النفوذ المحليين والإقليميين على حساب المال العام، فقد فشلت معظم محاولات الإصلاح الاقتصادي في مختلف الدول العربية وتباطأت التنمية والنمو. وبحسب الحافظ، فإن كان هذا الإصلاح ينطلق من هدف تلميع صورة النظام السياسي القائم لجعله أكثر قبولًا في المجتمعات الدولية، فإنَّ هذا النظام في الوطن العربي مرتكز على الفئوية بكل أشكالها.. فكيف من الممكن أن تنجح مشاريع الإصلاح إن لم تقطع العلاقة بين النظام الفئوي والاقتصاد الريعي السائد؟

ومن تعريف الريع إلى أشكاله تبرز الإشكالية، كما بيَّن الباحث في ورقته. فهذا النمط الاقتصادي السائد مصدره، وِفْقَ ما يؤكده الحافظ، خارجي وداخلي، ويقوم على أمور عديدة كالنفط والغاز والمعادن والسياحة والمساعدات الخارجية وتحويلات المغتربين خارجيًّا، والخدمات التابعة للدولة والتجارة والمضاربات المالية والعقارية والخدمات وتجارة النفوذ والسيادة داخليًّا..، والمؤشرات العربية الدالة على بنية الاقتصاد العربي الريعية لا تنتهي. هذا الاقتصاد الذي يولِّد ثقافة خاصة به، تتلازم مع البنية السياسية القائمة التي يغذِّيها الريع، ويسهم في استدامة النظام السياسي والاقتصادي القائم. ومن ميْزَات هذه الثقافة، بحسب دراسة الحافظ، اقتناصُ مجهود الآخرين من دون القيام بأي مجهود لإنتاج الثروة، ما دامت واصلةً دون تعب وبمشيئة إلهية (تواكل.. وهذا مذموم في الإسلام) ومع غياب المجهود، تغيب المساءلة والمحاسبة، لتصبح النُّخَبُ الحاكمة الريعية المحرك الأساس للاقتصاد والسياسة والمجتمع والثقافة.... وهذا الواقع ينعكس ترويجًا لثقافة الفساد، وابتعادًا عن الإبداع والتطور.

وبيَّنَ رئيس مجلس الأمناء ورئيس مجلس إدارة المنظمة العربية لمكافحة الفساد، الرئيس سليم الحص، موقفه واضحًا من الاقتصاد الريعي، معتبرًا أن المداخيل التي تتأتَّى من الفوائد على الرساميل وعائدات الأوراق المالية أو من موارد استثمارات خارجية أو دولية داخل البلد، أو من أرباح ترتبط بمواقع أو قيود أو مميزات معينة، تشجِّعُ على قيام ممارسات غيرِ صحيَّةٍ، وما قد يترتب من آفات اجتماعية جالبة للفساد والإفساد.

علاقة الفساد بالاقتصاد الريعي لها مفهوم محدد، وفق وزير المالية اللبناني السابق جورج قرم، الذي رأى أنَّ الريع لا يتأتَّى من أموال غير ناتجة عن جَهْد، بل هنالك موارد ريع تأتي من مواقع احتكارية لنافذين في السلطات والدولة، وكذلك يوجد حالات ريعية ناتجة من جهد، إلا أنَّ الإيراد يفوق بكثير الجهد المبذول، مثل الحالات الاقتصادية القائمة على السياحة. واعتبر أنَّ الفساد ليس عملية رشوة فقط، بل يتمثَّل في سكون المجتمعات بفعل اعتمادها على العائدات الريعية، لتنتج حالة من الخمول العام، وفي مفهوم الفساد الواسع يعتبر هذا الخمول مصدر الوهن العربي، إن كان في المجتمع أو في السلطة.

أما نائب رئيس مجلس الوزراء الأردني السابق، طاهر كنعان، فقال: إنَّ الحكم الأخلاقي لا يرتبط بالنَّهْج الريعي المتَّبَع، بل بطريقة توزيع الفائض الناتج من هذا النهج على أفراد وطبقات المجتمع.

بينما ربطت أستاذة العلوم السياسية في جامعة الإمارات، ابتسام المكتبي، بين الإصلاح في دول الخليج والإيرادات النفطية، واعتبرت أن حالة الفساد تقوم في السيطرة على المال العام لمصالح خاصة وضيِّقة.

أما الدكتور أحمد حجار من مصر، فقد أوضح أن أشكال الفساد في الاقتصاد الريعي متعددة، ولكنها تتعلق مباشرة بالمال العام؛ إذ أنه لا يدخل في موازنات الدول الخليجية سوى جزء ضئيل من عائدات النفط، فيما تذهب الحصة الأكبر إلى أماكن مجهولة، وهذا الفساد المطلق، مشيرًا إلى نوع آخر من الفساد، وهو القائم على استغلال فائض قيمة العمل الذي يصل أحيانًا إلى 100% لمصلحة أصحاب رؤوس الأموال، ويتمثل ذلك في سياسات الأجور المتَّبَعة في عدد كبير من الدول العربية..

بينما اعتبر المدير العام للمنظمة عامر خياط أنَّ الأزمة المالية والمصرفية التي يشهدها العالم ستؤدي إلى تغيير هيكلية النظام المالي العالمي الذي كان سائدًا عبر العقود الثلاثة الماضية، وبالتالي إلى انهيار مقولات كانت تستند إلى أطروحات فكرية اعتمدت حرية آليات السوق في تعزيز مساره وما رافق ذلك من إلغاء دور الرقابة والتدخُّل، والذي تمَّ التعارف عليه بتعبير نقض التنظيم.

كما رأى رئيس مجلس الأمناء ورئيس مجلس إدارة المنظمة العربية لمكافحة الفساد سليم الحص، أنَّ أخلاقيات المجتمع لا تتوقَّف على طبيعة الاقتصاد الوطني أو بِنْيَتِهِ فحسب، بل ترتبط بمعطيات معينة قائمة في المجتمع. وأكد أنَّ استفحال ظاهرة البطالة قد تكون سببًا لتفاقم آفة الفقر والعَوَز، وتحت ضغط هذه الآفة يمكن أن تنشأ حالات متزايدة من التجاوز على القانون والأخلاق العامة كالسرقة والقتل والتخريب.

كما نبَّهَ إلى أن تأثير البِنْيَة الاقتصادية على أخلاقيات المجتمع يبقى موضع نقاش وجدل. هناك ترجيح لدى الكثيرين بأنَّ الاقتصاد الزراعي الناجح يتميز عمومًا بالاستقرار والأمن، وتندُر فيه البطالة في صفوف اليد العاملة بالمعنى الصحيح للكلمة، وهذا لا ينفي، في بعض الأحيان، تكاثر حالات البطالة الجزئية أو المقنعة في الاقتصادات الزراعية.

وقد أرادت المنظمة العربية لمكافحة الفساد من خلال هذه الحلقة النقاشية تسليطَ الضوء على نمط التنظيم الاقتصادي للمجتمع، والاتجاهات التي تتحكم في مسار تطوره من جهة، وبين قدرة المجتمع المحافظة على قِيَمِهِ المجتمعيَّة من جهة أخرى. فالتحولات في الهيكليَّات الاقتصادية في الأقطار العربية الناتجة من عدم قدرتها على مواجهة تحديات العولمة، تؤدي ليس فقط إلى إضعاف قدرتها على مواجهة تحديات التنمية المستدامة، إنما إلى إضعاف قدرتها أيضًا على مواجهة الفساد.

وتأمُل المنظمة من نشر هذا الكتاب، إثارة النقاش العلمي والموضوعي حول التحولات الاقتصادية التي تجري في أقطارنا، وتأثير محصلة ذلك في البنية الاجتماعية، بما في ذلك التغيير الناتج في القيم وثقافة العمل والإنتاج. كما تأمل أن تأتي هذه المساهمة في سياق تعزيز القدرات المتاحة من أجل إيجاد مناخ يؤدي إلى تعزيز ثقافةٍ مناهضة للفساد في مجتمعاتنا، بما يتيح لها ممارسة واعية لدورها في إقامة الحكم الصالح، والسير في مشروعها النهضوي لمواكبة التطورات الحاصلة في العالم.

ومما يذكر أنَّ المنظمة العربية لمكافحة الفساد مؤسسة أهلية مستقلة لا تسعى إلى الربح، تهدف إلى تعزيز الشفافية والحكم الصالح في العالم العربي. وتحاول المنظمة، من خلال مجموعة من البرامج والمنشورات، مكافحة الفساد ثقافةً وممارسة، وتعميم الوعي بآثاره المدمرة على الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة