حكم استئجار الشمع
عدد القراءات : 282

حكم استئجار الشمع:

صورة المسألة: أن يعطيه شمعاً ليشعله ويقول له: كل أوقية منه بكذا.

وهذه المسألة محل خلاف بين العلماء؛ لترددها بين البيع والإجارة مع اختلاف شروط كل منهما.

اختيار ابن تيمية:

اختار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- جواز ذلك، خلافاً للمشهور من مذهب الحنابلة [1].

أقوال العلماء في المسألة:

القول الأول:

أنه لا يجوز.

وهذا قول جمهور العلماء من الحنفية [2]، والمالكية[3]، والشافعية[4]، والحنابلة [5]، والظاهرية [6].

القول الثاني:

أنه يجوز.

وهو قول بعض الحنابلة [7]، واختيار ابن تيمية.

أدلة القول الأول:

1- أن الإجارة عقد على منافع، وهذه لا ينتفع بها إلا بإتلاف عينها، وهذا مناف لعقد الإجارة [8].

2- وإن كان بيعاً فهو عقد على مجهول [9].

ونوقش:

أنه يصح إن كان بيعاً، كما لو باع كل قفيز بدرهم.

3- أن في ذلك جمعاً بين بيع وإجارة.

ونوقش:

أنه لا محذور في ذلك، بل هو جائز [10].

أدلة القول الثاني:

1- أن هذا معاوضة جائزة لا لازمة، وليس من باب الإجارات، ولا من باب البيع اللازم، بل هو معاوضة جائزة قائمة بذاتها لا محذور فيها شرعاً.

قال ابن القيم: ولا محذور في هذا أصلاً، ولا يفضي إلى تنازع ولا تشاحن، بل عمل الناس في أكثر بياعاتهم عليه، ولا يضره جهالة كمية المعقود عليه عند البيع ا.ه [11].

وقال ابن تيمية: وأما الشمع إذا أعطاه لمن يوقده وقال: كلما نقص منه أوقية بكذا، فإن هذا جائز. وليس هذا من باب الإجارات، ولا من باب البيع اللازم؛ فإن البيع اللازم لابد أن يكون المبيع فيه معلوماً، بل هذا معاوضة جائزة، لا لازمة ا.ه [12].

2- القياس على ما لو قال: اسكن في هذه الدار كل يوم بدرهم، ولم يوقت أجلاً من حيث جهالة الأيام [13].

3- القياس على ما لو قال: ألق متاعك في البحر وعليّ ثمنه.

قال ابن تيمية: فإن هذا جائز بلا ريب؛ لأن ذلك مما ينتفع به ملتزم الثمن للتخفيف، كما ينتفع بلزوم الثمن هنا، فإيقاد الشمع بالكراء جائز إذا علم توقيده؛ لكن لابد أن يكون الإيقاد في أمر مباح لا محظور ا.ه. [14].

4- أن الأصل في المعاملات الإباحة، ولا دليل على التحريم.

5- القياس على جواز إجارة الشجر لأخذ ثمره كما هو مذهب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- [15].

الترجيح:

والراجح -والله أعلم- هو القول الثاني:

1- لقوة أدلته وظهور حجته.

2- ضعف أدلة المخالفين ومناقشتها.

3- موافقته للأصل في المعاملات وهو الإباحة.

4- وجود نظائر للمسألة في باب الإجارة كإجارة الظئر الثابت جوازها بالإجماع [16].

ومن أسباب الخلاف في المسألة: الخلاف في إجارة ما تتلف عينه بالانتفاع به وهو ما يسمى بإجارة الأعيان التي تتلف باستعمالها، فالجمهور يمنعونه ولذا جعلوا إجارة الظئر على خلاف القياس، وابن تيمية يجوزه.

ومن أسباب الخلاف: الخلاف في جمع عقدين في عقد هل يجوز أو لا؟ قولان للعلماء [17]، والله أعلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر: مجموع الفتاوى: (30/195-196)، الفتاوى الكبرى: (5/408)، إعلام الموقعين: (3/353)، الفروع: (4/429)، مختصر الفتاوى المصرية: (471)، الاختيارات: (151)، الإنصاف: (6/30)،، شرح المنتهى: (2/359) حاشية ابن قاسم: (5/306-307)، المستدرك: (4/49).

[2] انظر: المبسوط: (16/31)، (4/175)، الهداية: (3/239)، بدائع الصنائع: (4/184)، تبيين الحقائق: (5/127)، (4/6) شرح العناية: (9/101)، الجوهرة النيرة: (1/270)، شرح فتح القدير: (9/101)، البحر الرائق: (8/24).

[3] انظر: حاشية الخرشي: (7/20)، حاشية الدسوقي: (4/20)، حاشية الصاوي: (4/9).

[4] انظر: حاشية قليوبي وعميرة: (3/69)، روضة الطالبين: (5/178)، أسنى المطالب: (2/406)، تحفة المحتاج: (4/130)، مغني المحتاج: (2/466)، نهاية المحتاج: (5/269)، حاشية الجمل: (3/536)، التجريد لنفع العبيد: (3/168).

[5] انظر: المغني: (8/129)، إعلام الموقعين: (3/353)، الفروع: (4/31، 429)، المبدع: (5/77)، الإنصاف: (6/30)، كشاف القناع: (3/562)، شرح المنتهى: (2/359)، الروض المربع: (5/306)، مطالب أولي النهى: (3/608).

[6] انظر: المحلى: (7/4، م 1287).

[7] انظر: الإنصاف: (6/30).

[8] انظر: المغني: (8/129)، تبيين الحقائق: (5/127)، شرح فتح القدير: (9/101)، روضة الطالبين: (5/178).

[9] انظر: المغني: (8/129).

[10] انظر: البيان والتحصيل: (8/496)، مواهب الجليل: (5/396).

[11] إعلام الموقعين: (3/353).

[12] مجموع الفتاوى: (30/195).

[13] انظر: المصدر السابق.

[14] مجموع الفتاوى: (30/196).

[15] سبق تخريجه ص: 961).

[16] انظر: نظرية العقد: (212).

[17] انظر: الإنصاف: (4/322).

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة