لمصلحة مَن شيطنة "حماس"؟!
الكاتب : زياد الشامي
عدد القراءات : 183

 تحديد من هو العدو لأي أمة هو في الحقيقة أمر في غاية الأهمية لتحقيق النصر عليه عاجلا أم آجلا، أما أن تنقلب الأمور رأسا على عقب فيغدو الأخ والقريب هو العدو، في الوقت الذي ينقلب فيه العدو التاريخي إلى صديق وجار.... فهو مؤشر ليس إلى انطماس البصيرة و انحراف البوصلة فحسب، بل إلى مدى خطر ذلك على هوية الأمة ووجودها.

ويبدو أن بوصلة العدو والصديق قد انحرفت بشكل كبير وسريع وخطير في وسائل الإعلام والسلطات المصرية منذ 3 من يوليو عام 2013م وحتى الآن، فقد تحولت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" إلى خصم وعدو رغم كون جميع أفرادها من الفلسطينيين العرب المسلمين، في الوقت الذي أضحى فيه اليهود الذين أعلن القرآن الكريم عداءهم الشديد للإسلام والمسلمين: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا.......) المائدة/82 أصدقاء وجيران!!

كثيرة هي مظاهر هذا الانتكاس في تمييز العدو من الصديق في مصر منذ أكثر من عامين، ففي الوقت الذي تشن فيه الحكومة ومن ورائها الإعلام حملة شرسة وشعواء على حركة "حماس" الفلسطينية، من خلال تحميلها المسؤولية عن كثير من العمليات الإرهابية التي حدثت في البلاد، تتوالى التقارير والأنباء والتصريحات التي تؤكد تزايد حميمة العلاقة مع الكيان الصهيوني، الذي خرج من نطاق التسريبات والخفاء إلى العلن، ووصل إلى حد الثناء والمدح والإعجاب المتبادل.

ويكفي في هذا المقام أن نذكر عبارات الغزل المصري برأس الإجرام الصهيوني نتنياهو، وعدم إنكار التنسيق مع الاحتلال في كثير من الملفات وعلى رأسها الملف الأمني، بل وترديد عبارة الدولة الجارة وما شابه على ألسنة المسؤولين ووسائل الإعلام، وتجنب إطلاق عبارة الاحتلال أو فلسطين المحتلة، الأمر الذي قوبل بتأكيد صهيوني على أن العلاقة مع مصر في أحسن أحوالها، وأن الأخيرة لم تعد عدوة للكيان الصهيوني.

وإذا كانت محاولات الحكومات المصرية المتعاقبة منذ 3 من يوليو 2013م الهروب إلى الإمام من فشلها الذريع في كافة المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية باتهام الإخوان بأنهم السبب في كل ما يحدث بمصر من أزمات منذ أكثر من عامين... قد يكون تفسيرها قطع الطريق أمام عودة هذا التيار إلى الحكم بعد إقصائه، وتلميع صورة النظام الجديد، فإن شيطنة حركة المقاومة الفلسطينية "حماس" لا يمكن أن يفسر إلا في نطاق تحقيق مصلحة صهيونية مأزومة من إخفاقها المتكرر في تركيع "حماس" أو الحد من قدرتها على مواصلة المقاومة رغم الظروف الداخلية والإقليمية المشغولة تماما بأزماتها عن مواجهة الكيان الصهيوني.

هذا ما يمكن أن يقرأه المتابع بين سطور زج وزير الداخلية المصري اللواء مجدي عبد الغفار أمس "حماس" ضمن المتورطين المباشرين باغتيال النائب العام هشام بركات الذي قتل جراء استهداف موكبه بسيارة مفخخة في الـ29 من يونيو/حزيران 2015، حيث قال الوزير في مؤتمر صحفي: إن حماس قامت بتدريب العناصر المكلفين بارتكاب العملية بعد أن تم تهريبهم بإشراف مجموعة من بدو سيناء إلى قطاع غزة، ثم عادوا إلى البلاد مرة أخرى.

وعلى الرغم من نفي "حماس" الاتهامات المصرية ووصفها بأنها غير مبررة وغير مقبولة ولا أساس لها من الصحة، وتأكيد المتحدث باسم حركة حماس سامي أبو زهري بأنها غريبة، ولا تنسجم مع الجهود التي بذلت على الأقل خلال الأسبوعين الأخيرين لتطوير العلاقة بين حماس والقاهرة..... إلا أن آلة الإعلام المصري تعاملت مع الاتهام وكأنه حقيقة مؤكدة، وشنت حملة تحريض واسعة ضد "حماس" لم تتوقف عند حد وصفها بأنها "إرهابية" فحسب، بل وصلت إلى حد المطالبة بتوجيه ضربات جوية إلى ما يسمى "معسكرات حماس الإرهابية" في غزة!!

فهذا أحد الأبواق الإعلامية بمصر يتطاول على شخصيات فلسطينية قاومت الاحتلال على مدى أعوام طوال، فيصف رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل ورئيس الحكومة الفلسطينية المقالة إسماعيل هنية بأنهم "قتلة إرهابيون"، معتبرا أن كل عنصر من "حماس" هو "إرهابي".

ولم يكتف البوق بذلك، بل طالب بضرب ما اعتبره "معسكرات الإرهاب في داخل غزة مرة واثنتين وثلاثا، زاعما أن الإرهاب يأتي دائما من غزة، وأن حماس متورطة، وغزة متورطة".... فهل يمكن أن يقدم أحد خدمة للكيان الصهيوني أفضل من محاربة عدوه اللدود "حماس" نيابة عنه وبالوكالة!!

وهذا بوق آخر يتساءل بخبث وسوء نية: "ما موقف دول الخليج؟ وتحديدا موقف السعودية؟ مضيفا أنه: "لا بد من طرح هذا السؤال في هذا التوقيت"، وذلك في إشارة إلى أن إعلان دول الخليج ومجلس داخلية الدول العربية منذ أيام "حزب الله" "منظمة إرهابية"، قال: ماذا بشأن حماس؟ لا بد أن تتحركوا ضد حركة حماس مثلما تحركتم ضد حزب الله قبل أيام....... !! في مقايضة رخيصة للمواقف، ومقارنة لا تستأهل حتى الرد أو المناقشة، فشتان في الميزان بين حزب اللات و"حماس".

لا أظن أن الجواب عن السؤال المطروح في العنوان بعد كل ما سبق يحتاج إلى مزيد بيان، فشيطنة "حماس" في هذا الوقت العصيب الذي تمر به الأمة الإسلامية، والذي تواجه فيه معركة وجود وهوية مصيرية، ومن مصر تحديدا التي تعتبر المنفذ الوحيد لــ "غزة" العزة...... لا يصب بالتأكيد إلا في مصلحة العدو الصهيوني.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة