حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم !!
عدد القراءات : 42432

 

عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبراً وذراعاً ذراعاً حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ ".    [رواه البخاري].

معـــاني الألفاظ:

- لتتبعن سنن: السنن بفتح السين، هو الطريق.

- شبراً شبراً، وذراعاً ذراعاً: تمثل للاقتداء بـهم، وجاء في رواية حذو النعل بالنعل، وأخرى حذو القذة بالقذة.

- جحر الضب: وقع التخصيص لجحر الضب لشدة ضيقه ورداءته.

- قال فمن؟: استفهام إنكاري، ومعناه فمن هم غير أولئك.

أحكام فقهية ودروس مستفادة من الحديث:

1 - إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سيكون في أمته مضاهاة لليهود والنصارى، وهم أهل الكتاب، ويدخل فيه مضاهاة لفارس والروم وهم الأعاجم، وهذا الإخبار من علامات نبوته - صلى الله عليه وسلم - لوقوع ما تنبأ به - عليه الصلاة والسلام -.

2 - في الحديث دلالة على نـهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التشبه باليهود والنصارى أو غيرهم من الملل والنحل والأمم التي لا تتمسك بكتاب الله وسنة رسوله - عليه الصلاة والسلام - ولا تدين بدين الإسلام.

3 - ذم المقلدين لليهود والنصارى والأعاجم لأن ذلك لا يكون إلا عن شعور بالضعف وعدم الثقة بما هي عليه أمته من العلم والثقافة والعادات.

4 - اتباع سنن اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الديانات والأمم المنحرفة عن منهج الله لا ينجم عنه إلا الضيق والضنك والفساد، والواقع الذي تعيشه أمتنا اليوم أوضح الأدلة وأصح الشواهد وأسطع البراهين على صحة ذلك.

5 - اتباع سنن السابقين من الأمم المنحرفة وأهل الديانات الضالة لا يعني أن جميع الأمة ستفعل هذا التقليد والتشبه، بل قد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة"، وقال: "إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة"، وقال: "لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته".

لكل أمة جعلنا منسكاً هم ناسكوه:

بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - في أمة امتازت بالفصاحة والبلاغة وقوة البيان، فالخطابة والشعر هما وسيلة العرب في المدح والهجاء والرثاء والتوجيه.

وكانت معجزة النبي - صلى الله عليه وسلم - من جنس الفن الذي برعت فيه أمته، لكنها تختلف عنها شكلاً ومضموناً، المعجزة التي أيد الله بـها نبيه هي القرآن الكريم ولا شك أنه يختلف عن أسلوب الخطابة والشعر الذي اشتهر به العرب وعرفوه وفي هذا يقول - تعالى -: ]وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين[.

وقال - تعالى -: ]وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون، ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون، تنـزيل من رب العالمين[[الحاقة: 41 43]. وقال - تعالى - في ذم الشعر: ]والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنـهم في كل واد يهيمون وأنـهم يقولون ما لا يفعلون إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً وانتصروا من بعد ما ظلموا[[الشعراء: 224 227].

فتعلم من خلال ما ذكر أن الدعوة الإسلامية قد اتخذت أسلوباً متميزاً في شكله ومضمونه عما اعتاده العرب في جاهليتهم وشركهم، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتعلم الشعر، ولا ينبغي له أن يتعلمه، والشاعر يتنـزل عليه الشياطين بالإفك والبهتان إلا ما استثني في الآية السابقة، والرسول يتنـزل عليه الوحي بكلام الرحمن، والشاعر أتباعه هم الغاوون أي الضالون، أما الرسول المؤيد بالوحي الإلهي فأتباعه هم المؤمنون الذين يعملون بما يعلمون.

أرأيت أيها الأخ الفاضل كيف جاءت دعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مخالفة - لشعائر الجاهلية وعقائد الشرك وعادات المشركين من أول لحظة ابتدأ بـها هذا الدين - ومتميزة عنها.

المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب [1].

لاشيء أدل على ضعف الأمة وتبعيتها، من كونـها مقلدة لغيرها من الأمم، ويعلل ابن خلدون هذا الأمر فيقول:

"والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه، إما لنظره بالكمال بما وقر عندها في تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك واتصل لها حصل اعتقاداً فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به وذلك هو الاقتداء.. ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبداً بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها، بل وفي سائر أحواله"[2].

ويستدل لذلك بحال الولد مع والده فيقول: وانظر ذلك في الأبناء مع آبائهم كيف تجدهم متشبهين بـهم دائماً، وما ذلك إلا لاعتقادهم الكمال فيهم، وانظر إلى كل قطر من الأقطار كيف يغلب على أهله زي الحامية وجند السلطان في الأكثر لأنـهم الغالبون لهم، حتى إذا كانت أمة تجاور أخرى ولها الغلب عليها فيسري إليهم من هذا التشبه والاقتداء خطر كبير كما هو في الأندلس لهذا العهد [عهد ابن خلدون] مع أمم الجلالقة النصارى فإنك تجدهم يتشبهون بـهم في ملابسهم وشاراتـهم، والكثير من عوائدهم وأحوالهم حتى في رسم التماثيل في الجدران والمصانع والبيوت حتى لقد يستشعر عن ذلك الناظر بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء والأمر لله. أ هـ[3]

وقال شيخ الإسلام: وهذه المشابـهة لليهود والنصارى وللأعاجم من الروم والفرس لما غلبت على ملوك المشرق هي وأمثالها مما خالفوا به هدي المسلمين ودخلوا فيما كرهه الله ورسوله، سُلّط عليهم الترك الكافرون الموعود بقتالهم حتى فعلوا في العباد والبلاد ما لم يجر في دولة الإسلام مثله[4].

حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه!!

لماذا خص الضب بالذكر؟ قال ابن العربي - رحمه الله -: وتفكرت برهة في وجه ضرب المثل بالضب فتعرضت لي في الخاطر معان، فأشبهها الآن أن الضب عند العرب يضرب به المثل للحاكم من الإنس، والحاكم يأتي إليه الخلق بأجمعهم فيما يعرض من الأمور لهم، فلا يتأخر أحد عنه فكان المعنى تعييرهم بذلك، والله أعلم[5].

ومما عرفه عن أعاجيب الضب وغرائبه طول الذَّماء بعد الذبح وهشم الرأس وهو بقية النفس وانعقاد الحياة، يقال: إنه يمكث بعد الذبح ليلة ويلقى في النار فيتحرك، وبين الضب والعقرب مودة فلذلك يؤويها في جحره لتلسع المتحرش به إذا أدخل يده لأخذه، ولا يحفر جحره إلا في كُدية، ويطيل الحفر حتى تفنى براثنه ويتوخى به الارتفاع عن مجاري السيل والمياه، وعن مدقِّ الحوافر لكيلا ينهار عليه بيته، ومن طبعه النسيان وعدم الهداية، وبه يضرب المثل في الحيرة، ولذلك لا يتخذ جحره إلا عند أكمة أو صخرة لئلا يضل عنه إذا خرج لطلب المطعم، ويوصف بالعقوق لأنه يأكل حسوله فلا ينجو منها إلا ما هرب، ومن أعاجيبه طول العمر وذلك مشهور في الأشعار والأخبار، ولا يرد الماء ولا تسقط له سن، وغير ذلك من أوصاف عرفها العرب من طباع الضب، والأمثال المضروبة بشأنه كثيرة، يقال: أعق من ضب لأنه يأكل صغاره، وأخب من ضب لأنه إذا خدع في جحره وصف بالخبث والمكر، وأحيا من ضب، وأقصر من إبـهام الضب، وأعقد من ذنب الضب، وأضل من الضب[6].

فإذا كان من شأن الضب أن بينه وبين العقرب مودة حيث العقارب في جحور الضب، وإذا كان من شأنه العقوق حيث يأكل صغاره، فيا مسلم، يا عبد الله، يا من آمنت بالله رباً وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً ورسولاً، فمالك وللضب ولجحره.

إذا كان شعار الإسلام وأول أركانه شهادة أن لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فكيف يطبق كثير من الناس المنتسبين إلى الإسلام عقيدة التثليث في شعاراتـهم وحياتـهم وثوراتـهم، أمة عربية واحدة، أهدافهم: وحدة، حرية، اشتراكية. الله، الوطن، الملك.

وأساس كل هذه الشعارات - والعلم عند الله - مأخوذة من الثالوث المقدس: باسم الأب، والابن، والروح القدس، فكيف يتداولها الناس والله - سبحانه وتعالى- يقول: "لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم"، [المائدة: 73]، بل وكيف يتأثر بـها بعض من يرفع شعار الدعوة إلى الله؟!.

وإذا كانت أعياد الإسلام ثلاثة: يوم الجمعة عيد الأسبوع مترتب على إكمال الصلوات المكتوبات التي فرضها الله على عباده في اليوم والليلة، وأيام الدنيا تدور على سبعة أيام كلما كمل دور أسبوع واستكمل المسلمون صلواتـهم شرع لهم فيه الاجتماع على سماع الذكر والموعظة.

وأما العيدان اللذان لا يتكرران إنما يأتي كل واحد منهما مرة في العام فهما عيد الفطر مرتب على إكمال صيام رمضان الذي هو ثالث أركان الإسلام واستكمال صوم رمضان يستوجب من الله العتق والمغفرة.

وعيد النحر وهو أكبر العيدين وأفضلهما وهو مرتب على إكمال الحج الذي يعد خامس أركان الإسلام فإذا كمل المسلمون حجهم غفر الله لهم، والحج يكمل في يوم عرفة.

فأعياد المسلمين في الدنيا كلها عند إكمال طاعة مولاهم الملك الوهاب وحيازتـهم لما وعدهم من الأجر والثواب]قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون[. الغافل يفرح بلهوه وهواه، والعاقل يفرح بسيده ومولاه[7]. ولذلك أبطل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعياد الجاهلية عندما قدم المدينة، حيث كان لأهل المدينة يومان يلعبون فيهما.

عن أنس بن مالك قال: قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما. فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله قد أبدلكم بـهما خيراً منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر"[8].

إذا كانت أعياد المسلمين يوم الجمعة ويوم الفطر ويوم الأضحى، فمن أين جاء عيد الشجرة، وعيد الاستقلال، وعيد الثورة، وعيد الميلاد، وعيد الأم، وعيد ميلاد الطفل، في حين أنـهم يجهلون سنة العقيقة في هذا الأخير!!.

إن إحياء البدع والمنكرات لا يكون إلا على حساب السنن المشروعات، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فالعبد إذا أخذ من غير الأعمال المشروعة بعض حاجته قلت رغبته في المشروع وانتفاعه به بقدر ما اعتاض من غيره بخلاف من صرف نـهمته وهمته إلى المشروع فإنه تعظم محبته له ومنفعته به ويتم دينه ويكمل إسلامه، ولذا نجد من أكثر من سماع القصائد لطلب صلاح قلبه تنقص رغبته في سماع القرآن حتى ربما كرهه، ومن أكثر من السفر إلى زيارات المشاهد ونحوها لا يبقى لحج البيت الحرام في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب وسعته السنة، ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم لا يبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الوقع، ومن أدمن قصص الملوك وسيرهم لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام، ونظير هذا كثير" اهـ[9].

عن غضيف بن الحرث الثمالي قال: بعث إليَّ عبد الملك بن مروان فقال: يا أبا أسماء إنا قد جمعنا الناس على أمرين، قال: وما هما؟ قال: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر، فقال: أما إنـهما أمثل بدعتكم عندي ولست مجيبك إلى شيء منهما، قال: لم؟ قال: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة" فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة[10].

حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم!!:

أخي المسلم أعزك الله باتباع دينه وسنة نبيه، إن الإنسان قبل أن يلجأ إلى الاستدانة والاقتراض يراجع حسابه ورصيده المالي، أما تعلم أن الدين والاستقراض ذل بالنهار وهمٌّ بالليل كما يقولون.

بدلاً من أخذ عقائد الكفر والشرك والجاهلية وعادات الأمم المنحرفة والضالة عليك أن ترجع إلى عقيدة الإيمان وسنن الأنبياء والمرسلين التي أحياها نبي هذه الأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلمها للناس.

فهل من العقل والحكمة الوقوف دقيقة صمت حداداً على أرواح الشهداء؟!!.

وهل من السنن المشروعة زيارة قبر الجندي المجهول؟!!.

وهل من الرجولة أن يطأطيء الرجل الوقور رأسه لتوضع في رقبته قلادة من الورد أو أي وسام أمام الناس؟!!.

ألهذا الحد يصل الهوان ببعض الناس، إنه لاشيء أبعث على الذل والهزيمة من عدم ثقة الإنسان بما عنده من علم وثقافة ودين، ولا خير في علم أو ثقافة أو دين لا يكون مصدره منبعثاً من شريعة الله الواحد القهار، وسنة محمد - صلى الله عليه وسلم - خاتم الأنبياء والمرسلين، المبعوث رحمة للعالمين.

عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إذا كان منهم من أتى أمه علانية كان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النهار إلا ملة واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي"[11].

ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها:

من يتأمل في كتاب الله الكريم يجد فيه من النهي عن مشابـهة الأمم الكافرة وقصصهم التي فيها عبرة لنا بترك ما فعلوه الكثير فتدبر ما يلي:

قال - تعالى -: "ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون، إنـهم لن يغنوا عنك من الله شيئاً وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي المتقين" [الجاثية: 18 19].

وقال - تعالى -: "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم" [النساء: 115].

وقال - تعالى -: "وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل" [الأنعام: 153].

وقال - تعالى -: "إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء" [الأنعام: 159].

وقال - تعالى -: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، قل إن الهدى هدى الله، ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير" [البقرة: 145].

وقال - تعالى -: "يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا، وللكافرين عذاب أليم" [البقرة: 104].

روى الإمام أحمد عن عطية قال: كان يأتي ناس من اليهود فيقولون راعنا سمعك حتى قالها ناس من المسلمين فكره الله لهم ما قالت اليهود[12].

وقال أبو العالية: إن مشركي العرب كانوا إذا حدث بعضهم بعضاً يقول أحدهم لصاحبه: أرعني سمعك، فنهوا عن ذلك[13].

قال شيخ الإسلام: فهذا كله يبين أن هذه الكلمة نـهيَ المسلمون عن قولها لأن اليهود كانوا يقولونـها، وإن كانت في اليهود قبيحة ومن المسلمين لم تكن قبيحة لما كان في مشابـهتهم فيها من مشابـهة الكفار وتطريقهم إلى بلوغ غرضهم[14].

وإليك بعض ما ورد في السنة من الأمر بمخالفة الكفار والمشركين وعدم التشبه بـهم:

- عن نافع أن ابن عمر كان يقول: "كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة ليس يُنادى لها. فتكلموا يوماً في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقاً مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا بلال قم فناد بالصلاة"[15].

ففي موضوع النداء للصلاة رفض - عليه الصلاة والسلام - أن يستعمل أساليب اليهود والنصارى، فكيف تتوهم أننا سنبلغ صوت الإسلام ودعوته من خلال المجالس التي أسست على غير هدى الله؟!! أليس في هذا هدر لطاقتك وضياع لجهدك ووقتك؟!.

- عن جندب بن عبد الله البجلي قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله - تعالى - قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنـهاكم عن ذلك"[16].

- عن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً، وصوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله - عز وجل - يوم القيامة"[17].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فهذا التحذير منه، واللعن عن مشابـهة أهل الكتاب في بناء المساجد على قبر الرجل الصالح صريح في النهي عن المشابـهة في هذا ودليل على الحذر من جنس أعمالهم[18].

- عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مرَّ بالحجر قال: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابـهم. ثم تقنع بردائه وهو على الرحل"[19].

وعن أبي صالح الغفاري: أن علياً رضي الله عنه مرّ ببابل وهو يسير فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر، فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة فلما فرغ قال: "إن حبي النبي - صلى الله عليه وسلم - نـهاني أن أصلي في المقبرة، ونـهاني أن أصلي في أرض بابل، فإنـها ملعونة"[20].

قال شيخ الإسلام: فإذا كانت الشريعة قد جاءت بالنهي عن مشاركة الكفار في المكان الذي حلّ بـهم فيه العذاب فكيف بمشاركتهم في الأعمال التي يعملونـها[21].

- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم"[22].

- عن عائشة - رضي الله عنها - كانت تكره أن يجعل المصلي يده في خاصرته، وتقول: إن اليهود تفعله[23].

- عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "خالفوا اليهود فإنـهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم"[24].

- عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اللحد لنا والشق لغيرنا"[25].

قال ابن تيمية: وفيه التنبيه على مخالفتنا لأهل الكتاب حتى في وضع الميت في أسفل القبر[26].

- عن عبد الله بن عمر قال: رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليّ ثوبين معصفرين، فقال: "إن هذه من ثياب الكفار، فلا تلبسها"[27].

والأحاديث الواردة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في النهي عن التشبه بأهل الكتاب، أو بالروم والفرس كثيرة جداً، وذلك في الأمور الظاهرة والباطنة، ومن أجمع الكتب التي صنعت في هذا الموضوع كتاب: "اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم" لشيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه كتاب جدير بالمطالعة والاقتناء لكل داعية من دعاة الإسلام.

قال - تعالى -: "ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبـهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبـهم وكثير منهم فاسقون"[سورة الحديد: 16]...

-----------------------------

[1] اقتبست هذا العنوان من كتاب مقدمة ابن خلدون.

[2] نقلاً عن كتاب "البداوة والحضارة، نصوص من مقدمة ابن خلدون" للشيخ محمد العبدة، ص: 51.

[3] نقلاً عن كتاب "البداوة والحضارة" ص: [51 52].

[4] اقتضاء الصراط المستقيم، تحقيق الدكتور ناصر العقل [319/1].

[5] عارضة الأحوذي: 9/28.

[6] انظر كتاب "الحيوان" للجاحظ: 6/53، و "حياة الحيوان الكبرى" للدميري: 571.

[7] انظر: "نفثات صدر المكمد وقرة عين المسعد لشرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد" للشيخ محمد السفاريني 1/579.

[8] سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب صلاة العيدين. رقم الحديث: 1134.

[9] اقتضاء الصراط المستقيم: 1/483 484.

[10] مسند الإمام أحمد، بتحقيق حمزة الزين، وقال: إسناده ضعيف لكن ابن حجر حسنه في الإصابة. وكذا حسنه السيوطي.

[11] جامع الترمذي، كتاب الإيمان، باب افتراق هذه الأمة، رقم الحديث: 2779.

[12] نقلاً عن تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 1/149.

[13] المصدر السابق.

[14] اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، تحقيق د. ناصر العقل: 1/156.

[15] صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب بدء الأذان، حديث: 604.

[16] - صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن اتخاذ القبور مساجد، رقم الحديث: 532.

[17] صحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن اتخاذ القبور مساجد، رقم الحديث: 490.

[18] اقتضاء الصراط المستقيم، تحقيق د. ناصر عبد الكريم العقل: 1/299.

[19] صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، رقم الحديث: 3380.

[20] سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة، رقم الحديث: 490.

[21] اقتضاء الصراط المستقيم: 1/238.

[22] صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، رقم الحديث: 3462.

[23] المصدر السابق، رقم الحديث: 3458.

[24] سنن أبي داود، كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعل، رقم الحديث: 652.

[25] جامع الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما جاء في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اللحد لنا والشق لغيرنا".

[26] اقتضاء الصراط المستقيم: 1/207.

[27] صحيح مسلم، كتاب اللباس والزينة، رقم الحديث: 2077.

 

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة
محمد الأمين أحمد بلاهي
مورتانيا
2012/11/01
صدقت يا يا حبيبنا صلى الله عليك و سلم فقد وقع جل ما تحدثت به من علامات و نحن على يقين من حدوث الباقي فقد تكالبت علينا الإمم و تتبعنا سنن الإمم و غير ذلك . جعلنا الله من من تشفع فيهم يوم القيامة.
محمد
جزيرة العرب
2013/02/15
جزاك الله خيرا..
ريم حكمي
الرياض
2013/09/19
جزاكم الله خير
fatima
maroc
2014/01/03
اعجبني كتيرا
عبدالعزيز
السعودية
2014/08/26
سبحان الله. الحمدالله. الله اكبر. لا اله الا الله
عمر
المغرب
2016/04/25
صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم. اللهم ثبتنا على سنة حبيبنا محمد صلى الله عليه و سلم و أرزقنا شفاعته و شربة من حوضه الشريف.