أعطاف العيش بين الاغتراب والأشواق
عدد القراءات : 140

إن الشعور بالاغتراب له ألف وجه ولسان، وله صولات وجولات، ويبحِر بنا على مركب الحياة، إلى ذاك الوطن الأكبر الذي يحتوينا، وهو مرفأ الإيمان  ومرسى الأمان والسلام، الذي يعْمر القلوب بتلك الحقيقة الإيمانية، بما تحمله من معان وقيم تتلاشى عند حدودها كل مشاعر الخوف والاغتراب، وهي التي توقِد شموع الآمال، التي تفتح بصائرنا على الدنيا، كأننا ولدنا من جديد، وتشحذ قرائحنا لتجد وتعمل، ولتنتج وتنجح، وذلك شأن من يؤمنون بما يحمِلونه من آمال، وأحلام، وأفكار، ورسائل، لا بد لهم وأن يدركوا مطامِحَهُم، ويبلغوا غاياتهم، فالإيمان يشقُّ طريقَه نحو النجاح ونحو الانتصار لينتهي بعد رحلة الحياة الدنيا إلى الفوز بالجنة ونعيمها الخالد.

وعبر تلك المشاعر والمرائي والمعاني يكون لنا مع الاغتراب تلك المنعطفات.

 فإنَّ للشَّوقِ لأفراحًا تُزْهِر بالبسمات، على خدٍّ أضْناهُ طولُ الانتظار، وتمسح عن تلك العيون لوعَة الشَّجَن، وتَخطف لمْعَةً من رُؤَاها ومن وَريدِ القلبِ كي تُبْصِر.

وإنَّ للشَّوقِ لسِقاءً يروي الظَّمَأ وعطشَ النَّبض، فيهتزُّ له جذْعُ الفصولِ طرَبًا، ويرطِّب جفافَ الأرواح، فتمَزِّق لحافَها السميك قبل أن تُساقَ للموتِ اخْتِناقًا، وقبل أن تَنْسَلَّ عن أجسادٍ قد أنهكَها التَّعب، وهدَّها قيظُ المِحَن وعواصِف الفتن..

وإنَّ للشَّوقِ لصفحاتٍ تتلوَّن بألوان الحياة، فتشرق وتغرب، وتمدُّ الوَصْلَ وتقْطَعُه، وتشُدُّ وثاقَ العهد وتنْكثُه، وتصْدُق في الوفاء وتخونُه، وتلبس الطِّرازَ المُوَشَّى وتَخْلَعُه، بعد طولِ اغتراب، وصَدِّ الأحِبّة وهَجْرِ الوطن.

سطور الميلاد ومخاض الأحلام:

إن الانتظار يصهرنا حين يذيبُ فينا أشياء عزيزة ونفيسة، ويسرق منَّا زهــرةَ الربيعِ النَّدِيَّــة، ويَسْلَخ عن وجوهِنا بسماتِ الطُّفولة، فتختفي خلفَ ستــار الغُـروب، وحين تمتدُّ في أعماقنا جذور المخاض، وتوقِد وجَع الشَّيخوخة، وتُحْرِق أوراقنا الغَضَّة النَّدِية، فتهيجُ فينا الأشواق ولا تهدأ، وتلفِظ زفراتِ الأحلام، وتتصَبَّب بعَرَقِ الميلاد، وحين ترتفع ألحانُ التغريد المكسور، ويسري صمتٌ طويل وسط حَشْرجَةِ الحلقِ المَبْحوح، وتسْري أَنْفاسُ الغروب وتكتم أنفاس الشُّروق، فتتلوَّن دائرة الضَّوء بعتمَةِ الكُحْلِ المُذاب، على أرصفةِ العيونِ المُسْهَدة بالترقُّب والانتظار، ويُسْدِل الرَّمْشُ المُمَدَّد ستارَ النُّور، كي تنسُجَ الآمال أحلامها من جديد، على بساط الانْعِتاق، وتُريق نقاطًا بيضاء لتُذيبَ النِّقاط السوداء، وترحل خارج خطِّ الحداد، وبعيدًا عن سطور الذاكرة، بعد أن سقاها الوريد قطرات الآمال، كي تبلِّل أوراقَ الصباح، وتتزيَّن أسارير الوجه الكسيف، وتنتشي الغبطة والمسَرَّات.

خطَّان بمتدَّان على طريق الحياة:

 هما خطَّان بمتدَّان على طريق الحياة، يصِلانِ الفرحَ بالألم،، فيعزف النَّبضُ تارةً عَذْبَ المناجاة، وتارةً يعْزف على سارية القلب نشيد الحِداد، ينْعي الصُّدودَ والعُزوفَ والاغْتِراب، فتتحول النفس حينها إلى جلاَّدٍ يَرفَعُ أعلامَ اللَّوْم والعِتاب، كي تقتصَّ من ذاك النَّقيض والتَّضاد، كأنهما يمثِّلان معًا قصَّة الشـروق مع الغـروب، حين يسطع ذاك النور  ويسْري الدِّفء إلى الأرواح، ثم يعْقُبه ظلامٌ حالِك، وسكونٌ، وبردٌ شديد، ينحت خارطةَ الجسد، ويخلِّف آثاره في كلِّ ركنٍ ومنعطف.

أو كأنهما قصَّة اللون الأبيض مع اللون الأسود، لا يلتقيان إلا في الظِّل، وتحت رمادِ المجامر، ولا يمتزجان إلا مع دخان العزوفِ والجفاء، ليظلَّ الشوق بينهما رمادي اللون، يلتحِف معطفَ الشِّتاء، وقد ذَوَت في أوصالهما أزهار الربيع وسَرى إليهما الذُّبول والاصْفرار.

أو كأنهما في اختلافهما ائْتِلافٌ، يُغْريهما بعِشْقِ الأحلام، المُشْرِقات في عيونِ المُحبِّين الأصْفياء، توقظ فيهم تلك الإرادة الخامِلة، لتصُدَّهم عن ارتكاب الحماقات، وعن التَّحليق في فضاء الأهواء، وعن سلوك طريق الغواية،

كي يولَد النُّور بعد الظَّلام، ويتَّسِعَ الطريق الطويل وسط رحِم الضِّيق، ويهدي الأرواح لثماتِ الصباح، ورشْفَ النَّدى من براعم الزهرات، وكي يظلَّ النِّداء صادِحًا يشفي الجراحات، ويرتِّق ما بين القرب والبعد من انْشِقاق، وما بين اتجاهات القلوب المتفرِّقة من نفور وجفاء وسط اضطراب الأشواق، وسعُار الأحقاد، والخلافاتِ البغيضة.

حصادُ المواجع في مزرعة النَّوائب:

قد يكونُ الألمُ شَديدًا في وطْأَةِ امْتِحانه، وعَسيرًا في إيلامِه، إنما أشَدُّ من ذاك البلاء، أن يُمْتحَن حامِلُه بنذيرِ اغْتِرابِه، وشُواظِ انْفٍرادِه، يتقلَّب بين أهوالِه ونوائبِه، ولا يجِد من يُصْغِي لأنينِ مواجِعِه، في لحظاتِ نزْفِ جراحِه، وانْسِكابِ دمْعِه واحْتِراقِه، فيظَلُّ يعُدُّ بالسَّاعات، ويضرب أخماسًا في أسداس، عساه ينْعَم بحُلولِ انْشِراحِه، وانْقِشاع همِّه وانْفِراجه، وانْفِساح أنفاسِه من ضيقِ انْحباسه، واسْتجمام روحِه في رياض السَّعد وحقول أفراحه.

وحين لا يجِد إلى ذاك سبيلاً، ولا من يطردُ عنه أحاديثَ نفسه ووسواسَه، ولا من يعيدُ إلى محَيَّاه بسماته، وراحةَ بدَنِه وطولَ الرُّقادِ على فراشه، وسُكونَ النَّبضِ إلى وساده، وطمأنينةً تُزْهِرُ بالآمالِ المشرقاتِ في حدائقه وبُكورِ إصْباحِه، ولا من يصرِفُ عنه خواطِرَ التوجُّس ورفيفَ شكوكه، ولا أليفًا صادقَ الوعد، وفِيَّ العهد، أمينًا على أسراره، ومخلصًا في وُدِّه ووفائه، وأنيسًا يُسَرُّ إلى مجلسِه، ويسْلو لحديثه وكلامه، فيجد جلاءَ همِّه، وراحته وأمانه، وانْبساطه واغْتِباطه.

يرحل قسْرًا عن دنيا الناس، ويزهد فيهم وفيما جُمِع بين أيديهم، ليَخْلو إلى ذاك الصَّدر الحاني الذي يحتويه في وحدته وسكونه، ويخفِّف عنه أثقاله وأحماله، ويجُرُّ أَذْيالَه.

ولكن! ما أصعب السِّياحة في غديرِ الاغتراب، وما أشَقَّ السَّير حافِيًا على أشواكِ الخطوبِ والأرزاء، وما أعْسَر على النفس أن تتجمَّل بحِلْيَةِ الكتمان، وتختار قهرًا الانتهاء إلى حدِّ الصمت والخرس المطبق على الشفاه، عند الوقوعِ في شركِ الامتحان، وحين يُجْمع على القلب ألمين، هما ألم الفراق وألم المواجع، وبينهما حصونٌ وسدود، لا تلبَث تعلو ولا تنزل، وبحورٌ تهيجُ ولا تهدأ، ورياحٌ تعصِف بالصدر المَكْلوم، فتقتلع آخر جذور أفراحه، ليخيِّم بعد الربيع الغَضِّ الآمال، ذبولٌ ويباس، ويأس تلو اليأس، يحيطُه من كلِّ جانب بقلاع وسياج، فيظل يشتاق لمرساه الآمِن، ليكون له مهادًا لروحِه، ووِسادًا مريحًا لرأسه المُثْقَل بالضَّجَر، والقنوط والاضطراب والقلق.

ولا يجِد في طريقه الشاق إلا أنوار تلك الحقيقة، السَّامقة بالمحامد والمكارم والفضائل، هي حقيقة الإيمان واليقين، يتمثلها في الاكتفاء بالله، والاستغناء به عمن سواء، والأُنْس في حضرته، والطمأنينة إلى مجلسه، فيبُثُّ إليه شكواه، ويناجيه في الخلوات، ويطرق بابه ويبسط إليه يده بالدعاء، ويستغيثه في قضاء الحاجات، فيكفيه بأفضاله وإنْعامِه، ويغنيه عن أُنْسِ عبدٍ من عباده، الفقراء لنوالِه وعطائه، فسؤال العبد لغير سيِّده مذلَّةٌ وتشنيعٌ عليه، وقهرٌ للكرامة، ووحشةٌ، وحسرةٌ وندامة.

وقديماً قيل في المثل: "إذا جاءت الخَلَّة ذهبت الخُلَّة" أي: إذا جاء الفقر ذهبت المحبَّة، وسبحان الكريم في عطائه، ووليُّ كلِّ نعمةٍ مهداة، حيث قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ).

وعَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قلَّما كانَ رسولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ- يقومُ من مَجلسٍ حتَّى يدعوَ بِهَؤلاءِ الكلِماتِ لأصحابِهِ: ((اللَّهمَّ اقسِم لَنا من خشيتِكَ ما يَحولُ بينَنا وبينَ معاصيكَ، ومن طاعتِكَ ما تبلِّغُنا بِهِ جنَّتَكَ، ومنَ اليقينِ ما تُهَوِّنُ بِهِ علَينا مُصيباتِ الدُّنيا، ومتِّعنا بأسماعِنا وأبصارِنا وقوَّتنا ما أحييتَنا، واجعَلهُ الوارثَ منَّا، واجعَل ثأرَنا على من ظلمَنا، وانصُرنا علَى من عادانا، ولا تجعَل مُصيبتَنا في دينِنا، ولا تجعلِ الدُّنيا أَكْبرَ همِّنا ولا مبلغَ عِلمِنا، ولا تسلِّط علَينا مَن لا يرحَمُنا)) سنن الترمذي.

وما أجمل ما ذكره الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي ( تـ 597هـ ) في كتابه: "المدهش": "الدُّنيا مَزْرَعةُ النَّوائِب، ومُشرَّعَةُ المصائِب، ومُفَرِّقَة المَجامِع، ومُجْرِيَة المَدامِع، كم سَلبَتْ أقوامًا أَقْوَى ما كانوا، وبانَتْ أَحْلى ما كانت أحلامًا فبانوا، ففَكِّر في أهلِ القصور والمَمالك، كيف مُزِّقوا بكَفِّ المَهالِك، ثم عُدْ بالتَّظَر في حالِك، لعَلَّهُ يتجَلَّى القلبُ الحالِك، إنَّ لذَّاتِ الدُّنيا لفَوارِك، وإنَّ موجَ بلائِها لمُتدارَك، كم حجَّ كَعِبتَها قاصِدٌ فقَتَلَتْه قبل المَناسِك، كم عَلا ذِرْوَتَها مغرورٌ، فإذا به تحت السَّنابِك، كم غَرَّت غرا فما استَقَر، حتى صيدَ باشِق، خلِّها واطْلُب خُلَّةً ذات سُرور وسُرَر وأرائِك، تالله ما طيبُ العَيْشَ إلا هنالِك".

 بين التمام والنقصان:

 إن الآلام والأفراح كما الشمس، فيها الشُّروق والغُروب، وفيها الظُّهور والكُسوف، وفيها الدِّفْء المُتَلوِّن بتلك الألوان التي تزيِّن فصول الحياة.

وكما أن القمر يكتمِل حتى يبلُغَ أوَجَ اكتمالِه، فلا ترى عينُك أجمَل من حُسْنِه، ولا أَنْصَع من ضِيائِه، ولا أَبْهى من صورَتِه ليلة اكتماله، كأنّه في ظهورِ محاسنه وخِلاله، غادةٌ حسناء تزيَّنت لموكبِ عرسِها الفاخِر، ثم ما يلبث أن يعتريه النقصان، فيظهر للعين بحجمٍ أصغَر مما كان عليه ليلة  تمامه، ثم يختفي خلف الغيوم، فتظُنُّ أنه خَبا وصار لمْعَةً من بريقِ لمعانه، أو قطرةً غرقت في بركةِ الفضاء الرَّحب، وانْحسَر ضياؤه وسط عتمة الليل البهيم.

إنَّها أسرار الحياة التي أراد الله لها أن لا تكون في قمَّة التَّمامِ والنُّقصان.

وإنه لامْتِحانٌ عسير لهؤلاء الخلائق، كي يدركوا أن لا شيء يمتلكونه بمحض إرادتهم، ولا من تلقاء كسْبهم وسعيهم في الأرض، بل هي نِعَمٌ مٌهداةٌ إليهم، وهِباتٌ مُسْداةٌ إليهم، ممَّن تفضَّل عليهم بهذه المِنح والعَطايا، وبثَّ فيهم أنفاس الحياة وأَجْراها، وجعلهم يتقلَّبون بين الرَّخاء والشِّدة، والمنحة والمحنة،  ليخرُجوا منها أقوياء بما أوتوا من صبرٍ وجلَد، وكفاحٍ ونضال، وصمودٍ لا ينْهَد ولا يلين.

وليَعْلَموا أنَّ قوَّتهم في تمامِها نُقْصان، ليظلَّ الحق سبحانه وتعالى هو من يحَرِّك فيهم وفي الكائنات فورة النشاط، ويجمع بين أيديهم الصَّلابة، والشدة، والقوة، بقدرٍ وحساب، وإلى أجلٍ وميقات، وهو وحده في جلاله وعظمته وكبريائه، وفي عُلوِّه وقوته، من يجمع الكمال والتمام الذي لا يعتريه الضعف ولا النقصان.

 وليَعْلَموا أنَّ لا أحد إلا هو سبحانه، من يجمع كل القوى على تعدُّدِها، وتنَوُّعِ خصائصها، واختلافِ استعمالاتها، بل هو من يوزِّعها بينهم بحسبِ الضَّرورة والحاجَة، وعلى قدر ما يناسب كلَّ عبدٍ من عباده.

ولهذا يخاطب الحق سبحان كل من طغى بامتلاكه جزءاً من تلك القوة الناقصة، في قوله تعالى: (وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ).

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة