للنية شروطٌ عامة في جميع العبادات، وشروط خاصة في كل عبادة، وسوف أعرض للشروط العامة للنية، مبينًا ما ورد فيها من خلاف.

الشرط الأول: الإسلام

فلا تصح النية من كافر؛ لأنه ليس أهلاً للنية، وليس من أهل العبادة، قال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) [الفرقان: 23][1].

فلو توضأ الكافر أو اغتسل، لم يصحا منه عند الجمهور.

وصحح الحنفية وضوءه وغسله، فلو أسلم بعدهما صلى بوضوئه وغسله؛ لأن النية عندهم ليست شرطًا في الوضوء والغسل، وقد ذكرتُ في مسألة مستقلة حكم النية في الوضوء، ورجحت أنها شرط في صحة الوضوء، والله أعلم.

إلا أنه يستثنى من ذلك الكتابيَّة تكون تحت المسلم، فإذا طهرت من المحيض أو النفاس فإنها تغتسل للزوج؛ حتى يتمكن من جماعها، وهل تشترط النية لغسلها؟ على قولين:

فقيل: يصح غسلها بلا نية؛ لأنها ليست أهلاً للنية، فغسلها إنما هو لحقِّ الآدمي وليس حقًّا لله، وإذا لم يكن عبادة لم تشترط له النية، وهو ظاهر مذهب المالكية[2]، ووجه في مذهب الحنابلة، وهو المشهور عند المتأخرين[3].

وقيل: لا بد لها من نية، إلا إذا امتنعتْ فتسقط للضرورة، كما لو امتنع الرجل عن أداء زكاته، فإنها تؤخذ منه قهرًا، وتجزئ عنه في الدنيا، وهو مذهب الشافعية[4]، ووجه آخر في مذهب الحنابلة[5].

والأول أقوى؛ بل إن إيجاب غسل البدن كله عليها إن قال أحد بعدم وجوبه، فله وجه؛ لأن طهارة الحائض مركبة من طهارتين: عن حدث وعن خبث، وإذا كان يتوجَّه وجوب الطهارة عليها من الخبث لحقِّ الزوج، فإن الطهارة من الحدث غير معقولة المعنى، وإنما هي طهارة تعبدية محضة، فإن قال أحد: يكفي أن تغسل فرجها، وتنظفه من الأذى، فهذا كافٍ في حل وطء زوجها، فهو قول قوي جدًّا، ولا يُستبعد القول به، خاصة أن الحنفية يقولون بجوازه في حق المسلمة إذا طهرت لتمام المدة، فإنهم لا يوجبون الغسل لحل الوطء، فهذه من باب أولى، والله أعلم.

الشرط الثاني: التمييز

فلا تصح النية من صغير غير مميز؛ لعدم صحة القصد منه.

ولا تصح النية من مجنون؛ للعلة نفسها، وأما غسل المرأة المجنونة من المحيض لتحل لزوجها، فيرى الشافعية والحنابلة أن زوجها يغسلها، وينوي عنها؛ لتعذر النية منها.

قال النووي: وأما المجنونة إذا انقطع حيضها، فلا يحل لزوجها وطؤها حتى يغسلها، فإذا غسلها حل الوطء؛ لتعذر النية في حقها، وإذا غسلها الزوج هل يشترط لحل الوطء أن ينوي بغسله استباحة الوطء؟ فيه وجهان حكاهما الروياني، وقطع المتولي باشتراط النية، وقطع الماوردي بعدم الاشتراط، قال: بخلاف غسل الميت، فإنه يشترط فيه نية الغسل على أحد الوجهين؛ لأن غسله تعبُّد، وغسل المجنونة لحقِّ الزوج، فإذا أفاقت لزمها إعادةُ الغسل على المذهب الصحيح المشهور، وذكر المتولي فيه وجهين، كالذمية إذا أسلمت، قال: وكذا الوجهان في حل وطئها للزوج بعد الإفاقة، والله أعلم[6].

وقال البهوتي في كشاف القناع: وغسل مجنونة من حيض ونفاس، مسلمة كانت أو كتابية، حرة أو أمَة، فلا تعتبر النية منها لتعذرها، ولكن ينويه عنها من يغسلها كالميتة.

وقال أبو المعالي: لا نية كالكافرة؛ لعدم تعذرها مآلاً بخلاف الميت، ولأنها تعيده إذا أفاقت وأسلمت. ا هـ قلت: ومقتضاه أنها لا تعيده على الأول؛ لقيام نية الغاسل مقام نيتها. اهـ[7].

وما ترجح في غسل الكافرة، فهو الراجح هنا؛ بجامع أن كلاًّ منهما ليس من أهل العبادة، والله أعلم.

الشرط الثالث: عدم الإتيان بما ينافيها حتى يفرغ من وضوئه

والمنافي للنية أن يأتي بما يقطعها أو يبطلها، أو يصرف النية لغير الوضوء في أثنائه، كما لو نوى في أثناء الوضوء التبرد فقط، ويعبِّر عنه الفقهاء بوجوب استصحاب حكمها: بأن لا ينوي قطعها حتى يفرغ من وضوئه، ولا يجب عليه أن يستصحب ذكر النية بعد أن نواها، وإنما الواجب استصحاب حكمها، فلا يأتي ما يقطعها من رفض الوضوء قبل فراغه، أو يبطلها، كما لو تخلل وضوءَه ردةٌ والعياذ بالله، أو ينقل نية الوضوء في أثنائه من نية القُربة إلى التبرد فقط، وهذا رأي الأئمة الثلاثة[8].

وأما الحنفية فهم - كما سبق - يرون النية سنة في الطهارة، وبالتالي لا يؤثِّر مثل ذلك في صحة الوضوء.

الشرط الرابع: أن تكون النية مقارنة للمنوي أو متقدمة عليه بشيء يسير

النية تارة تكون متقدمةً على المنوي، وتارة تكون مقارنة له، وتارة تكون متأخرة عن أول العمل، وإليك بيان حكم كل حال من هذه الأحوال.

حكم تقدم النية على العمل:

أجاز العلماء تقدُّم النية على المنوي في الصوم للمشقة؛ فجوَّزوا عدم مقارنة النية لأول المنوي؛ لإتيان أول الصوم حالة النوم غالبًا، والزكاة في الوكالة على إخراجها[9].

واختلفوا في غير الصوم من العبادات:

فقيل: يجوز تقدم النية على المنوي بشرطه، وهو مذهب الحنفية والحنابلة.

قال أبو حنيفة وصاحباه: من نوى عند الوضوء أنه يصلي به الظهر أو العصر مع الإمام، ولم يشتغل بعد النية بما ليس من جنس الصلاة، إلا أنه لما انتهى إلى مكان الصلاة لم تحضرْه النية - جازت صلاتُه بتلك النية[10].

ولا يضر اشتغاله بالمشي إليها وإن لم يكن من جنسها، فالمهم ألا يوجد فاصل أجنبي بين النية وبين العمل، وهذا ما يسميه بعض الفقهاء: النية الحكمية؛ أي: استصحاب حكم النية.

قال ابن نجيم: "والمراد بقوله: "بلا فاصل"؛ أي: بين النية والتكبير، والفاصل الأجنبي: هو العمل الذي لا يليق في الصلاة كالأكل والشرب؛ لأن هذه الأفعال تُبطِل الصلاة، فتبطل النية، وشراء الحطب والكلام، وأما المشي والوضوء فليس بأجنبي"[11] اهـ.

وقال ابن قدامة: قال أصحابنا: يجوز تقديم النية على التكبير بالزمن اليسير، وإن طال الفصل، أو فسخ نيته بذلك، لم يجزئه[12].

وعلى هذا، فالحنفية والحنابلة أجازوا تقدم النية على المنوي، والحنفية أوسع من الحنابلة في هذا؛ حيث لم يقيدوه بالزمن اليسير بخلاف الحنابلة.

وقيل: يجب أن تكون النية مقارنة للتكبير، لا قبله ولا بعده، وهو المشهور من مذهب الشافعية[13].

وذهب أبو منصور بن مهران من الشافعية إلى وجوب تقدم النية على أول التكبير بشيء يسير؛ وعلل ذلك بأن لا يتأخر أولها عن أول التكبير[14].

وقيل: يجوز تقدم النية على العبادة بشرط أن يكون وقت العبادة قد دخل، فإن تقدمت النية قبل وقت العبادة ولو بزمن يسير، لم تصح النية، اختاره كثير من الحنابلة[15].

دليل من قال بجواز تقدم النية على العبادة:

الدليل الأول:

قالوا: تقدم النية على التكبير بالزمن اليسير لا يُخرِج الصلاة عن كونها منوية، ولا يخرج الفاعل عن كونه ناويًا مخلصًا.

الدليل الثاني:

القياس على الصوم، فإذا صح أن تتقدم النية على الصوم، جاز أن تتقدم النية على سائر العبادات.

الدليل الثالث:

النية شرط من شروط الصلاة، فجاز تقدمها كبقية الشروط.

الدليل الرابع:

إيجاب مقارنة النية للمنوي فيه حرج ومشقة، وهو مدفوع بقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) [الحج: 78][16].

الدليل الخامس:

الزمن اليسير لا يؤثِّر في العبادة، كما أن الكلام اليسير في الزمن اليسير، لا يبطل الصلاة إذا حصل في أثنائها لمصلحة متحققة كما هو معلوم.

(804-33) فقد روى البخاري في صحيحه، من طريق محمد بن سيرين، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إحدى صلاتي العشي - قال محمد: وأكثر ظني العصر - ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد، فوضع يده عليها، وفيهم أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما-، فهابا أن يكلِّماه، وخرج سرعانُ الناس، فقالوا: أقصرت الصلاة؟ ورجل يدعوه النبي - صلى الله عليه وسلم - ذا اليدين، فقال: أنسيتَ أم قصرتْ؟ فقال: ((لم أنسَ، ولم تقصر))، قال: بلى قد نسيت، فصلى ركعتين... الحديث، والحديث رواه مسلم[17].

فهذا الرسول تكلم مع الصحابة، والكلام في الأصل مبطل للصلاة، ولكن حين كان لمصلحة الصلاة، وكان يسيرًا، ولم يطل الفصل، بنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على صلاته، ولم يستأنف، فكذلك النية إذا تقدمت على العمل بزمن يسير عرفًا، لم يؤثر ذلك في الصلاة، والله أعلم.

دليل من قال يجب أن تكون النية مقارنة للمنوي:

استدلوا بقوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [البينة: 5][18].

فقوله: (مُخْلِصِينَ) حال لهم في وقت العبادة، فإن الحال: هي وصف هيئة الفاعل وقت الفعل، والإخلاص هو النية.

وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما الأعمال بالنيات)).

وأجيب:

بأن حديث ((إنما الأعمال بالنيات)) مطلق، وليس فيه ما يفيد أن النية إن تقدَّمتْ فليس له ما نوى، بل يحصل له ما نوى مطلقًا، تقدمت النية أو صاحبت العمل، وهو لم يرفض النية، وإنما استصحب حكمها، وكما أنه يجوز استصحاب حكمها أثناء العمل، فيجوز استصحاب حكمها قبله بيسير.

دليل من اشترط دخول وقت العبادة:

لعل الحنابلة يرون أن دخول وقت العبادة هو سبب الوجوب، والنية عبادة، وتقديمها على سبب وجوبها لا يجوز، ويجوز تقديمها قبل شرط الوجوب؛ مثال ذلك: الزكاة سبب وجوبها بلوغ النصاب، وشرط الوجوب تمام الحول لما يشترط له الحول، فتقديم الزكاة قبل بلوغ النصاب لا يجوز؛ لأنه قدم العبادة قبل سبب وجوبها، فإذا بلغ المال النصاب جاز تقديمها قبل تمام الحول؛ أي: قبل شرط وجوبها.

مثال آخر: لو أن رجلاً أراد أن يقدم كفارة يمين قبل أن يعقدها، لم تصح كفارة؛ لأن عقد اليمين هو سبب وجوب الكفارة، ولو أنه عقد اليمين ثم أخرج الكفارة قبل أن يحنث جاز؛ لأن الحنث هو شرط الوجوب، وتقديم العبادة على شرط وجوبها جائز، وعلى سبب الوجوب لا يجوز، والله أعلم[19].

الحال الثانية: أن تكون النية مقارنة للمنوي:

ذهب عامة أهل العلم إلى استحباب أن تكون النية مقارنة للمنوي[20].

وقيل: يجب أن تكون النية مقارنة للمنوي، وهو مذهب الشافعية[21]، واختاره الآجري[22].

واختلفوا في الصيام الواجب؛ فقال الشيرازي من الشافعية: وهل تجوز نيته مع طلوع الفجر؟ فيه وجهان:

من أصحابنا من قال: يجوز؛ لأنه عبادة، فجاز بنية تقارن ابتداءها، كسائر العبادات. قلت: وهذا مذهب الحنفية[23]، والمالكية[24].

ثم قال الشيرازي: وأكثر أصحابنا يقولون: لا يجوز إلا بنية من الليل؛ لحديث حفصة -رضي الله عنها-، ولأن أول وقت الصوم يخفى، فوجب تقديم النية عليه[25].

دليل من جوز أن تكون النية في الصيام مقارنة لأول الصوم:

استدلَّ بأن هذا هو الأصل في النية، وهو أن تكون النية مقارنة للمنوي، وإنما جاز تقدمها تخفيفًا ودفعًا للحرج.

دليل من أوجب تقدم النية في الصيام على المنوي:

(805-34) ما رواه مالك في الموطأ، عن نافع، عن ابن عمر، أنه كان يقول: لا يصوم إلا من أجمع الصيام قبل الفجر[26].

[إسناده من أصح الأسانيد، وروي عن ابن عمر عن حفصة مرفوعًا، ولا يثبت] [27].

والراجح بين القولين:

قبل ترجيح أحد القولين لا بد أن نعرف تفسير المقارنة، فإن كان المقصود بالمقارنة ألا يوجد فاصل بين النية وبين المنوي، بحيث ينوي العبد الطاعة، ثم يدخل فيها مباشرة فلا حرج في مقارنة النية للمنوي في هذه الحال؛ لأن النية قد وجدت قبل العمل ولو ببرهة.

وإن كان المقصود من المقارنة أن تنوي حال التلبس بالعبادة فهذا لا يجوز؛ لأنه في هذه الحال سوف يكون هناك جزء من العبادة ولو يسيرًا عاريًا من النية.

وقد سئل ابن تيمية عن هذه المسألة، فقال:

"أما مقارنتها التكبير، فللعلماء فيه قولان مشهوران:

أحدهما: لا يجب، والمقارنة المشروطة قد تفسر بوقوع التكبير عقيب النية، وهذا ممكن لا صعوبة فيه، بل عامة الناس إنما يصلُّون هكذا، وهذا أمر ضروري، لو كُلِّفوا تركه لعجزوا عنه، وقد تفسر بانبساط آخر النية على آخر التكبير، بحيث يكون أولها مع أوله، وآخرها مع آخره، وهذا لا يصح؛ لأنه يقتضي عزوب كمال النية في أول الصلاة، وخلو أول الصلاة عن النية الواجبة. وقد تفسر بحضور جميع النية مع جميع آخر التكبير، وهذا تنازعوا في إمكانه، فمن العلماء من قال: إن هذا غير ممكن، ولا مقدور للبشر عليه، فضلاً عن وجوبه، ولو قيل بإمكانه، فهو متعسر، فيسقط بالحرج، وأيضًا فمما يبطل هذا والذي قبله، أن المكبِّر ينبغي له أن يتدبَّر التكبير ويتصوَّره، فيكون قلبه مشغولاً بمعنى التكبير، لا بما يشغله عن ذلك من استحضار النية؛ ولأن النية من الشروط، والشروط تتقدم العبادات، ويستمر حكمها إلى آخرها، كالطهارة"، والله أعلم[28].

الحالة الثالثة: أن تكون النية متأخرة عن بعض المنوي:

ذهب عامة أهل العلم إلى أنه لا يجوز أن تتأخَّر النية عن أول العبادة، خاصة إذا كان أول العبادة واجبًا فيها، فلا تتأخر النية في الوضوء عن غسل الوجه، ولو تأخرت عن غسل اليدين فلا يؤثِّر ذلك في صحة الوضوء؛ لأن غسل الكفين سنة، ولا تتأخر النية في الصلاة عن تكبيرة الإحرام وهكذا؛ لأن أول العبادة لو عرا عن النية لكان أولها مترددًا بين القربة وبين غيرها، وآخر الصلاة مبني على أولها، فإذا كان أولها مترددًا، كان آخرها كذلك.

وخالف في ذلك الكرخي من الحنفية، فقال: يجوز تأخير النية عن تكبيرة الإحرام، وهذا بناء على قول في مذهب الحنفية: أن تكبيرة الإحرام ليست من الصلاة[29].

ولعل هذا القول لا يخرج عن القول السابق، وإنما الخلاف في تحقيق المناط، فتكبيرة الإحرام عند من يراها ركنًا في الصلاة - وهو الصحيح - لا يجوز أن تتأخر عنها النية، وأما عند من يرى تكبيرة الإحرام ليست من الأركان ولا الواجبات، فلا يمنع من تأخير النية عنها، كما أجاز الحنابلة تأخر نية الوضوء عن أول مسنونات الطهارة، وهي غسل الكفين، وتجب عندهم عند أول واجبات الطهارة.

واختلفوا في صيام النفل، هل يجوز أن تتأخر النية عن أول العبادة؟ على قولين:

فذهب الجمهور من الحنفية[30]، والشافعية[31]، والحنابلة[32]، إلى أن تبييت النية من الليل في صيام النفل ليس بواجب، فلو نوى في أثناء اليوم في صيام النفل، صح صومه بشرطه: وهو ألا يتناول مفطرًا من طلوع الفجر.

وخالف في ذلك مالك رحمه الله[33]، فقال: يجب تبييت النية من الليل، وهو مذهب الظاهرية[34]، ورجحه المزني من الشافعية[35].

وسوف يأتي بسط أدلة هذه المسألة في كتاب الصيام، بلّغنا الله إياه بمنه وكرمه.

الشرط الخامس: أن يكون جازمًا بالنية

فلا يصح تعليق النية إلا إن قصد بكلمة "إن شاء الله تعالى" التبركَ، وهذا مذهب الجمهور من المالكية[36]، والشافعية[37]، والحنابلة[38].

وأما الحنفية، فقد سبق أنهم يرون النية سنة، فلا يضر تعليقها[39].

فلو توضأ بنيةِ إن كان محدثًا فهذا الوضوء لرفع الحدث، وإلا فهو تجديد، فقد اختلف الفقهاء في هذه الصورة:

فذهب المالكية إلى أنه لا يصح وضوءه؛ لعدم الجزم بالنية.

جاء في حاشية الدسوقي: "فالواجب عليه إذا توضأ أن يتوضأ بنية جازمة، فإن توضأ بنية غير جازمة - بأن علقها بالحدث المحتمل - كان هذا الوضوء باطلاً"[40].

ووجهه: أن هذا الإنسان إما أن يكون متطهرًا أو محدثًا، فإن كان متطهرًا فلا اعتبار به، إذ لم ينوِ التجديد، بل نوى رفع الحدث وليس عليه، وإن كان محدثًا فلا يصح؛ لعدم جزم نيته.

وذهب الشافعية إلى صحة الوضوء في هذه الصورة.

جاء في المجموع: قال البغوي: لو توضأ ونوى إن كان محدثًا فهو عن فرض طهارته، وإلا فهو تجديد، صح وضوءه عن الفرض، حتى لو زال شكه وتيقن الحدث، لا يجب إعادة الوضوء[41].

وقالوا: يغتفر التعليق هنا، كالمسافر إذا نوى خلف من شك في نية القصر، فقال: إن قصر قصرت. اهـ

قلت: ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، فهذا غاية ما يمكن أن يفعله، وهو أن يقول: إن كنت محدثًا فهذا الوضوء عنه، فإن كان على طهارة لم يضره هذا الوضوء، وإن كان محدثًا فقد نواه معلقًا، والتعليق يغتفر، وقد رجح المحققون من العلماء صحة التعليق في مسألة مشابهة، كما لو قال رجل: إن كان غدًا من رمضان فأنا صائم، فتصح نيته على الصحيح[42]؛ لأن هذا غاية ما يمكن أن يفعله، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

وقال بعضهم: يرتفع حدثه، إلا إن انكشف الحال وتبيَّن أنه محدث، فيلزمه استئناف الوضوء.

وإنما صح الوضوء للضرورة؛ لأن هذا غاية ما يسعه، وإذا زالت الضرورة، وانكشف الحال، وتبيَّن أنه محدث فقد زالت الضرورة، فيلزمه أن يعيد الوضوء؛ لأن النية لم تكن جازمة.

قال أبو عمرو بن الصلاح - رحمه الله -: لا نقول بأنه لا يرتفع حدثه على تقدير تحقُّق الحدث؛ وإنما نقول: لا يرتفع على تقدير انكشاف الحال، ويكون وضوءه هذا رافعًا للحدث إن كان موجودًا في نفس الأمر، ولم يظهر لنا للضرورة، فإذا انكشف الحال زالت الضرورة، فوجبت الإعادة بنية جازمة[43].

ولا يشرع للإنسان أن يحدث لكي يجزم بالنية، فلم يرشد الرسول - صلى الله عليه وسلم - في هذه الحالة إلى هذا الفعل؛ وإنما أرشد بالأخذ باليقين وطرح الشك، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا شك أحدكم في الصلاة، فلا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا)).

ومثل تعليق النية الترددُ بالنية، وعدم الجزم بها، وله حالتان:

الأولى: أن يحصل التردد منه بعد فراغه من الوضوء، أو ينوي رفض الوضوء بعد الفراغ منه:

فالصحيح عند الجمهور أن ذلك لا يؤثر في وضوئه([44].

ودليلهم: القياس على الصلاة والصوم والحج، فكما أنه لو رفض الصوم أو الصلاة أو الحج بعد فراغه منه، لم يبطل صومه ولا صلاته ولا حجه، فكذلك لا يبطل وضوءه.

وقيل: إن وضوءه يبطل، وهو وجه ثانٍ في مذهب الأئمة الثلاثة[45].

وتعليلهم: أن حكم الوضوء - وهو رفع الحدث - ما زال باقيًا، بدليل أنه يصح له أن يصلي به، بخلاف الصلاة والصوم والحج، فإنها تنقضي حسًّا بعد أدائها وخروج وقتها، والصحيح الأول.

الحالة الثانية: أن يتردد في الوضوء هل يتمه أو يقطعه؟ وهذا فيه تفصيل:

الأول: أن يحصل له التردد من أول الوضوء إلى آخره، فهذا وضوءه باطل على الصحيح؛ لأن التردد ينافي النية؛ لأن النية هي القصد إلى الشيء قصدًا جازمًا.

الثاني: أن يكون التردد حصل له أثناء الوضوء، فهو قد شرع في الوضوء، وهو جازم على رفع الحدث، وفي أثنائه حصل له التردد، ففي هذا خلاف بين أهل العلم:

فقيل: وضوءه باطل، وهو الصحيح من مذهب أحمد[46]، ووجه في مذهب الشافعية[47].

وقيل: لا يبطل الوضوء فيما مضى، وإذا أراد إتمام الطهارة قبل تطاول الفصل فلا بد من تجديد النية لما بقي، وهو مذهب المالكية[48]، والصحيح في مذهب الشافعية[49]، واختاره بعض الحنابلة[50]، وهذا أصح من القول الأول.

وهذا التفصيل بالنسبة للوضوء، وأما غيره من العبادات، فإن الحكم يختلف إذا خرج من النية قبل تمام العبادة، فهناك من العبادات ما يخرج منها قولاً واحدًا، فإذا نوى قطع الإيمان صار مرتدًّا، والعياذ بالله.

وإذا نوى الخروج من الحج أو العمرة بعد دخوله في النسك، لم يخرج منهما بهذه النية؛ لقوله تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) [البقرة : 196][51]، وسوف يأتي إن شاء الله تعالى بسط هذه المسألة في كتاب المناسك، بلغنا الله إياه بمنه وكرمه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] [الفرقان: 23].

[2] قال في مواهب الجليل (1/311): غسل الذمية وقع صحيحًا حال الكفر في حق الآدمي، ولم يقع عبادة، وصحة الغسل في حق الله تعالى لا تكون إلا بوقوع الغسل منها عبادة وقربة، والكفر لا يصح معه قربة بوجه. اهـ وانظر: الخرشي (1/75) حاشية الدسوقي (1/42)، حاشية الصاوي (1/37).

[3] كشاف القناع (1/85)، وقال أيضًا (1/90): ولا تجب النية في غسل الذمية للعذر، (ولا) تجب أيضًا (التسمية في غسل ذمية) كالنية، هذا أحد الوجهين، وصوَّبه في الإنصاف وتصحيح الفروع، وظاهر ما قدمه في الإنصاف في كتاب الطهارة اعتبارًا للتسمية، وهو ظاهر كلام المصنف هناك وتقدم. (ولا تتعبد) الذمية (به)؛ أي: بغسلها للحيض أو النفاس (لو أسلمت بعده)، فلا تصلي به، ولا تطوف، ولا تقرأ قرآنًا، ولا غير ذلك مما يتوقف على طهارة. قال القاضي: إنما يصح في حق الآدمي؛ لأن حقه لا يعتبر له النية، فيجب عوده إذا أسلمت، ولم يجز أن تصلي به، انتهى.

[4]قال السيوطي في الأشباه والنظائر (ص: 35): الذمية تحت المسلم يصح غسلها عن الحيض؛ ليحِلَّ وطؤها بلا خلاف للضرورة، ويشترط نيتها كما قطع به المتولي والرافعي في باب الوضوء، وصححه في التحقيق، كما لا يجزي الكافر العتق عن الكفارة إلا بنية العتق، وادعى في المهمات أن المجزوم به في الروضة وأصلها في النكاح عدم الاشتراط، وما ادَّعاه باطل، سببه سوء الفهم، فإن عبارة الروضة هناك: إذا طهرت الذمية من الحيض والنفاس ألزمها الزوج الاغتسال، فإن امتنعت أجبرها عليه واستباحها، وإن لم تنوِ للضرورة، كما يجبر المسلمة المجنونة، فقوله: "وإن لم تنو" بالتاء الفوقية، عائد إلى مسألة الامتناع، لا إلى أصل غسل الذمية، وحينئذٍ لا شك في أن نيتها لا تشترط، كالمسلمة المجنونة. وأما عدم اشتراط نية الزوج عند الامتناع والجنون، أو عدم اشتراط نيتها في غير حال الإجبار، فلا تعرض له في الكلام لا نفيًا ولا إثباتًا، بل في قوله في مسألة الامتناع: "استباحها وإن لم تنوِ للضرورة" ما يُشعِر بوجوب النية في غير حال الامتناع، وعجبت للإسنوي كيف غفل عن هذا؟ وكيف حكاه متابعوه عنه ساكتين عليه؟ والفهم من خير ما أوتي العبد. اهـ كلام السيوطي.

وقال العراقي في طرح التثريب (2/12): وأما الذمية الممتنعة فقال في شرح المهذب: الظاهر أنه على الوجهين في المجنونة، بل قد جزم ابن الرفعة في الكفاية في غسل الذمية لزوجها المسلم: أن المسلم هو الذي ينوي، ولكن الذي صححه النووي في التحقيق في الذمية غير الممتنعة اشتراط النية عليها نفسها، والله أعلم.

[5] الإنصاف (1/152).

[6] المجموع (1/374).

[7] كشاف القناع (1/85).

[8] أسهل المدارك (1/83، 98) القوانين الفقهية (ص: 19)، نهاية المحتاج (1/162)، تحفة الطلاب (1/65)، الروض المربع (1/33).

[9] قال ابن جزي في القوانين الفقهية (ص: 19): فإن تأخرت عن محلها أو تقدمت بكثير، بطَلت، وإن تقدمت بيسير، فقولان. اهـ

وقال في الفروع (1/143): ويجوز تقديمها بزمن يسير كالصلاة. اهـ، ويفهم منه أنه لا يجوز تقديمها بزمن كثير.

[10] شرح فتح القدير (1/266)، وجاء في البحر الرائق (1/292)

[11] البحر الرائق (1/291).

[12] المغني (1/279)، وذكر صاحب كشاف القناع شروطًا لجواز تقدم النية، بأن يكون العمل يسيرًا، ولم يفسخ النية، مع بقاء إسلامه بحيث لا يرتد، فإن الردة تبطل النية، انظر كشاف القناع (1/316).

[13] المجموع (3/242).

[14] المرجع السابق.

[15] قال البهوتي في كشاف القناع (1/316): وعلم مما تقدم أن النية لو تقدمت قبل وقت الأداء أو الراتبة ولو بيسير، لم يعتد بها، للخلاف في كونها ركنًا للصلاة، وهو لا يتقدم كبقية الأركان، وأولُ من اشترط لتقدم النية كونه في وقت المنوية: الخرقي، وتبعه على ذلك ابن الزاغوني والقاضي أبو يعلى وولده أبو الحسين وصاحب الرعاية والمستوعب والحاويين، وجزم به في الوجيز وغيره، ولم يذكر هذا الشرط أكثر الأصحاب؛ فإما لإهمالهم أو بناء منهم على الغالب، قال في الإنصاف: وظاهر كلام غيرهم - أي: غير من تقدم - الجواز، لكن لم أرَ الجواز صريحًا. اهـ

[16] [الحج: 78].

[17] رواه البخاري (1229)، ومسلم (573).

[18] [البينة: 5].

[19] قواعد ابن رجب: القاعدة الرابعة (1/24).

[20] المبسوط (1/10)، بدائع الصنائع (1/199)، مواهب الجليل (1/233)، حاشية الدسوقي (1/520)، حاشية الصاوي على الشرح الصغير (1/695، 696).

[21] المجموع (3/242)، وقال الزركشي في كتابه المنثور في القواعد (1/104): كل عبادة تجب أن تكون النية مقارنة لأولها، إلا الصوم والزكاة والكفارة. اهـ.

[22] كشاف القناع (1/316).

[23] قال ابن عابدين في حاشيته (2/377): وإن نوى مع طلوع الفجر، جاز؛ لأن الواجب قران النية بالصوم، لا تقدمها. اهـ، وانظر: تبيين الحقائق (1/316).

[24] قال في مواهب الجليل (2/418): ويشترط أن تكون النية مبيتة من الليل؛ للحديث المتقدم، ويصح أن يكون اقترانها مع الفجر؛ لأن الأصل في النية أن تكون مقارنة لأول العبادة، وإنما جوز الشرع تقديمها لمشقة تحرير الاقتران. اهـ

[25] المهذب (1/70). قال النووي في المجموع (6/303): الصحيح عند سائر المصنفين أنه لا يجوز - يعني: أن ينوي مع طلوع الفجر- قال: وهو قول أكثر أصحابنا المتقدمين، كما ذكره المصنف، وقطع به الماوردي والمحاملي في كتبه وآخرون، والمعتمد في دليله: ما ذكره المصنف. والغريب هنا: أن الشافعية الذين يوجبون أن تكون النية مقارنة للمنوي لم يطردوه في الصوم، بينما الجمهور الذين يجيزون تقدم النية على المنوي أجازوا هنا أن تكون النية مقارنة للمنوي في الصيام.

[26] الموطأ (1/288).

[27] سيأتي تخريج طرق حديث حفصة - إن شاء الله تعالى - في كتاب الصوم، وقد تكلَّم على المرفوع، وأنه لا يثبت كلٌّ من البخاري في التاريخ الأوسط (1/134)، ونقله الترمذي في العلل الكبير (1/348) وصوب وقفه النسائي في السنن الكبرى (2/117-118)، والدارقطني في العلل (5/ الورقة: 163).

[28] الفتاوى الكبرى (2/94).

[29] البحر الرائق (1/99).

[30] البحر الرائق (1/314)، حاشية ابن عابدين (2/292)، مواهب الجليل (2/418).

[31] المجموع (6/305).

[32] قال في الإنصاف (3/297): ويصح صوم النفل بنية من النهار قبل الزوال وبعده، هذا المذهب، نص عليه. قال في الفروع: وعليه أكثر الأصحاب. اهـ، وانظر نيل المآرب (1/345).

[33] قال في مواهب الجليل (2/418): شرط صحة الصوم مطلقًا، فرضًا كان أو نفلاً، معينًا أو غير معين - أن يكون بنية، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما الأعمال بالنيات))، ثم قال: وصفتها أن تكون مبيتة من الليل، ويصح أن يكون اقترانها مع الفجر، سواء كان صوم واجب أو تطوع.

[34] المحلى (3/429).

[35] المجموع (6/305).

[36] حاشية الدسوقي (1/94)، منح الجليل (1/50)، مواهب الجليل (1/239).

[37]حاشيتا قليبوبي وعميرة (1/45).

[38] قال في الإنصاف (3/296): لو قال: أنا صائم غدًا إن شاء الله تعالى، فإن قصد بالمشيئة الشك والتردد في العزم والقصد، فسدت نيته، وإلا لم تفسد.

[39] انظر العزو إليهم في مسألة "حكم النية"، وقد مر معنا في هذا الباب.

[40] حاشية الدسوقي (1/94)، وجاء في التاج والإكليل (1/343)

[41] المجموع (1/374).

[42] ذكر صاحب الإنصاف (3/295) أن هذا القول رواية عن أحمد، ورجحها ابن تيمية، قال في الإنصاف: وهو المختار.

[43] المجموع (1/375).

[44] قال صاحب "البيان في مذهب الشافعي" (1/106): إذا فرغ من الطهارة، ثم نوى قطعها، ففيه وجهان:

أحدهما - وهو المشهور -: أن طهارته لا تبطل، كما لو فرغ من الصلاة، ثم نوى قطعها.

والثاني: حكاه الصيدلاني: أن طهارته تبطل، كما لو ارتد. اهـ الإنصاف (1/151)، المبدع (1/120)، الشرح الكبير على المقنع (1/53،54).

[45] انظر المراجع السابقة.

[46] قال في الإنصاف (1/151): لو أبطل النية في أثناء الطهارة، بطل ما مضى منها على الصحيح من المذهب، اختاره ابن عقيل والمجد في شرحه، وقدمه في الرعايتين والحاويين. اهـ

[47] البيان في مذهب الشافعي (1/106).

[48] مواهب الجليل (1/241)، والتاج والإكليل (1/239) بهامش المواهب.

[49] انظر البيان في مذهب الشافعي (1/106)،

[50] قال في الإنصاف (1/151) وقيل: لا يبطل ما مضى منها، جزم به المصنف في المغني، لكن إن غسل الباقي بنية أخرى قبل طول الفصل صحت طهارته، وإن طالت انبنى على وجوب المولاة. اهـ

[51] [البقرة: 196].

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة