محمد رسول الله روعة الأخلاق (الحياء)
عدد القراءات : 257

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله -صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم-.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102] (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

الحياء هو تغير في النفس، وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، شعور يجعل الإنسان يتعفف من فعل خوارم المروءة، وقبائح الأعمال والعادات، والحياء خُلق محمود أول ما يذكر يظن به المدح رجل حيي ذو حياء، وهو كذلك إذا كان في سياقه الصحيح.

أما إذا كان الحياء مانعاً من السنن، أو من فضائل الأعمال، أو مانعًا من النهي بالمنكر، أو من الأمر بالمعروف، فليس حياء محمودًا، بل ليس حياء مطلقًا إلا على سبيل اللغة، وإنما هو ضعف وعجز، وقد قال الله سبحانه: (وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) [الأحزاب: 53].

وذهاب الحياء عقوبة، يقول ابن القيم: "من عقوبات المعاصي: ذهاب الحياء الذي هو مادة حياة القلب، وهو أصل كل خير، وذهابه ذهاب الخير أجمع، فقد جاء في السنن من حديث أبي قتادة قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ)).

وفي الصحيح من حديث عمران بن حصين قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((الحياء لا يأتي إلا بخير)).

والحياء خُلق لازم للنبي -صلى الله عليه وسلم- مكتسب وفطري، في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد قال: "كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا كره شيء عرفناه في وجهه" من شدة حيائه ووقاره ودماثة خُلقه يُرى أثر كراهة الشيء في تغير وجهه، دون أن يتكلم فنفهم نحن كراهته.

النبي -صلى الله عليه وسلم- كريم ذو أدب رفيع، يستحي أن يتسبب في ضيق أو حرج لأحد من المسلمين، ولو على حساب راحته -عليه الصلاة والسلام-.

في صحيح البخاري من حديث أنس -رضي الله عنه- قال: "بني على النبي -صلى الله عليه وسلم- بزينب بن جحش بخبز ولحم، فأُرسلت على الطعام داعيًا –أي: أرسلني النبي -صلى الله عليه وسلم- لأدعو الناس للطعام- فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون، ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون، فدعوت حتى ما أجد أحدًا أدعوه.

وفي رواية حميد: "فأشبع المسلمين خبزاً ولحماً، فقلت: يا نبي الله ما أجد أحدًا أدعوه" قال: ((ارفعوا طعامكم)) وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت، فخرج النبي -صلى الله عليه وسلم-، فانطلق إلى حجرة عائشة، فقال: ((السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله)) فقالت: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك بارك الله لك، فتقرى –أي تتبع الحُجَر- حجر نسائه كلهن يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة، ثم رجع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإذا ثلاثة من رهط في البيت يتحدثون، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- شديد الحياء".

في رواية أبي قلابة: "فجعل يخرج، ثم يرجع، وهم قعود يتحدثون، يخرج ويرجع وهم قعود يتحدثون، فخرج منطلقاً نحو حجرة عائشة، فما أدري أخبرته أم أُخبر أن القوم خرجوا، فرجع حتى إذا وضع رِجْله في أسكفة الباب داخلة وأخرى خارجة، أرخى الستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا * إِن تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) [الأحزاب: 53- 54].

(إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ) يستحي منكم، سبحان الله ما هذا الخُلق وهذا الحياء؟! هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إمام الأمة وقائدها، ومع ذلك يستحي أن يطلب منهما الانصراف.

ويكفي بذلك شهادة ربه له وإرشاده -جل وعلا- المسلمين بمراعاة هذه الخصلة الكريمة فيه -صلى الله عليه- فلا يثقل عليه لأنه حيي، قال تعالى: (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ) راعوا هذه الخصلة فيه، راعوا حياءه ودماثة أخلاقه، حيي -صلى الله عليه وسلم- حتى أنه لا يمعن في دقائق شؤون النساء إلا بمشقة.

في صحيح البخاري عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أن امرأة سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- عن غسلها من المحيض، فأمرها كيف تغتسل ((خُذِي فِرْصَةً –أي قطعة من القطن- مِنْ مِسْكٍ –أي مطيبة بمسك- فَتَطَهَّرِي بِهَا)) فَقَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ قَالَ: فَاسْتَتَرَ هَكَذَا، أَوْ قَالَ: ((سُبْحَانَ اللَّهِ! تَطَهَّرِي بِهَا)) قَالَتْ عَائِشَةُ: فَاجْتَذَبْتُهَا إِلَيَّ وَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ".

وعند النسائي قالت: وكيف أتطهر بها؟ فاستتر بوجهه، ثم قال: ((سبحان الله تطهري بها)) تقول عائشة -رضي الله عنها-: " فاجتبذتُها إليَّ" أيْ: جررتها إليَّ بقوة، فقلت: "تتبعي بها أثر الدم".

هكذا هو النبي عند المواقف الحساسة أعرض بوجهه عند قوله: ((تطهري)) وكان يقصد في المحل الذي يُستحى من مواجهة المرأة التصريح به، فعف لسانه، وكرر نفس الكلام للتلميح، فقال: ((سبحان الله!)) واكتفى بلسان الحال عن لسان المقال، وفهمت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- ذلك فتولت عنه تعليمها.

معاشر الإخوة:

الحياء أوجه ثلاثة، يقول الماوردي: "الحياء في الإنسان ثلاثة أوجه؛ أحدها: حياؤه من الله تعالى، والثاني: حياؤه من الناس، والثالث: حياؤه من نفسه، والناس في هذا يتفاوتون والرابح من تأسى بأخلاق النبوة، واعتنى بذلك أشد عناية".

حسن الخلق بعد تقوى الله –تعالى- من أكثر ما يدخل المسلم الجنة، كما صح عنه -صلى الله عليه وسلم- والنبي -صلى الله عليه وسلم- جمع في أخلاقه مع ربه بين الحياء والشكر، والتعظيم والتوقير، والخوف والرهبة، جمع بين هذه الأخلاق كلها.

عن أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ((فُرِجَ عَنْ سَقْفِ بَيْتِي وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ عَنْ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ ممتلئ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إِلَى السّمَاءِ الدُّنْيَا، فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ، قَالَ: مَنْ هذَا؟ قَالَ: هذَا جِبْرِيلُ، قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ مَعِي مُحَمَّدٌ -صلى الله عليه وسلم-، فَقَالَ: أَوَ أُرْسِلَ إِلَيْهِ قَالَ: نَعَمْ؛ فَلَمَّا فَتَحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ، عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَسَارِهِ بَكَى، فَقَالَ مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، وَالاِبْنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هذَا؟ قَالَ: هذَا آدَمُ، وَهذِهِ الأَسْوِدَةَ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ؛ فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، حَتَّى عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ، فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُ؛ فَفَتَحَ قَالَ أَنَسٌ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّموَاتِ آدَمَ وَإِدْرِيسَ وَمُوسَى وَعيسَى وَإِبْرَاهِيمَ -صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ-، وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ؛ غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، قَالَ أنَسٌ: فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- بِإِدْرِيسَ قَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، وَالأَخِ الصَّالِحِ فَقُلْتُ: مَنْ هذَا؟ قَالَ: هذَا إِدْرِيسُ.

ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، وَالأَخِ الصَّالِحِ؛ قُلْتُ: مَنْ هذَا؟ قَالَ: هذَا مُوسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى، فَقَالَ: مَرْحَبَاً بِالأَخِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ؛ قُلْتُ: مَنْ هذَا؟ قَالَ: هذَا عِيسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، وَالاِبْنِ الصَّالِحِ؛ قُلْتُ: مَنْ هذَا؟ قَالَ: هذَا إِبْرَاهِيمُ -صلى الله عليه وسلم-.

ثُمَّ عُرِجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوَى أَسْمَعُ فِيهِ صَريفَ الأَقْلاَمِ، فَفَرَضَ اللهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلاَةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ، قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلاَةً، قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعَنِي فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا؛ فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ، فَرَاجَعْتُ فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُهُ، فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ، وَهِيَ خَمْسُونَ لاَ يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ رَاجِعْ رَبَّكَ، فَقُلْتُ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي.

ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لاَ أَدْرِي مَا هِيَ ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ)) هكذا الحديث، وهكذا النبي -صلى الله عليه وسلم- في حيائه من ربه يجلله في السماء السابعة.

وفي صحيح مسلم عن أم المؤمنين عائشة قالت كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه، فقلت له: يا رسول الله! تصنع هذا وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! فقال ((يا عائشة أفلا أكون عبداً شكوراً)).

فهو -صلى الله عليه وسلم- يشكر الله ربه بإطالة الصلاة بالليل، كما قال –تعالى-: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ: 13].

عن ثابت البناني قال: "كان داود -عليه السلام- قد جزّأ على أهله وولده ونسائه الصلاة، فكان لا تأتي عليهم ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي، فغمرتهم هذه الآية".

وهو أيضًا -عليه الصلاة والسلام- يستحي أن ينام كل ليلة دون أن يكون لطاعة الله حظ من ليلته ((أفلا أكون عبداً شكوراً)).

بعد كل هذا الإنعام والاصطفاء والتكريم بالرسالة "أفلا أكون عبداً شكوراً" فحياء النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يمنعه من نصح أمته بالتزام الحياء؛ لأن دين الإسلام هو دين الله الحق، ولا يليق بأهل الدين الحق أن يفتقروا لهذا الخُلق.

في السنن عن عقبة بن عمرو قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إن مما أدرك الناسَ من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت)).

الحياء من الله –تعالى- من معصيته في الخلوات، الحياء من الناس مما يقدح في المروءة؛ من نوع اللباس، أو قصات الشعر، أو أسلوب الكلام، أو السفه البليد، الحياء من النفس أن تكون منفلتة تفعل ما تهواه بلا رادع.

لقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- قبسًا منيرًا في هذا الخُلق الكريم، فلعنا نلتمس منه شيئًا نلتمس من ذلك النور شيئًا.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين...

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة