التأويل الباطني
عدد القراءات : 138

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

لون من ألوان الصد عن الإسلام، ووسيلة خبيثة لصرف الناس عنه، وغاية يُسعى من خلالها لطمس معالمه، وستر جماله، ويسره، ووضوحه.

فالإسلام دين واضح ميسور، وأدلته المستقاة من الكتاب والسنة تسبق إلى الأفهام ببادئ الرأي، وأول النظر؛ فهي سائغة جلية تقنع العقول، وتسكن النفوس، وتغرس الاعتقادات الصحيحة الجازمة الملائمة للفطرة في القلوب.

والتأويل الباطني يخالف ذلك، وينبذه وراء ظهره.

والحديث عن التأويل الباطني سيكون حول المسائل التالية:

أولاً: تعريف التأويل الباطني:

أ- تعريفه في اللغة: هذا المصطلح يتركب من كلمتين (التأويل): ومعناه يدور حول التفسير، والمصير، والعاقبة وغيرها من المعاني.

و(الباطني): وأصل هذه الكلمة مادة بَطْن، وهو خلاف الظهر، والباطن: اسم فاعل وهو ضد الظاهر(1).

ب- المعنى الاصطلاحي للتأويل الباطني: هو الزعم بأن لنصوص الشرع ظاهراً وباطناً.

هذا تعريف مختصر، وهناك تعريفات أوسع وأشمل تبين معنى ذلك، وسبب الأخذ به، ومنها تعريف من يقول إنه: "تفسير الكتب المقدسة تفسيراً رمزياً، أو مجازياً يكشف عن معانيها.

فالشريعة -كما يقول بعضهم- مشتملة على ظاهر وباطن؛ لاختلاف فطر الناس، وتباين قرائحهم في التصديق؛ فكان لا بد من إخراج النص من دلالته الظاهرية إلى دلالته الباطنية بطريق التأويل؛ فالظاهر هو الصور والأمثال المضروبة للمعاني، والباطن هو المعاني الخفية التي لا تتجلى إلا لأهل البرهان؛ فالتأويل -في نظرهم- هو الطريقة المؤدية إلى رفع التعارض بين ظاهر الأقاويل وباطنها"(2).

ثانياً: سبب التسمية:

لعل التعريفين السابقين قد بينا سبب التسمية؛ فالباطنية سميت بذلك لأخذهم بالتفسير أو التأويل الباطني.

فكل من أخذ به سمي باطنياً، وكل طائفة أخذت به دخلت في مسمى الفرق الباطنية.

ثالثاً: طوائف الباطنية:

الباطنية مسمى واسع، ويدخل تحته فرق كثيرة، وتكاد تنحصر في طائفتين، ويدخل تحت كل طائفة فرق عديدة.

الطائفة الأولى: باطنية تتظاهر بحب آل البيت، وتبطن الكفر، وتزعم أن للنصوص ظاهراً علمه الرسول -صلى الله عليه وسلم- لأمته، وباطناً علمه علياً -رضي الله عنه- وبلغه علي سراً إلى الأئمة من بعده.

ويدخل تحت هذه الطائفة فرق عديدة كالشيعة الإمامية، والإسماعيلية، والنصيرية، والدروز، والبابية، والبهائية، وسائر الفرق الباطنية التي انبثقت من الشيعة الاثني عشرية.

الطائفة الثانية: وهي التي تتظاهر بحب النبي -صلى الله عليه وسلم- وهم غلاة الصوفية القائلين بتقسيم الدين إلى حقيقة وشريعة.

فالشريعة عندهم: أحكام الدين الظاهرة، أو الأحكام التكليفية.

والحقيقة: هي ما وراء هذه الأحكام من إشارات وأسرار؛ فإذا وصل العابد إلى الحقيقة لم يحتج معها إلى القيام بأمور الشرع.

هاتان هما طائفتا التأويل الباطني على وجه الإجمال، وسيأتي مزيد بيان وأمثلة على ذلك.

رابعاً: هدفهم من القول بالتأويل الباطني:

قد تبين فيما مضى شيء من ذلك، ويمكن إجماله فيما يلي:

1- إبطال الشرائع.

2- ترويج الباطل.

3- إضفاء الصبغة الشرعية على ما يقولون، وإيهام الناس أن آراءهم متفقة مع نصوص الشرع.

وبذلك صارت تلك الطوائف تأخذ بالتأويل الباطني لنصوص القرآن.

وتزعم أن من تقاعد عَقْلُه عن الغوص في الخفايا والأسرار، والبواطن والأغوار، وقنع بظواهرها - كان تحت الآصار والأغلال.

وأرادوا بالأغلال: التكاليف الشرعية؛ لأن من ارتقى إلى علم الباطن -بزعمهم- سقطت عنه التكاليف، واستراح من أعبائها(3).

ومن هنا جاؤوا بتأويلات باطلة لا تستند إلى شرع، ولا عقل، ولا عرف، ولا لغة، بل إنها تخالف ذلك كله -كما سيأتي بيان ذلك-.

خامساً: مصادر الفكر الباطني:

مصادر الفكر الباطني ليست من الإسلام في شيء، وإنما هي أفكار دخيلة على عقائد الإسلام؛ فهي مستقاة من الفلسفة اليونانية والهندية، ومن الديانات المجوسية، واليهودية، والنصرانية، وغيرها.

وقد تستر أصحابها بحب آل البيت تارة، وبحب النبي -صلى الله عليه وسلم- تارة.

وأرادوا من ذلك هدم المجتمع الإسلامي، وزعزعة أمنه، وإفساد عقيدته.

والمجال لا يتسع لتفصيل ذلك(4).

سادساً: بطلان القول بالتأويل الباطني:

لا شك أن للقرآن العظيم أسرارَه العظيمةَ، ولفتاتِهِ الباهرةَ، وإيماءاتِه، وإيحاءاتِه.

ولا ريب أنه بحر عظيم لا تنفد كنوزه، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء.

ولكن ذلك كله منوط بما يتسع له اللفظ، ويشهد له الدليل الصحيح، ولا يخرج عن إطار المعنى العام، وأن يكون ذلك عن علم وبصيرة لا عن تخرص وهوى.

ولكن دعوى أولئك الباطنيين بعيدة كل البعد عن هذا المقصد؛ فهي تأويلات -كما سيأتي- لا تتصل بمدلول الألفاظ، ولا بمفهومها، ولا بالسياق القرآني.

بل هي مخالفة للنص القرآني تماماً، باحثة في كتاب الله عن أصل تتشبث به؛ ليؤيد شذوذهم، وغاياتهم في الصد عن كتاب الله ودينه.

وحاصل هذا الاتجاه الباطني في تأويل نصوص الشريعة هو الانحلال عن الدينِ.

وعمومُ البشر على اختلاف لغاتهم يعدون ظاهر الكلام هو العمدة في المعنى.

وأما أسلوب التعمية والإلغاز فلا وجود له إلا في الفكر الباطني.

ولو اتُّخِذ هذا الأسلوبُ قاعدةً لما أمكن التفاهم بحال، ولما حصل الثقة بمقال؛ لأن المعاني الباطنية لا ضابط لها ولا نظام.

هذا في الكلام عموماً؛ فكيف بكلام الله المنزل، الذي وصفه الله -عز وجل- بأنه "بيان للناس".

وفي الناس عالمون، وجاهلون، ومنهم أميون، وكاتبون قارئون.

ولكن الله جعله بياناً لهم جميعاً، مُيَسَّراً للذكر؛ ليعبد الناس ربهم على بصيرة.

والمتأمل لمقالة التأويل الباطني يدرك خطورتها في تفسير القرآن، وأنها تقتضي بطلان الثقة بالألفاظ، وتسقط الانتفاع بكلام الله ورسوله، ويصير ما يسبق إلى الفهم لا يوثق به.

وبهذا الطريق يحاول الباطنية التوصل إلى هدم الشريعة بتأويل ظواهرها، وتنزيلها على رأيهم دون ضابط، أو رادع.

ولو كانت تلك التأويلات الباطنية هي معاني القرآن ودلالاته لما تحقق الإعجاز، ولكان من قبيل الإلغاز(5).

سابعاً: نماذج من التأويلات الباطنية عند الشيعة:

كما انحرف الشيعة في القرآن، وقالوا إنه بُدِّل وحُرِّف انحرفوا في تأويله وتفسيره؛ حيث تضمنت كتب التفسير عند الشيعة - والتي يزعمون تلقيها عن آل البيت - تأويلاتٍ باطنيةً لآيات القرآن، وتلك التأويلات لا تتصل بمدلولات الألفاظ، ولا بالسياق القرآني، ولا بمفهوم اللغة العربية.

ومن العجيب أن تُسند هذه الأكاذيب إلى آل البيت، ويُسند معظمُها إلى جعفر الصادق -رحمه الله-.

وهي في حقيقة الأمر طعن مُبَطَّن في الآل، كما أنها إلحاد في آيات الله، وصد عن سبيله، ولكنهم أسندوها لآل البيت؛ لينخدع بها الأغرار(6).

"وهذه التأويلات مدونة في تفاسيرهم المعتبرة عندهم، كتفسير القمي، وتفسير العياشي، وتفسير البرهان، وتفسير الصافي، كما أن كتبهم في الحديث قد أخذت من تلكم التأويلات بقسط وافر، وعلى رأسها أصول الكافي للكليني، والبحار للمجلسي، وغيرهما.

ويرى بعض الباحثين أن أول كتاب وضع الأساس الشيعي في التفسير هو تفسير القرآن الذي وضعه في القرن الثاني للهجرة جابر الجعفي (ت128هـ).

فكان هذا نواةً لتفسير شيعي سرعان ما اتسع وأغرق في باطنيته"(7).

وفيما يلي من أسطر أمثلة وشواهد لبعض تلك التأويلات(8):

1- ما ورد في كتاب الله من آيات تتحدث عن القرآن يفسرونها بالأئمة:

فقوله - سبحانه -: (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا) (التغابن: 8).

يقولون: "النور: نور الأئمة".

ويفسرون قوله - سبحانه -: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ) (الإسراء: 9).

بقولهم: يهدي إلى الإمام.

2- يفسرون ما ورد في الآيات من لفظ النور ونحوه بالأئمة بلا أدنى دلالة.

يروي الكليني عن أبي عبد الله - جعفر الصادق - في قوله -تعالى-: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ) (النور: 35): فاطمة -عليها السلام- (فِيهَا مِصْبَاحٌ): الحسن (الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ): الحسين (الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ): فاطمة كوكب دري بين نساء أهل الدنيا (يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ): إبراهيم - عليه السلام – (زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ): لا يهودية ولا نصرانية (يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ): يكاد العلم ينفجر بها (وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ): إمام بعد إمام (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ): يهدي الله للأئمة من يشاء.

(وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً) (النور: 40): إماماً من ولد فاطمة - عليها السلام – (فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ): إمام يوم القيامة.

3- يؤولون ما جاء في كتاب الله - من النهي عن الشرك والكفر - بالشرك في ولاية علي، أو الكفر بولاية علي.

4- يؤولون ما جاء في عبادة الله - وحده - واجتناب الطاغوت بولاية الأئمة، والبراءة من أعدائهم.

5- يؤولون بعض الآيات الواردة في الصلاة بالأئمة والإمامة:

عن زرارة عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله - عليه السلام - في قوله: (حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ) (238)) (البقرة) قال: الصلاة: رسول الله، وأمير المؤمنين والحسن والحسين، والوسطى أمير المؤمنين (وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ) طائعين للأئمة.

6- يؤولون ما ورد في كتاب الله عن المؤمنين، وولاة الأمر، وأهل الذكر بالأئمة.

7- والأئمة - عندهم - هم آيات الله الكونية، ومخلوقاته، وآلاؤه.

8- وهم الراسخون في العلم، وهم الذين أوتوا العلم.

9- والأئمة وشيعتهم هم الذين يعلمون، وهم أولوا الألباب

10- والأئمة هم نعمة الله التي ذكرها في كتابه.

11- وهم آيات الله، والسبع المثاني، والصافون، والمسبحون.

12- وهم النبأ العظيم.

13- والآيات المحكمات.

14- وهم العلامات التي ذكرها الله في كتابه.

15- وولايتهم هي الطريقة المذكورة في قوله - سبحانه -: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَاء غَدَقاً) (الجن: 16).

16- بل إن تأويلهم الكثير من آيات القرآن بالإمامة يربو على الحصر، وكأن القرآن لم ينزل إلا فيهم، بل إن تأويلهم للآيات بالإمامة والأئمة تجاوز حدود الشرع والعقل، ونزل إلى درك من العته والبله الذي لا تفسير له سوى أنه محاولة للهزء والسخرية بآيات الله حتى إنهم ليقولون:

17- الأئمة هم النحل في قوله - سبحانه -: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ) (النحل: 68).

18- وهم الحفدة في قوله -تعالى-: (وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً) (النحل: 72).

19- وعلي هو سبيل الله في قوله - سبحانه -: (وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ) (إبراهيم: 3).

20- وهو الحسرة على الكافرين في قوله -سبحانه-: (وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ) (الحاقة:50).

21- وهو حق اليقين في قوله -سبحانه-: (وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ) (الحاقة:51).

22- وهو الصراط المستقيم في قوله -سبحانه-: (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) (الفاتحة:6).

23- وهو الهدى في قوله: (فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (38) (البقرة).

24- والأئمة هم الأيام والشهور.

25- وهم بنو إسرائيل في قوله - سبحانه -: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) (البقرة:40).

26- وهم الأسماء الحسنى التي يدعى الله بها.

27- وهم الماء المعين، والبئر المعطلة، والقصر المشيد.

28- وهم السحاب، والمطر، والفواكه، وسائر المنافع الظاهرة بعلمهم وبركتهم.

29- وهم الصلاة، والزكاة، والحج، وسائر الطاعات، وأعداؤهم الفواحش والمعاصي.

30- وهم حرمات الله، وأنوار الله.

31- وهم خير أمة أخرجت للناس.

32- وهم المظلومون، والمستضعفون.

33- وهم أهل الأعراف، وهم الوالدون، والولد، والأرحام، وذوو القربى.

34- وهم الكعبة والقبلة.

35- وهم اللؤلؤ والمرجان.

36- يتأولون الآيات الواردة في الكفار والمنافقين بخيار صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلى رأسهم أبو بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم -.

37- يفسرون الجبت والطاغوت بأبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-.

38- يفسرون خطوات الشيطان بأنها ولاية أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-.

39- قالوا في تفسير قوله - تعالى -: (أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً) (الكهف:95) قالوا: (التقية).

40- يفسرون الآيات التي في الآخرة - بالرجعة.

كل ما مضى من أمثلة لتأويلاتهم للقرآن، تدل على تعسفهم في فهم آياته، وعلى إغراقهم في التأويل الباطني، الذي لا تربطه بالآيات أدنى صلة، وكأن القرآن لم ينزل بلسان عربي مبين، ولم يجعله الله دستوراً لخلقه أجمعين.

وهذه التمحلات ليست من قبيل الخطأ في الرأي، والزلل في فهم الآيات، وإنما هي مؤامرة مدبرة ضد الإسلام، وخطة محبوكة لإلغاء هداية القرآن للناس، وكأنها جاءت تالية لإخفاق مؤامرة التحريف التي ادعوها في كتاب الله، ولكن الله متم نوره ولو كره الكافرون(9).

ثامناً: نماذج من تأويلات النصيرية: التأويل الباطني هو أحد مرتكزات العقيدة النصيرية، ويزعم النصيريون أنهم وحدهم هم العالمون ببواطن الأسرار والأمور "وفي اعتقاد النصيرية أن معرفة المراتب ظاهراً وباطناً هو ذروة العبادة وتُغْنيهم عن الفروض والعبادات؛ لأنها في نظرهم أغلال للجاهلين والمقصِّرين"(10).

فالنصيريون يرون أن "من عرف الباطن سقط عنه عمل الظاهر وخرج من حد المملوكية ورق العبودية إلى حد الحرية"(11).

ومن هذا المنطلق ذهب النصيريون إلى تأويل العبادات كلها تأويلاً بعيداً عن فهم العقل، ومنطق اللغة، ومنهج الدين(12).

وإليك بعض تأويلاتهم:

1- الشهادة: التي هي أول ركن من أركان الإسلام ما هي عند النصيرية؟

"هي أن تشير إلى صيغة (ع - م - س) التي هي رموز لـ: علي بن أبي طالب-رضي الله عنه- ومحمد -صلى الله عليه وسلم- وسلمان الفارسي -رضي الله عنه- على الترتيب"(13).

2- الصلاة: وهي الركن الثاني من أركان الإسلام، وهي عمود الدين ما هي عند النصيرية؟

"يزعمون - إجمالاً - أنها معرفة النصيريين بأسرار دينهم، وهذا لا يكون إلا بالولاء لخمسة أشخاص هم: علي، ومحمد، والحسن، والحسين، وفاطمة التي يدعونها بـ فاطر، وهؤلاء الخمسة معروفون في المذهب النصيري بنعت: الخمسة المصطفون".

أو يذكرون: بدلاً من محمد: محسن.

3- الصيام: الصيام المفروض عندهم هو كتمان أسرارهم، وهو -أيضاً- حفظ السر المتعلق بثلاثين رجلاً تمثلهم أيام رمضان، وثلاثين امرأة تمثلهن ليالي رمضان، فمعرفة هذه الأسماء الستين وتلاوتها يجزيهم عن الصيام".

4- الزكاة: "أما الزكاة عندهم فهي رمز لسلمان الفارسي" فمجرد ذكر سلمان الفارسي يغني عن دفع الزكاة.

5- الحج: أما الحج "فيزعمون أن جميع مناسكه وشعائره ما هي إلا رموز لأشخاص معينة، وما الحج عندهم إلا مجرد التوصل إلى معرفة الأشخاص بأسمائهم".

يقول سليمان الأذني صاحب الباكورة السليمانية في تفسير السورة الرابعة عشرة واسمها البيت المعمور: "اعلم أن هذه السورة قد رتبها سلفاؤهم بإقامة الحج وهو أن البيت المعمور به في القرآن زيارته، وأركان البيت وسقفه وحيطانه هو كناية عن معرفة أولئك الأشخاص كقول الشيخ إبراهيم الطوسي في عينيته :

أيا قلب بيت الله وهو حجابه ***وأما الصفي المقداد للضد قامع

ومروة مذكور أبو الدر شخصها***شعايره سلسل إلى الذات خاضع

وعتباته الحاءات أيا قلب شخصها***وحلقة باب البيت جعفر طالع

 البيت هو: الحجاب السيد الميم، والصفي هو: المقداد، والعتبتان هما: الحسن والحسين، وحلقة الباب هي: معرفة جعفر الصادق، والمروة: معرفة أبي الدر، والمشعر الحرام: معرفة سلمان الفارسي، ويوجد ذلك مصرحاً في أكثر كتبهم، ومعرفة هؤلاء الأشخاص وهو نهاية حجهم ومعنى معرفتهم.

وأما سعي المسلمين إلى مكة فهو باطل عندهم ومذموم كما قال بعض شيوخهم في هذا المعنى:

ولقد لعنت لمن يحرم شربها ***وجميع أهل الشام والحجاج"(14)

 6- الجهاد: أما الجهاد عند النصيرية فهو على نوعين ذكرها صاحب الباكورة السليمانية "أولها الشتائم على أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم، وعلى جميع الطوائف المعتقدين بأن علي بن أبي طالب أو الأنبياء، أكلوا، أو شربوا، أو تزوجوا، أو ولدوا من نساء؛ لأن النصيرية يعتقدون بأنهم نزلوا من السماء بدون أجسام، وأن الأجسام التي كانوا فيها إنما هي أشياء، وليست هي بالحقيقة أجسام.

والنوع الثاني إخفاء مذهبهم عن غيرهم، ولا يظهرونه ولو أصبحوا في أعظم خطر، ولو خطر الموت"(15).

7- الجنابة: "هي موالاة الأضداد والخصوم والجهل بالعلم الباطني"(16).

8- الطهارة: "هي معاداة الأضداد والخصوم ومعرفة العلم الباطني"(17).

يقول الدكتور محمد الخطيب معلقاً على تلك التأويلات الباطنية: "وهكذا نتبين أن جميع الفرائض والعبادات الإسلامية لا اعتبار لها عند هذه الطائفة بأفعالها وأعمالها الظاهرة، وإنما ذِكْر بعض الأشخاص يغني عن كل هذه الأعمال التي يقوم بها الجهلة المقصرون من أهل الظاهر.

وهذا يفسر لنا عدم وجود المساجد في قراهم ومدنهم؛ حيث يقيمون الصلاة في أماكن خاصة وسرية؛ لأن الصلاة -كما ذكرنا من قبل- لا تُؤدَّى وفق الأسلوب المعروف عند المسلمين، ولكنها مجموعة رموز تدل على أشخاص معينين يرددها النصيري في مواقف العبادة والابتهال"(18).

ويضيف قائلاً: "ولهذا فهم لا يشترطون الطهارة في صلاتهم هذه؛ فالجماع، والاحتلام لا يفسدان الطهارة، وإنما الذي يفسدها موالاة الأضداد، والجهل بالعلم الباطني؛ فتكون الطهارة -إذن- معاداة الأضداد، ومعرفة العلم الباطني"(19).

9- يوم القيامة: "أما يوم القيامة عندهم فهو ظهور القائم (محمد بن الحسن العسكري) الذي يقتل جميع أعدائهم"(20).

تاسعاً: مثال من تقسيم الدين إلى شريعة وحقيقة عند الصوفية:

يقول عبد الكريم الجيلي، وهو من أهل وحدة الوجود، والقائلين بوحدة الأديان:

وأسلمت نفسي حيث أسلمني الهوى *** ومالي عن حكم الحبيب تنازعُ

فطوراً تراني في المساجد راكعاً***وأنيَ طوراً في الكنائس راتعُ

إذا كنت في حكم الشريعة عاصياً*** فإنيَ في حكم الحقيقة طائعُ(21)

 يقول: إذا كانت الشريعة تحظر علي أن أجمع بين تلك الأديان على تباينها - فإن حكم الحقيقة علي هو أني طائع لا عاص.

وسيأتي مزيد أمثلة على ذلك في المبحث الآتي (الحلول والاتحاد).

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)- انظر لسان العرب 13/53-54.

(2)- المعجم الفلسفي د. جميل صليبا 1/234، وانظر الحركات الباطنية د. محمد الخطيب ص30.

(3)- انظر فضائح الباطنية لأبي حامد الغزالي ص11-12، والحركات الباطنية ص30.

(4)- انظر الحركات الباطنية ص36-45.

(5)- انظر فتح الباري لابن حجر 1/216، وهذه هي الصوفية ص70-71، وأصول مذهب الشيعة د. ناصر القفاري 1/153-154.

(6)- انظر مسألة التقريب 1/214.

(7)- مسألة التقريب 1/215.

(8)- انظر منهاج السنة 7/244-296، ومسألة التقريب 1/214-246، وأصول مذهب الشيعة 1/150-199.

(9)- انظر مسألة التقريب 1/240-241.

(10)- الحركات الباطنية ص349.

(11)- النصيرية د. سهير الفيل ص87.

(12)- انظر الحركات الباطنية ص66، وكشف أسرار الباطنية للشيخ محمد بن مالك بن أبي الفضائل الحمادي اليمني ص55.

(13)- النصيرية ص87.

(14)- الباكورة السليمانية في كشف أسرار الديانة النصيرية العلوية لسليمان أفندي الأذني ص40ـ41.

(15)- الباكورة السليمانية ص34ـ35.

(16)- 3- النصيرية ص91.

(17)- المصدر السابق

(18)- الحركات الباطنية ص 392ـ393.

(19) - الحركات الباطنية ص 392ـ393.

(20)- نفس المرجع ص375.

(21)- هذه هي الصوفية للشيخ عبد الرحمن الوكيل ص96.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة