الأعداء الثلاثة .. الهوى عدو الإنسان الثاني
عدد القراءات : 54

الخطبة الأولى:

الهوى: هو مَيل النفس إلى الشيء، وميل الطبْع إلى ما يُلائمه، وسُمِّي: هوى؛ لأنه يَهوي بصاحبه.

والهوى كما قيل: يُعمي ويصمُّ، يُعمي عن النظر في الحق وإن كان مشهوراً، ويصمُّ عن سماعه وإن كان واضحاً؛ لأن الهوى يسيطر على البصر، والسمع، ويصبح هو المتصرِّف، والمُسيطِر، ويصبح صاحبُه إنما يأتمر بهواه (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)[الحج:46].

ولذا، فإن صاحب الهوى يظلُّ يتخبَّط في مهاوي التِّيه والضَّلال لا يَعرف معروفاً، ولا يُنكر منكراً، بل يرى المعروف منكراً، ويرى المنكر معروفاً، لا يُحقُّ حقّاً، ولا يُبطل باطلاً، إلا ما أُشرِب مِن هواه قال ابن كثير - رحمه الله - في قول الله - تعالى -: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ)[الجاثية:23] أي: إنما يأتمر بهواه، فما رآه حسناً فعله، وما رآه قبيحاً ترَكه، ثم قال - تعالى -: (وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً)[الجاثية:23] أي: فلا يَسمع ما ينفعه، ولا يَعي شيئاً يَهتدي به، ولا يرى حُجَّة يَستضيء بها؛ ولهذا قال - تعالى - في ختام الآية: (فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ)[الجاثية:23].

عباد الله: إن اتباع الهوى له أسباب كثيرة نقف مع يعضها لنحذر ونحذر منها فأولها: الحسد؛ ومن أمثلة ذلك ما كان من حسد اليهود (الذين هم من بني إسرائيل يعقوب بن إسحاق) مع نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - حين بُعث مِن العرب من سلالة إسماعيل - عليه السلام -؛ فقد صدَّهم الهوى بسبب الحسد عما يدعوهم إليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -.

وقد يَرجع اتِّباع الهوى إلى الاستكبار بغير حق، فقد ذمَّ الله اليهود أيضاً لاتِّباعهم لأهوائهم قال - تعالى -: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ)[البقرة:87].

وأصْل الحسد والكِبر من إبليس حين امتنَع مِن السجود لآدم - عليه الصلاة والسلام - لما أمر الله الملائكة بالسجود لآدَم؛ فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر قال الله - تعالى -: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)[البقرة:34].

فالكِبر والحسد مما يَحمل على اتِّباع الهوى، ويُعمى البصيرة، ولا شك أنهما من الخصال المذمومة والمؤدية بصاحبها إلى الهلاك في الدنيا والآخِرة.

ومما يَحمل على اتِّباع الهوى: حبُّ الرئاسة، والحِفاظ عليها، فيرى من تعلق بالرئاسة أن انقياده لبعض الأمور المحمودة والصالحة يُفوِّت عليه بعض مصالحه الدنيوية المُكتسَبة مِن هذه الرئاسة فيتركها إيثاراً لمَصالِحه الدنيوية.

وقد يَحمل الهوى غيره ممَّن يُجامِله على ارتكاب بعض المحظورات، ويزيِّن له ذلك ويُشجِّعه، وهذا من مداخل الهوى فإنه يتزلف بالباطل للمسؤول ليكون ذا حظوة عنده؛ وإن كان يَعلم في قرارة نفسه أن ما ارتكَبه هذا الشخص محرَّم؛ كالرِّشوة، والغِيبة، والنميمة؛ حيث يرى مُتَّبِع الهوى أن له في ذلك مصلحةً دُنيويةً، وأنه بإنكاره على صاحب الرئاسة يُفوِّتُ على نفسه بعض المصالح، فيَحمله اتِّباع الهوى على السكوت؛ بل على التشجيع على الباطل حفاظاً على منـزلته ومكانته.

وقد يَزعم صاحب الرئاسة أنه مُصلح وغيره ممَّن أتى بالحق مُفسِد؛ ويتبعه في ذلك المتزلفين له كما قال - جل وعلا - عن فرعون: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ)[غافر:26].

ومن مداخل الهوى الجاه والمَنـزلة في المُجتمَع؛ فقد يُبتلى البعض من الناس بالحرص الزائد على هذه الأمور، والحِفاظ عليها، فترك بعض الواجبات؛ ويَرتكب بعض المنهيات؛ للحفاظ على هذه المنـزلة، فلا يَقبل التوجيه فيما يُلاحَظ عليه؛ لأنه يرى أن انصياعَه لما يوجَّه إليه يقلِّل مِن منـزلته في عيون الآخَرين، فيَحمله ذلك على اتِّباع الهوى، مع معرفته ويقينه أن ما هو عليه باطل؛ إيثاراً للعاجل في الدنيا والزائل؛ على الآجِل في الآخِرة والباقي.

ومن مزالق الهوى: الاغتِرارُ بالعلم؛ بشتى أصناف العلوم، فقد يكونُ مِن أنصاف المتعلِّمين، فتثور ثائرة هذا المتعلم تعصباً لرأيه؛ واحتقاراً لمعارضه، وحِفاظاً على مكانته العلمية بظنه، وهذا مِن البلوى لدى كثير مِن المتعلِّمين، مع أن مِن ثمرات العلم قَبولَ الحقِّ ممن جاء به، بصرف النظر عن منـزلته؛ والتواضع للحق وللخلق، والحِكمة ضالَّة المؤمن يأخذها أين وجدها.

ومما يَحمل على اتِّباع الهوى: حبُّ المال، فالحب المفرط للمال يُعمي صاحبه عن أخذه من حِلِّه، والقيام بحق الله فيه، وينسى أنه مفارق ماله ودنياه، ومن أمثلة ذلك ترويج السِّلَع بالدعايات الكاذبة؛ وخِداع الناس، ومن الأمثلة التي تكشف ذلك دعايات التخفيضات عند الكثير؛ كيف أن يَبيع السلعة في أول الأمر بمائة مثلاً، وفي آخِر الأمر يَبيعها بخمسين، فهل هذا إحسان لمَن يتأخَّر في الشراء؟! أو خِداع لمَن يتقدَّم بالشراء؟! مع أن السِّلعة واحدة.

رزقنا الله طهارة الباطن والظاهر، والصدق في القول والعمل.

أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

بعد أن علمنا خطورة العدو الثاني لنا وهو الهوى، وتعدد مداخله وأسبابه، وكيف يُعمي البصيرة، وقوة سيطرته على أصحابه، وتصرفاتهم، وأفعالهم، وأقوالهم، وأنه ما خالط شيئاً إلا أفسده، يحسن بنا على الأقل أن نعرج على سبل العلاج، والوقاية منه، ومن شره، وإن كان كل مدخل من مداخل الهوى يحتاج إلى أدوية خاصة، غير أنا نأتي لبعض الأدوية العامة، والتي تنفع مع كل مداخل الهوى ومزالقه:

فمن سبل الوقاية والعلاج من خطر الهوى:

• أن يتبصر العبد في حقيقته، ونشأته وضعفه، ونهايته.

• وأن يتبصر في أن الله يراه، ويعلم سره ونجواه.

• وأن يتبصر في حقيقة الدنيا والآخرة، فيتفكر في حقارةِ الدنيا أمام الآخرة، وقِصرِ الدنيا وأبدية الآخرة، ويقارنَ بين نعيم الجنة ومتع الدنيا، ويقارنَ بين المشاق والابتلاءات في الدنيا والعذاب في النار.

• وأن يتبصر كل واحد منا في أن الله خلقنا لعبادته في هذه الدنيا الفانية، فإن أطعنا أكرمنا بجنة عرضها السموات والأرض أبد الآباد.

ومن سبل الوقاية والعلاج:

• التعرفُ أكثر على مداخل الهوى للحذر منها.

• وكذلك التبصرُ في الآثار السيئة على العبد بسبب الهوى، وأعظمها أنه يصد ويعمي عن الحق واتباعه.

اللهم بصرنا بأنفسنا وعيوبها، وجنبنا مضلات الهوى.

اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر، والفسوق، والعصيان، واجعلنا من الراشدين.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة