حروب اللغة حين يتم تفريس الإنسان قبل الأرض في سوريا
الكاتب : أحمد عمرو
عدد القراءات : 150

من المألوف أن نسمع عن حروب النفط، أو حروب المياه، أو حروب الأرض والجغرافيا، أما مصطلح حروب اللغة، وهو إن كان ملحوظاً ضمنياً كأداة من أدوات الصراع والهيمنة، إلا أنه كمصطلح لم يلق العناية الكافية، رغم خطورته من الاهتمام والدراسة والتسليط الضوء عليه.

وإن كانت القضية ذات بعد ثقافي وحضاري معمق إلا أننا لن نخوض كثيراً في إشكاليات ذلك الصراع اللغوي، يكفي فقط أن نضرب الأمثلة ليتضح من السياق أهمية اللغة وقوتها واستخدامها بالتوازي مع قوة الدبابة والمدفع.

في خضم تلك الضربات الروسية والإيرانية، والتي تسيل من خلالها دماء إخواننا المسلمين في سوريا، في ذلك السياق التي تتنافس فيه وكالات الأنباء والفضائيات الإخبارية لنقل أخبار الرحلات المكوكية للمنسق الدولي في سوريا، والمحادثات بين النظام والمعارضة، وأخبار الموقف الأمريكي، وتحليلات الموقف التركي، وسيناريوهات الوجود الروسي، في خضم كل ذلك لم تنس روسيا وهو ترسل الطائرات والقنابل أن ترسل المعلمين والمدرسين لتدريس اللغة الروسية في دمشق، لن تنس روسيا، وهي تحاول الاستيلاء على الأرض، وتحطيم المسلم السوري كمبنى أن تستولي كذلك على ما تبقى من سوريا كوجدان وفكر ومعنى. ولم تنس إيران كذلك عبر دبلوماسييها تذكير النظام السوري أن عليه فتحت الأبواب للغة الفارسية.

كتاب (حرب اللغات اللغة، والصراع في الشرق الأوسط) لمؤلفه البروفيسور ياسر سليمان، رئيس معهد دراسات العالم العربي والإسلام في جامعة أدنبرة، سلط الضوء بشكل ملفت على تلك القضية الهامة، ويؤشر الكتاب إلى أن من أهمّ ما يمكن أن نحصّله من هذا المفهوم أنّ المسألة اللّغوية لم تعد أمراً يُتْرَك لتداعيات التاريخ وعوامله، وإنما هي خاضعة لاستراتيجيات مضبوطة ويعدّ لها سلفاً.

وللاستدلال على ذلك سنذكر مجموعة من الشواهد التي توضّح على نحو دقيق مركزية السياسة اللّغوية عبر التاريخ، وسنجعل بعض أمثلتنا من التاريخ القريب، وبعضها من الراهن.

وعندما انتصر هوشيمنه في فيتنام حسم القضية اللّغوية وأعلن «فَتْنَمَةَ» المدارس والكليات، فرجاه أساتذة كلية الطب إمهالهم بعض سنوات، فأمهلهم تسعة أشهر، وحسم الأمر.

وفي الصين كان أول قرار بعد نجاح ماوتسي تونغ سنة 1949 هو المتصل بالتوحيد اللّغويّ وبمركزية الأداء التواصلي: كان على كل صيني أن يتكلّم اللّغة الخانيّة (لغة بيكين) وأن يتخلّى عن اللّغة الإنجليزية وعن كل اللهجات الأخرى المتداوَلة، حتى ولو كان بينها ما يرقى إلى منزلة اللسان المنتظم. ولم يقم تعقد نظام الكتابة حائلاً دون الإرادة الإنسانية وانصياع التاريخ.

وفي الوقت الراهن تجد أن مسألة النص على اللغة القومية حاضر في أكثر 120دستوراً، يخص 120 دولة من دول العالم، لما للغة ما بعد ثقافي وحضاري وهوياتي.

"المغلوب مجبول أبداً على الاقتداء بالغالب" حسب عبارة ابن خلدون، وفي هذا الإطار قد يكون من نافلة القول الإشارة إلى الارتباط الوثيق اليوم بين سطوة وسلطة اللّغة الإنجليزية، وفي هذا السياق يحكي دكتور ياسر سليمان صاحب كتاب حروب اللغة، كيف أنه استخدم اللغة الإنجليزية مع الجنود الصهاينة، ولم يستخدم اللغة العربية، وأنه بذلك استطاع أن يحصل بعض الحاجات ما كان له أن يحصلها لولا أنه استخدم اللغة الإنجليزية كأداة للتواصل مع الجنود، يقول: تستطيع أنت أن تواجه هذا الإنسان باستخدام لغة قوة واللغة الإنجليزية هي لغة قوة وخاصة إذا كنت على علم وعلى معرفة بأنك أنت أقوى بهذه اللغة ممَن يقابلك، وبالتالي تستطيع من استخدام اللغة الإنجليزية أولاً الحصول على بعض الوقت، والثاني هو قلب هذا اللقاء ما بينك وبين الآخر الذي يحمل السلاح بيده، بحيث تعطي لنفسك قوة رمزية وقوة تواصلية هذه القوة تسمح لك أن تحصل على بعض الحاجات التي قد لا تستطيع الحصول عليها لو تحدثت معه بالعربية التي يستخدمها معك كلغة احتلال كلغة قهر.

أحياناً استخدام اللغة وخاصة لغة أجنبية يوفر للمتحدث وللمتكلم نوع من السلطة، أو من القوة، بحيث أنه يؤثر في ميزان القوة بين المتكلم والمستمع.

والنتيجة من القصة أن اللغة العربية أصبحت لغة الاستضعاف يفر منها أبناؤها، أصبحت لغة ضعف وقهر وصاحبها مستضعف ومستباح ومهان.

تفريس الإنسان في سوريا:

ليس من الخفي الآن ما يقوم بها الفرس الشيعة من محاولات لطمس الهوية السنية والعربية في سوريا، واستبدال الإنسان والمكان بهوية المحتل الجديدة، فلم يكن في المستبعد في سياق ما ألقينا عليه الظلال من طبيعة الاحتلال وأدواته أن يطالب السفير الإيراني بسوريا (محمد رضا شيباني) بضرورة تعزيز تعلم اللغة الفارسية في الجامعات والمدارس السورية، وقال: "إن ذلك جزء من تعزيز مجالات التعاون المستقبلي بين سوريا وإيران في المجال العلمي والثقافي".

وفي ذلك السياق تقوم السفارة الإيرانية بسوريا بدورها في فتح المجال لتفريس لسان المسلمين السنة تقدمة لتشيعهم من خلال المركز الثقافي الإيراني في دمشق الذي يقوم بدور كبير في ذلك الإطار إذا لديه اتفاقية تعاون بينه وبين الجامعات السورية الأربع الرئيسة، يقوم من خلالها بإرساء تعليم اللغة الفارسية، وإيجاد أقسام لها في الكليات الأدبية داخل تلك الجامعات، ووقعت مؤخرًا اتفاقية بين وزارة التربية والتعليم العالي السوري والإيراني لتوسيع وتدريس اللغة الفارسية بين المدارس والجامعات السورية.

وعلى الرغم من أن اللغة الفارسية لم تدرس حتى الآن في المدارس الحكومية، إلا أنه يتم تعليمها بأكثر من طريقة؛ إذ تم افتتاح عدد من المدارس والحوزات الشيعية؛ بهدف تدريس المذهب الجعفري، ويتم تعليم اللغة الفارسية بها بالإضافة إلى وجود معاهد مجانية تعلم اللغة الفارسية.

اللغة هي وعاء الفكر، واللغة هي أداة تفكير، وعندما يتقن إنسان ما لغة، فإنه يفكر من خلالها ويتثقف بثقافتها، والخوف كل الخوف على أجيال جديدة إن نشأت على تلك الثقافة، وفُتحت أمامها أبواب التفرس الذي هو اليوم مشروع استعماري جغرافياً وفكرياً ودينياً، ويستغل في ذلك كل الأدوات والوسائل، أن تتنصل تلك الأجيال من دينها وهويتها وتكون معولاً لهدم الأمة لا أداة لبنائها. 

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة