عقـد التأمين وحكمه في الشريعة الإسلامية
عدد القراءات : 134

أولاً: تَصوير المسألة:

أ - التأمين حديثُ النَّشأة؛ فقد ظهَر بمَعناه الحقيقيِّ في القرن الرابع عشر الميلادي في إيطاليا في صورة التأمين البحري، والتأمين (السوكرة)[1] بأنواعه المختلفة لم يُعرَف إلا في أول القرن العشرين؛ فقد صدر أول قانون له في ألمانيا سنة 1901م، وهو نظام للوقاية من الخسارة بالتعويض، يتَّفق فيه عدد من الأفراد على دفْع مبلغ محدَّد لضمان، أنهم سيُعوضون عند خسارة أي شيء معين بسبب الحريق، أو الحوادث، أو الوفاة، أو غيرها من الأسباب[2]، وعقد التأمين هو عقد لتخفيف أو تقليل ما يتعرَّض له المؤمن له من خطر[3].

ب - عرف قانون المعاملات المدنيَّة الإماراتي التأمين في المادة (1026)، وجاء فيها: "التأمين عقد يتعاون فيه المؤمَّن لهم والمؤمِّن على مواجهة الأخطار أو الحوادث المؤمَّن منها، وبمقتضاه يدفع المؤمَّن له إلى المؤمِّن مبلغًا محددًا أو أقساطًا دورية، وفي حالة تحقُّق الخطر أو وقوع الحادث المبين في العقد يدفع المؤمِّن إلى المؤمَّن له أو المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغًا من المال، أو إيرادًا أو مرتبًا، أو أي حق مالي آخر"[4].

جـ - عرف القانون المدني الأردني عقد التأمين في المادة (920)، والتي جاء فيها: "التأمين عقد يلتزم به المؤمِّن أن يؤدي إلى المؤمَّن له أو المستفيد الذي اشترط التأمين لصالحه مبلغًا من المال أو إيرادًا مرتبًا، أو أي عوض مالي آخر، في حالة وقوع الحادث المؤمَّن ضده، أو تحقُّق الخطر المبين في العقد؛ وذلك مقابل مبلغ محدد أو أقساط دورية يؤدِّيها المؤمَّن له للمؤمِّن"[5].

د - عرَّف الأستاذ مصطفى الزرقا نظام التأمين بقوله: "نظام تعاقديٌّ يقوم على أساس المُعاوَضة، غايته التعاون على ترميم أضرار المخاطر الطارئة بواسطة هيئات منظمة تزاوِل عقوده بصورة فنية قائمة على أسس وقواعد إحصائية"[6]، وبهذا يكونُ الأستاذ الزرقا قد ميَّز بين التأمين كنظام وبين عقود التأمين التي تُبرَم على أرض الواقع؛ حيث أجازَ التأمين كنظام، أما عقود التأمين فإنَّ لكل عقد حكمه، وهذا ما فهمتُه مِن شَيخِنا الأستاذ مصطفى الزرقا.

هـ - نستخلِصُ مِن التعاريف السابقة للتأمين أن شخصًا يتعرَّض لخطر في شخصه كما في التأمين على الحياة، أو في ماله كما في التأمين من الحريق، فيعمد إلى تأمين نفسه ضد هذا الخطر بأن يتعاقد مع شركة تأمين يؤدِّي لها أقساطًا دورية، في نظير أن يتقاضى منها مبلغًا من المال عند تحقُّق الخطر، وقد سمى النص هذا الشخص "المؤمَّن له"، ويجوز أن يشترط دفع المال عند تحقُّق الخطر لشخص آخر غيرِه، ففي التأمين على الحياة - مثلاً - قد يشترط المؤمن له دفع المبلغ أو التعويض لزوجته أو أولاده، فيسمى هذا الشخص الثالث "المستفيد".

أما شركة التأمين، أو هيئة التأمين بوجه عام، فقد سماها النصُّ "المؤمِّن"، ويدفع المؤمَّن له للمؤمن عادة أقساطًا شهرية أو سنوية مُتساوية القيمة، وقد يدفع اشتراكًا دوريًّا يتفاوت مقداره؛ كما في جمعيات التأمين التبادليَّة، وقد يدفع مبلغًا مقطوعًا جملة واحدة؛ كما إذا دفع هذا المبلغ في مقابل أن يتقاضى مِن المؤمِّن إيرادًا مرتبًا مدى حياته، والمؤمن يدفع عادةً للمؤمَّن له أو للمستفيد عند تحقُّق الخطَر مبلغًا من المال، وقد يدفَع له أي عوضٍ مالي آخَر، كما إذا قام بتجديد البناء المُحترِق، كما في التأمين من الحريق، أو إصلاح السيارة، كما في التأمين ضد حوادث السير[7].

و- مقومات عقد التأمين:

يتكون عقد التأمين من العناصر التالية:

1 - المؤمِّن: وهو أحد طرفي عقد التأمين وغالبًا ما يكون شركة أو مؤسسة تلتزم بدفع تعويض مالي للمؤمَّن له، عند وقوع الحادث المؤمن ضده.

2 - المؤمن له: وهو الشخص الذي تعاقد مع المؤمن والتزم بمقتضى عقد التأمين أن يدفع للمؤمن بدلاً ماليًّا معيَّنًا، يدفع وفق الاتفاق، جملة واحدة أو أقساطًا.

3 - المؤمَّن ضده: وهو الحادث الذي يتوقع المؤمن له حدوثه في المستقبل، كحادث الحريق، أو مصيبة الموت.

4 - البدْل: وهو المال الذي يَلتزم بدفعه المؤمَّن له للمؤمن.

5 - التعويض المالي: وهو المال الذي يلتزم بدفعه المؤمِّن، إلى المؤمَّن له أو المستفيد عند وقوع الحادث المؤمن ضده.

6 - الزمن: ونقصد بذلك الفترة الزمنية التي يغطيها عقد التأمين؛ كمدة سنَة من تاريخ العقد، وينتهي عقد التأمين بانتهائها.

ز - أوصاف عقد التأمين[8]:

1 - عقد التأمين من عقود المُعاوَضات المالية، وليس من عقود التبرُّعات؛ لأنه يقوم على أساس المبادَلة، ويستهدف فيه كلا الطرفين الحصول على منفعَة مقابلَ ما يؤدِّيه إلى الطرف الآخر، فالمؤمِّن ملتزم بتسليم التعويض المالي للمتضرِّر، والمؤمَّن له ملتزم بدفْع البدل، يقابل ذلك عقد التبرُّع الذي لا يقوم على المبادلة، فلا يأخذ فيه المتعاقِد مُقابلاً لما يعطي[9].

2 - عقد التأمين عقد جديد لم يرد ضمن زمرة العقود المسماة في الفقه الإسلامي؛ ولهذا يقوم على الاجتهاد في استنباط الأحكام الناظمة له، وقد نُظمت أحكامه في القانون المدني والقوانين الخاصة به، فأصبح من العقود المسماة في القانون، وله أحكام خاصة به، يُلتَزَم بها عند التعاقد[10].

3 - عقد التأمين من عقود الغرر أو العقود الاحتمالية[11]، وليس من العقود المحددة[12]؛ لأنَّ الحادث المؤمن ضده من الأمور التي يتوقع المؤمِّن والمؤمَّن له حدوثه في المستقبل، فالحادث غير موجود عند التعاقد، لكنَّه يَحتمل الوجود في المستقبل، ووقوعه لا يدَ لأحد المتعاقدَين فيه، وهذا هو معنى الغرر.

4 - عقد التأمين من العقود المُلزمة للجانبَين وقت إبرامه؛ لأن الالتزامات في هذا العقد متقابلة، المؤمِّن دائن مِن ناحية ومَدين من ناحية أخرى، والمؤمَّن له دائن من ناحية ومَدين من ناحية أخرى، وهذه الالتزامات تَثبت بالعقد، والعقد مصدرُها، ولا يملك أحد المتعاقدَين فسخ العقد أو إنهاءه بإرادته المُنفرِدة، إلا إذا وجد سبب شرعيٌّ أو قانوني يُجيز ذلك.

5 - عقد التأمين عقد زمني أو ممتد؛ لأن الزمن عنصر جوهري فيه؛ لأنَّ التأمين يكون ضد حادث يحتمل الوقوع في المستقبل، والتأمين يمتد إلى فترة زمنية متفق عليها، غالبًا ما تكون سنة، فإذا وقع الحادث المؤمَّن ضده، خلال هذه السنة والتي يَشملها التَّأمين، تقوم الشركة المؤمنة بالتَّعويض عن الضرر، وإن وقع الحادث بعد انتهاء المدَّة فلا تلتزم الشركة بشيء؛ لأن التأمين ينتهي بانتهاء مدته.

6 - عقد التأمين عقد رضائي، ينعقد بمجرد اقتران الإيجاب بالقبول دون حاجة إلى إجراء شكلي؛ لأنَّ الفقه والقانون لم يشترطا أن يتم التأمين بشكل خاص[13]، كالتسجيل في دائرة معينة، أو تصديقه لدى جهة رسمية، كما هو الحال في عقد الزواج، أو عقد بيع السيارات والعقارات.

7 - عقد التأمين من عقود الإذعان، لأن المؤمِّن طرف قوي يملي إرادته على طرف ضعيف وهو المؤمَّن له، ويقوم المؤمِّن بإعداد عقد التأمين مسبقًا، ولا يملك المؤمن له إلا التوقيع عليه ودفع البدل، خاصة في التأمين الإلزامي.

ثانيًا - تَحرير محلِّ النزاع:

يَنقسم التَّأمين إلى ثلاثة أقسام:

أ - التأمين الاجتماعي[14]، ويَشمل التأمين ضد البطالة، والتأمين الصحِّي، والتأمين ضد العجز، وتأمين المعاشات، وهذا التأمين عادة تقوم به الدولة أو المؤسَّسات الاقتصادية والصحية الحكومية؛ لتأمين الموظَّفين والعمال والمُستخدمين، وخلاصته أن يستقطع مبلغًا معينًا من مرتَّب الموظَّف أو العامل أثناء فترة عمله، وتضيف إليه الدولة مبلغًا آخَرَ، وعند نهاية الخدمة أو الإصابة التي تُعيق الموظف أو العامل عن الاستمرار في العمل يُعطى معاشا شهريًّا ثابتًا، أو يُصرف للمصاب تعويض مناسب، فضلاً عن نفقات العلاج، وهذا النَّوع مِن التأمين جائز شرعًا باتفاق العلماء، لخلوِّه مِن شبهتي الغرر والرِّبا، وعملاً بقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) [المائدة: 2].

ب - التَّأمين التعاوني: وهو أن يتَّفق عدة أشخاص، على أن يدفع كل منهم اشتراكًا معينًا؛ لتعويض الأضرار التي قد تُصيب أحدَهم إذا تحقَّق خطر مُعيَّن، وهو قليل التطبيق في الحياة العملية، وهذا التأمين لا شك في جوازه شرعًا؛ لأنه يدخل في عقود التبرُّعات، ومن قبيل التعاون على البر؛ لأن كل مشترك يدفع اشتراكه بطيب نفس لتخفيف آثار المخاطر، وترميم الأضرار التي تصيب أحد المشتركين، أيًا كان نوع الضرر، سواء في التأمين على الحياة، أو الحوادث الجسمانية، أو على الأشياء، وغالبًا ما يكون ذلك بين أصحاب الحرفة الواحدة؛ كالعُمَّال والمهندسين والأطباء، أو أبناء العشيرة الواحدة؛ للتعاون على ترميم آثار المصيبة التي تقع على رأس أحدهم.

ج - التأمين التجاري؛ وهو ما تقوم به شركات التأمين التجارية، ويشمل ذلك:

1 - التأمين على الحياة.

2 - التأمين ضد الحوادث.

3 - التأمين على النقل.

4 - التأمين ضد الحريق.

5 - التأمين ضد السطو على المساكن وسرقتها.

وهذا التأمين يقوم على فكرة الرِّبح والخسارة؛ ولهذا اختلف العلماء في حكمه، وبه انحصر الخلاف بين الفقهاء في هذا العصر[15].

ثالثًا: منشأ الخلاف بين الفقهاء في التأمين التجاري:

يرجع الخلاف بين الفقهاء في هذه المسألة إلى الأمور التالية:

أ - التأمين عقد جديد، لم يردْ به دليل خاص، ولهذا يقوم على الاجتهاد بالرأي، والاجتهاد بالرأي مِن أهمِّ أسباب اختلاف الفقهاء.

ب - اختلاف الفقهاء في وصف عقد التأمين وتكييفه، والاختلاف في الوصف والتكييف يؤدي بالبداهة إلى الاختلاف في الحكم فمن وصف التأمين بأنه ضرب من ضروب التعاون على الخير أفتى بجوازه، ومن وصفه بأنه ضرب من ضروب القمار والربا والغرر أفتى بحرمته.

رابعًا: آراء الفقهاء في التأمين التجاري:

اختلف العلماء في موضوع التأمين بالأقساط مع شركات التأمين التجارية إلى فريقين:

الأول: المانعون.

وهم يرَون عقد التأمين حرامًا، ولا يحلُّ فيه أخذ التعويض من جانب المُستأمن، ولا أخذ القسط من جانب المؤمِّن، وأصحاب هذا الرأي هم الأكثر عددًا، ومنهم الشيخ محمد بخيت المطيعي الحنفي مفتي الديار المصرية سابقًا، والأستاذ محمد أبو زهرة، والأستاذ وهبة الزحيلي، والشيخ عبد الرحمن قراعة، والدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور جلال مصطفى الصياد[16]، واستدلوا على رأيهم بما يلي:

1 - عقد التأمين من عقود الغرر[17] المنهي عنها؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- "نهى عن بَيع الغرَر"[18].

ووجه الغرر في التأمين أنَّ الحادث المؤمَّن ضده، يحتمل الوجود في المستقبل، ويحتمل العدم، ولا يتوقَّف وجوده أو عدمه على إرادة المتعاقدين، وهذا غرر كثير لا يُغتفر في عقود المعاوضات المالية؛ لأن المستأمن لا يستطيع أن يعرف وقت العقد مقدار ما يعطي أو يأخذ، فقد يدفع قسطًا أو قسطَين، ثم تقع الكارثة، فيستحق ما التزم به المؤمن، وقد لا تقع الكارثة أصلاً، فيدفع جميع الأقساط، ولا يأخذ شيئًا، وكذلك المؤمِّن لا يستطيع أن يحدِّد ما يعطي ويأخذ بالنسبة لكل عقد بمفرده، وهذا غرر فاحش مفسد لعقود المعاوضات المالية.

2 - عقد التأمين التجاري، ضرب من ضروب المقامرة؛ لما فيه من المخاطرة في معاوضات مالية، ومن الغرم بلا جناية، أو تسبُّب فيها، ومن الغنْم بلا مُقابل، أو مقابل غير مكافئ، فإن المستأمن قد يدفع قسطًا من التأمين ثم يقع الحادث، فيغرم المؤمن كل مبلغ التأمين، وقد لا يقع الحادث المؤمن ضده فيغنم المؤمن أقساط التأمين دون مقابل، والجهالة في ذلك فاحشة، وهو بهذا يدخل في عموم النهي عن الميسر في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة: 90].

3 - عقد التأمين التجاري يَشتمِل على ربا الفضل والنسأ، فإن الشركة إذا دفعت للمستأمن أو الورثة أو للمستفيد أكثر مما دفعه من النقود لها، فهو ربا فضل، والمؤمن يدفع ذلك للمستأمن بعد مدة، فيكون ربا نسيئة، وإذا دفعت الشركة للمستأمن مثل ما دفعه لها يكون ربا نسيئة فقط، وكلاهما محرَّم بالنص والإجماع.

4 - عقد التأمين التجاري فيه أخْذ مال الغير بلا مقابل، وأخذ بلا مقابل في عقود المعاوضات التجارية محرَّم، لدخوله في عموم النهي في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) [النساء: 29].

5 - في عقد التأمين التجاري الإلزام بما لا يلزم شرعًا؛ فإنَّ المؤمِّن لم يَحدث الخطر منه، ولم يتسبَّب في حدوثه، وإنما كان منه مجرَّد التعاقد مع المستأمن على ضمان الخطر على التقدير وقوعه، مقابل مبلغ يدفعه المستأمن، والمؤمِّن لم يَبذل عملاً للمستأمن، فكان حرامًا[19].

6 - التأمين على الحياة يعدُّ اجتراءً على قضاء الله تعالى وقدرِه، فمِن عقيدة المسلم، أن الأعمار بيد الله تعالى الذي يقول: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) [لقمان: 34]، فمَن يتعهَّد لغيره أن يعيش كذا من العمر وإلا كان ضامنًا لورثته مبلغًا من المال، وكذا الذي يعتمد هذا القول ويتعاقَدُ على أساسه طمعًا في التعويض، كلاهما خارج على مقتضى هذه العقيدة الإسلامية[20].

والفريق الثاني: المجيزون:

ويرى هذا الفريق جواز التأمين بجميع أنواعه إذا خلا من الربا، ومِن هذا الفريق الأستاذ مصطفى الزرقا والأستاذ محمد يوسف موسى، والأستاذ عبد الرحمن عيسى، والشيخ على الخفيف، والشيخ عبد الوهاب خلاف وغيرهم[21]، واستدلوا على رأيهم بما يلي:

أ - التأمين عقد جديد، لم يَرِدْ نصٌّ على تَحريمه، والأصل في العقود الجديدة الإباحة لا التَّحريم؛ ولهذا يكون عقد التأمين مُباحًا؛ لاندِراجه تحت هذا الأصل العام.

ب - التأمين نظام تعاوني يقوم على مبدأ توزيع المخاطر وتشتيتها بين أكبر عدد ممكن من الأفراد الذين يتعرَّضون لنفس الخطر، والله سبحانه وتعالى يقول: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) [المائدة: 2]، والتأمين يكون مباحًا؛ لاندراجه تحت هذا الأصل التشريعي العام.

جـ - دليل القياس، ويشمل قياس التأمين على ما يلي:

1 - عقد الموالاة، وصورته أن يقول شخص مجهول النسب لآخر معلوم النسب: أنت وليي، تعقل[22] عنِّي إذا جنيت، وترثني إذا أنا مت، وهذا يعني أن عقد الموالاة يقيم رابطة حقوقية بين عاقديه شرعًا، قوامها التزام شخص بأن يَحتمل الموجب المالي عن جناية الخطأ الصادرة من الآخر في مقابل أن هذا الملتزم يَرِث الآخر إذا مات دون وارث، وهذه الرابطة سُمِّيَت ولاء الموالاة، وهو صورة حيَّة من صور عقد التأمين من المسؤولية[23].

2 - ضمان خطر الطريق، وصورته: أن يقول شخص لآخر: اسلك هذا الطريق، فإنه آمِن، وإن أصابك فيه شيء فأنا ضامن، فسلَكه فأُخذ ماله، حيث يضمَن القائل، وهو ما نصَّ عليه الحنفية[24] في الكفالة، والتأمين على الأموال من الأخطار كذلك، فيأخذ حكمه وهو الجواز.

3 - الوعد الملزم عند بعض المالكيَّة، ومثال ذلك: لو قال شخص لآخر: بع كرمك الآن، وإن لحقتْك من هذا البيع خسارة فأنا أُرضيكَ، فباعه بالخسارة، كان على الواعد أن يُرضيَه بما يساوي ثمن ذلك المبيع، والعدة كانت سببًا للالتزام، وكذلك التأمين؛ لأن المؤمن وعد والتزم بتحمُّل الخسارة والتعويض عنها، عند وقوع الحادث المؤمن ضده.

4 - نظام العواقل[25] في الإسلام، وصورته: أنه إذا جنى شخص جناية قتل غير عمد، وكان موجبها الأصلي الدية، فإنَّ دِية النفس توزَّع على أفراد عاقلته الذين يحصل بينه وبينهم التناصُر عادةً، وهم الرِّجال البالغون من أهله وعشيرته، وكل مَن يتناصر هو بهم، ويُعتبر هو واحدًا منهم، فتقسط الدية عليهم في ثلاث سنين بحيث يتحمل أفراد العاقلة الدية، والتأمين كذلك؛ لأن التعويض المالي المقرر عند وقوع الحادث المؤمن ضده يوزع على مجموع المستأمنين، وهذا هو التعاون على ترميم أثر المصيبة بعد وقوعها، بدل أن تقع على رأس فرد واحد، وقد لا يستطيع أن يتحمَّلها بمُفردِه[26].

5 - عقد الاستِئجار على الحراسة، وصورتُه أن الأجير الحارس، مُستأجر على عمل يؤدِّيه هو القيام بالحراسة، وأثر هذا العمل هو تحقيق الأمان للمُستأجر على الشيء المحروس، وعقد التأمين كذلك لأنه يعطي الأمان إلى المؤمَّن له من نتائج الأخطار التي يخشاها، وقام بتأمين نفسه ضدها[27].

• رأي مجمع الفقه الإسلامي: قرار رقم (9) بشأن التأمين وإعادة التأمين:

أما بعد؛ فإنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المُنبثِق عن منظَّمة المؤتمر الإسلامي، في دورة انعقاد مؤتمره الثاني بجدَّة من 10 - 16 ربيع الثاني 1406هـ / 22 - 28 ديسمبر 1985م.

بعد أن تابع العروض المقدمة من العلماء المشاركين في الدورة حول موضوع التأمين وإعادة التأمين، وبعد أن ناقش الدراسات المقدَّمة، وبعد تعمُّق البحث في سائر صوره وأنواعه، والمبادئ التي يقوم عليها، والغايات التي يهدف إليها، وبُعْد النظر فيما صدر عن المجامع الفقهية والهيئات العلمية بهذا الشأن، قرر:

1 - إن عقد التأمين التجاري ذا القسط الثابت الذي تتعامل به شركات التأمين التجاري، عقدٌ فيه غررٌ كبيرٌ مُفسِد للعقد؛ ولذا فهو حرام شرعًا.

2 - إن العقد البديل الذي يَحترم أصول التعامل الإسلامي، وهو عقد التأمين التعاوني القائم على أساس التبرع والتعاون، وكذلك الحال بالنسبة لإعادة التأمين القائم على أساس التأمين التعاوني.

3 - دعوة الدول الإسلامية للعمل على إقامة مؤسسات التأمين التعاوني، وكذلك مؤسَّسات تعاونية لإعادة التأمين، حتى يتحرَّر الاقتصاد الإسلامي مِن الاستغلال، ومن مخالفة النِّظام الذي يرضاه الله لهذه الأمة[28].

خامسًا: المناقشة والتَّرجيح:

1 - مُناقَشة أدلة المانعين:

أ - القول بأنَّ التأمين ينطوي على غرر وجهالة وربا وأخذ المال دون مقابل غير صحيح؛ لأن المعاوَضة الحقيقيَّة في عقد التأمين، تكون بين الأقساط التي يدفعها المستأمن للمؤمن، مقابل الأمان الذي يحصل عليه من التزام المؤمن بالتعويض عن الضرر عند وقوع الحادث المؤمن ضده؛ ولهذا يكون وقوع الحادث وعدمه بالنسبة للمستأمن سواء، بعد إبرام العقد؛ ولهذا يكون عقد التأمين عقد مُعاوَضة مُحقَّق النَّتائج فور انعقاده نظير ذلك عقد الحراسة، فالأجرة تدفع في مقابل الحصول على الأمان، وهذا الأمان لا غرَر فيه ولا جهالة ولا ربا، وكذلك القسط الشهري الذي يدفعه المستأمن للحصول على هذا الأمان.

ب - القول بأن التأمين ضرب من المقامرة غير صحيح؛ لأنَّ القمار أو الرهان لعب بالحظوظ، ومقتَلَة للأخلاق، وموقع للعداوة والبغضاء بين الناس، وعقد التأمين خلاف ذلك؛ لأنه يُعطي المستأمن طمأنينة من نتائج الأخطار والحوادث المؤمن ضدَّها، والعامل الخلقي المشار إليه لتحريم القمار شرعًا، ليس متحقِّقًا في التأمين، كما أنه لا يجوز في التأمين أن يكون الخطر راجعًا إلى إرادة أحد طرفَيه، فإذا سعى المؤمن له إلى تحقيق الخطر، بطل التأمين، وخسر التعويض؛ لأنه سعْي إلى إبطال ما تم من جهته فسعيه مردود عليه، والقمار يسعى فيه كل متعاقد إلى إيقاع المتعاقد الآخر في خطر؛ ليربح هو، ويخسر الآخر؛ ولهذه الفروق بين التأمين والقمار، يكون القياس بينهما مع الفارق، وغير صحيح[29].

جـ - القول بأن التأمين، لزوم بما لا يلزم شرعًا غير صحيح؛ لأن التزام المؤمن بدفع التعويض المالي المتفق عليه، تولد عن عقد ملزم، والعقد مصدر من مصادر الالتزامات، باتفاق الفقهاء.

د - القول بأن التأمين فيه تحد للقدر الإلهي، وخاصة في التأمين على الحياة، غير صحيح؛ لأن التأمين ليس ضمانًا لعدم وقوع الخطر أو الحادث المؤمن ضده؛ لأن هذا فوق مقدور الطاقة البشرية؛ وإنما يكون التأمين لترميم آثار الحوادث بعد وقوعها؛ وذلك عن طريق تحويل هذه الأضرار عن رأس المستأمن والذي غالبًا ما يكون عاجزًا عن احتمالها بمفرده إلى ساحة جماعية، يوزع الضرر عليها، بحيث يكون أثر الضرر عليهم خفيفًا، وهذا ليس من التحدي لقدر الله تعالى، وإنما ضمان لترميم آثار الأخطار إذا تحققت، وهو في حقيقته تعاون على البر والتقوى[30].

2 - مناقشة أدلة المجيزين

أ - الاستدلال بمبدأ الأصل في العقود الجديدة الإباحة غير صحيح؛ لأن هذا الأصل مختلف فيه بين الفقهاء، ومع التسليم بهذا الأصل، فإنه ليس على إطلاقه، بل هو مقيد بعدم وجود المانع[31]، وقد وجد المانع، فبطل الاستدلال به.

ب - القول بأن التأمين التجاري، ضرب من ضروب التعاون المطلوب شرعًا غير صحيح؛ لأن شركات التأمين تستغل المستأمنين؛ ولهذا يعد عقد التأمين من عقود الإذعان، وكيف نتصور التعاون وكل واحد من المستأمنين له التزام خاص به، ولا علاقة له ببقية المستأمنين؟ والعلاقة بينه وبين شركة التأمين تقوم على الربح التجاري والاستغلال، والتعاون والاستغلال لا يجتمعان.

جـ - قياس عقد التأمين على عقد الموالاة غير صحيح؛ لأنه قياس مع الفارق، ومن الفروق بينهما أن عقود التأمين هدفها الربح المادي المشوب بالغرر والقمار، وفاحش الجهالة، بخلاف عقد الموالاة؛ لأن القصد الأول فيه التآخي والتناصر والتعاون في الشدة والرخاء، وما يكون من كسب مادي فالقصد إليه بالتبع[32].

د - قياس التأمين على الوعد الملزم غير صحيح؛ لأنه قياس مع الفارق، والفارق، أن الوعد بقرض أو إعارة، أو تحمل خسارة، تبرع محض ومعروف يدخل في مكارم الأخلاق، والتأمين معاوضة تجارية باعثها الربح المادي، فلا يغتفر فيه ما يغتفر فيه التبرعات من الجهالة والغرر[33].

هـ - قياس عقد التأمين على ضمان خطر الطريق غير صحيح؛ لأنه قياس مع الفارق، والفارق: الضمان نوع من التبرع يقصد به الإحسان المحض، بخلاف التأمين؛ فإنه عقد معاوضة تجارية يقصد منها الكسب المادي.

و - قياس عقد التأمين على نظام العاقلة غير صحيح؛ لأنه قياس مع الفارق، والفارق أن الرابطة في العاقلة هي الرحم والقرابة التي تدعو إلى النصرة، والتواصل والتعاون دون مقابل، وعقود التأمين تقوم على معاوضات مالية محضة، لا تمتُّ إلى عاطفة الإحسان وبواعث المعروف بصلة.

ز - قياس عقد التأمين على عقد الحراسة غير صحيح؛ لأنه قياس مع الفارق، والفارق أن الأمان ليس محلاًّ في العقدين، وإنما المحلُّ في التأمين الأقساط التي يدفعها المؤمَّن له، والتعويض الذي يدفعه المؤمِّن، والمحل في الحراسة الأجرة وعمل الحارس، أما الأمان فغاية ونتيجة، وإلا لما استحق الحارس الأجرة عند ضياع المحروس[34].

3 - التَّرجيح:

يظهر وبعد مناقشة أدلة العلماء في التأمين التجاري أنَّ علة المنع هي الاستغلال، ومن صوره الجهالة والربا والغرر والقمار، وهذا يعني أن التأمين في حد ذاته جائز شرعًا بشتى أنواعه وصوره شريطة خلوِّه من الاستغلال؛ وهذا لا يتحقق إلا في التأمين التعاوني؛ لأنه يندرج تحت مبدأ التعاون في وجوه البر التي أقرها الإسلام، ويخلو من شبهة الغرر والجهالة والقمار والربا، وبهذا نقول: الأصل في التأمين الجواز، ما لم يوجد مانع شرعي لذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] لفظ السوكرة الشائع بين الناس في البلاد العربية، بمعنى عقد التأمين، آتٍ من اللفظ الفرنسي سيكورتيه بمعنى الأمان والاطمئنان؛ الأستاذ الزرقا: نظام التأمين (ص: 21).

[2] د. عبدالرزاق السنهوي: نظرية العقد (ص: 887)، ود. وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته (4 / 441).

[3] د. محمد البهي: الإسلام في حل مشاكل المجتمعات الإسلامية المعاصرة (ص: 17).

[4] جمعية الحقوقيين: قانون المعاملات المدنية لدولة الإمارات العربية المتحدة (ص: 233).

[5] نقابة المحامين: المذكرات الإيضاحية للقانون المدني الأردني (2 / 915).

[6] الأستاذ مصطفى الزرقا: نظام التأمين (ص: 19).

[7] د. عبد الرزاق السنهوري: الوسيط في شرح القانون المدني المصري (7 / 1085).

[8] يوسف كمال: كتاب الزكاة وترشيد التأمين المعاصر (ص: 26) وما بعدها، ود. عبد الخالق حسن: الوجيز في شرح قانون المعاملات المدنية الإماراتي (5 / 42).

[9] د. عبد الرزاق السنهوري: الوسيط (1 / 163) وما بعدها، ود. وحيد الدين سوار: النظرية العامة للالتزامات (ص: 41).

[10] الأستاذ مصطفى الزرقا: نظام التأمين (ص: 33) وما بعدها.

[11] العقد الاحتمالي أو عقد الغرر: هو الذي لا يستطيع فيه أحد المتعاقِدين أن يُحدِّد عند العقد مقدار غُنمِه وغرمه بمقتضى عقده، وإنما يتحدَّد ذلك في المستقبل، تبعًا لأمر مجهول، أو غير محقق الحصول، ولا يد لأحد المتعاقدين في حصوله، كعقد الجعالة.

[12] العقد المحدد، هو الذي يستطيع فيه كلا الطرفين أن يحدد عند إبرامه قيمة ما يأخذ بمقتضاه، وقيمة ما يُعطي، دون أن يتوقف تحديد هذه القيمة على أمر احتمالي غير محقق الوقوع؛ كعقد البيع، ويقابل ذلك عقود الغرر.

[13] د. عبد الخالق حسن: الوجيز في شرح قانون المعاملات المدنية الإماراتي (5 / 44 ود. عبد الله النجار: عقد التأمين ومدى مشروعيته في الققه الإسلامي (ص: 23).

[14] د. زكريا القضاة: السلم والمضاربة (ص: 451)، ود. محمد البهي: الإسلام في حل مشاكل المجتمعات المعاصرة (ص: 178)، وعبد السميع المصري: التأمين الإسلامي بين النظرية والتطبيق (ص: 10)، ود. وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته (4 / 442)، والأستاذ مصطفى الزرقا: نظام التأمين (ص: 55).

[15] الأستاذ مصطفى الزرقا: نظام التأمين (ص: 25) وما بعدها، ود. وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته (4 / 442) وما بعدها، ود. عبد الرزاق السنهوري: الوسيط (7 / 1088) وما بعدها، ود. زكريا القضاة: السلم والمضارربة (ص: 451) وما بعدها.

[16] د. عيسى عبده: التأمين بين الحلِّ والحُرمة (ص: 166)، والأستاذ مصطفى الزرقا: نظام التأمين (ص: 25) وما بعدها، ود. وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته (4 / 442).

[17] عرَّف الحنفية الغرر بأنه: الخطر الذي استوى فيه طرف الوجود والعدم، بمنزلة الشكِّ، وعرفه السرخسي بأنه ما يكون مستور العاقبة: انظر: الكاساني: البدائع (5 / 263)، ود. ياسين درادكة: نظرية الغرر (1 / 71).

[18] النووي: صحيح مسلم بشرح النووي (5 / 3)، وابن ماجه: سنن ابن ماجه (2 / 10).

[19] يوسف كمال: كتاب الزكاة وترشيد التأمين المعاصر (ص: 68).

[20] الأستاذ مصطفى الزرقا: نظام التأمين (ص: 47).

[21] د. عبد الله مبروك: عقد التأمين ومدى مشروعيته في الفقه الإسلامي (ص: 200) وما بعدها، ويوسف كمال: كتاب الزكاة وترشيد التأمين المعاصر (ص: 45) وما بعدها، ود. عيسى عبده: التأمين بين الحِلِّ والحرمة (ص: 148) وما بعدها، والأستاذ مصطفى الزرقا: نظام التأمين (ص: 33) وما بعدها.

[22] العقل: دفع الدية أو التعويض المالي في جناية الخطأ.

[23] الأستاذ مصطفى الزرقا: نظام التأمين (ص: 29).

[24] الأستاذ مصطفى الزرقا: نظام التأمين (ص: 58).

[25] ابن عابدين: رد المحتار على الدر المختار (3 / 345).

[26] الأستاذ مصطفى الزرقا: نظام التأمين (ص: 60)، ود. عبد الله النجار: عقد التأمين ومدى مشروعيته في الفقه الإسلامي (ص: 279) وما بعدها.

[27] الأستاذ مصطفى الزرقا: نظام التأمين (ص: 51).

[28] وهبة الزحيلي: الفقه الإسلامي وأدلته (9 / 487، 488).

[29] يوسف كمال: كتاب الزكاة وترشيد التأمين المعاصر (ص: 50).

[30] الأستاذ مصطفى الزرقا: نظام التأمين (ص: 47، 48).

[31] من الموانع التي ذكرها الجمهور: الربا، والغرر، والجهالة، والقمار.

[32] عبد الله مبروك النجار: عقد التأمين ومدى مشروعيته في الفقه الإسلامي (ص: 284) وما بعدها.

[33] يوسف كمال: كتاب الزكاة وترشيد التأمين المعاصر (ص: 70) وما بعدها.

[34] يوسف كمال: كتاب الزكاة وترشيد التأمين المعاصر (ص: 72).

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة