من فقه المرافعات (1) مكانة فقه المرافعات بين العلوم بعامة وعلوم الشريعة بخاصة
عدد القراءات : 73

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

فإن للقضاء أهمية كبيرة ومكانة عظيمة، وعلمه من أشرف علوم الشريعة؛ لأنها تتصل بالفصل بين المتنازعين، وإيصال الحقوق إلى أصحابها، وذلك مما أعلى الله ذكره، وشرف أمره، وأعظم أجره.

وفقه المرافعات من أخص علوم القضاء، فهو الذي يرسم للقاضي وللمتقاضيين طريق سير الدعوى من البداية إلى النهاية مع بيان أحكامها وما يتصل بها، فله من ذلك القدح المعلى.

ولقد اشتدت الحاجة إلى إبراز هذا العلم والكتابة فيه: تبصرة للمبتدئين، وتذكرة للمنتهين، وشاهداً على تفوق أمتنا في تشريعها المعصوم بالوحي[2].

إن الأمة المسلمة هي أمة الأصالة والتفوق في تشريعها المعصوم بالوحي من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وما تفرع عنهما من أصول، فلم تجئ هذه الأمة إلى الحياة بلا رصيد لتعيش عالة على غيرها، بل إنها أمة ذات حضارة، لها من الزاد العلمي المعصوم بالوحي ما لا تملكه أمة سواها، فلقد كان ملوك النصارى في زمن مضى يردون الناس من سائر رعيتهم للتحاكم في الدماء والأموال إلى حاكم الأقلية المسلمة لديهم، ليحكم بينهم بشرع المسلمين، لما وجدوه في هذه الشريعة من العدل والإنصاف لأصحاب الحقوق [3].

وكانت أمم الغرب تستضيء بهذا الزاد وما زالت، فقد كانت عند الحملات الصليبية تفتش التراث الفقهي للمسلمين، واستفادت من ذخائره الشيء الكثير [4] كما كانت تفعل ذلك عند تواصلها مع المسلمين في الأندلس [5]، وهكذا استمرت إفادتها من ذلك حتى العصر الحاضر.

ولقد حدث الشيخ علي حيدر (كان حياً: 1327هـ) عن إجابة علماء المسلمين في عصره عن المعضلات الفقهية لدى أمم الغرب فقال -وهو يتحدث عن وظائف دار الإفتاء في آخر عهد الدولة التركية- : "وقد استُفْتِيَتْ دارُ الاستفتاء هذه في بعض الأحوال من قبل دول أوربا في بعض المسائل الغامضة الحقوقية" [6].

وتفوق أمتنا في تشريعها ما أقر به عدد من علماء الغرب، منهم: الدكتور (أتريكو إنساباتو) في كتابه: (الإسلام وسياسة الخلفاء)، فقد قال: "فقد أوجد -يعني: الإسلام- للعالم أرسخ الشرائع ثباتاً، شريعة تفوق في كثير من التفاصيل الشرائع الأوربية" [7].

وهذا الفن من العلم -فقه المرافعات- هو أحد فروع علم القضاء الذي هو باب من أبواب علم الفقه -والفقه أحد فروع علوم الشريعة-، ولذا نجد الفقهاء يعقدون في مؤلفاتهم الفقهية كتاباً يسمونه (كتاب القضاء) يتناولون فيه مشروعية القضاء، وشروط القاضي، وآدابه، وصفة تعيينه، وإحضار الخصوم، وسير الدعوى، وشروطها، وطرق الإثبات، وما يلحق بذلك من كتاب القاضي إلى القاضي، والقسمة.

ولأهمية علم القضاء وعلو مكانته فقد أفرده عدد من العلماء بمؤلف مستقل تناول فيه أحكام القضاء ومنها: فقه المرافعات، ولا غرابة في الاهتمام بهذا العلم؛ فإن الفن من العلم يشرف بشرف ما يؤديه من وظيفة، وهذا الفن -فقه المرافعات- معين للقضاء الذي هو من أعلى الخطط قدراً، وأمضاها للحقوق نصراً، فالعلم الذي يبين أصوله، ويُسَهِّل سبله، ويوضح طرقه يعد من أجل العلوم قدراً، وأعزها مكاناً، وأشرفها ذكراً، وقد أثنى الله -عز وجل- على سليمان -عليه السلام- لاجتهاده، وفهمه وجه الصواب، كما مدح داود لاجتهاده في الحكم، فقال تعالى: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ) [الأنبياء: 78، 79].

قال الحسن البصري (ت: 110هـ): "فحمد سليمان ولم يَلُمْ داود" [8].

كما أمتن الله -عز وجل- على داود بقوله: (وشددنا ملكه آتيناه الحكمة وفصل الخطاب) (ص: 20).

وقد فسر بعض العلماء فصل الخطاب بأنه العلم بالقضاء [9].

وقال آخرون: بأنه العلم بوجوه القضاء [10].

والمعنيان متقاربان؛ لأن من عرف وجوه القضاء فقد علم به.

ومما يبين أهمية هذا الفن من العلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حين عزم على بعث عليِّ -رضي الله عنه- إلى اليمن قاضياً احتج علي -رضي الله عنه- بأنه لا علم له بالقضاء، فأرشده النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى شيء من أصول التقاضي، فعن عليِّ -رضي الله عنه- قال: بعثتني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن قاضياً، فقلت: يا رسول الله، ترسلني وأنا حديث السن، ولا علم لي بالقضاء؟ فقال: ((إن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقضِيَنَّ حتى تسمع من الآخر، كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء)) قال: فما زلت قاضياً -أو: ما شككت في قضاء بعد-" [11].

وقول عليِّ - رضي الله عنه -: "ولا علم لي بالقضاء" لم يُرِدْ به نفي العلم مطلقاً، وإنما أراد نفي التجربة بسماع المرافعة بين الخصوم، وصفة رفع المدعي لدعواه، ودفع المدعي عليه لها، وتدافع الخصوم لأقوالهما وحججهما، ومكرهم، ولم يُرد به نفي العلم مطلقاً، فإنه -رضي الله عنه - كان عالماً بأحكام الدين وقضاياه [12].

إن العلم بالأحكام الكلية الموضوعية لا يغني القاضي عن معرفة الأحكام الإجرائية لمعرفة سير الدعوى حتى الحكم فيها، يقول ابن العربي (ت: 543هـ): "فأمَّا علم القضاء فَلَعَمْرُ إلهك إنه لَنَوْعٌ من العلم مُجَرَّدٌ، وفصلٌ منه مؤكد، غير معرفة الأحكام، والتبصر بالحلال والحرام" [13].

وقد كان هذا الفن من العلم محل اهتمام الخلفاء والولاة؛ فهذا عمر بن الخطاب لما ولى أبا موسي الأشعري - رضي الله عنهما - القضاء كتب له كتاباً بين فيه أصول المرافعة التي يحتاج إليها عند التقاضي[14].

وهذا عقبة بن الحجاج السلولي -رحمه الله- (ت: 123هـ) من ولاة الأندلس قبل دخول خلفاء بني أمية إليها يعهد إلى مهدي بن مسلم -رحمه الله- القضاء في قرطبة، ويأمره بكتابة عهده بنفسه، فكتب في ذلك كتاباً ضمنه أصولاً من أحكام المرافعة [15]، والكتابان يعدان من عيون الكتب فقهاً وترسلاً.

وقد أشاد العلماء بأهمية علم القضاء -ومنه فقه المرافعات-، ومن ذلك ما ذكره محمد بن عبد السلام (ت: 749هـ) فقد قال: "وعلم القضاء وإن كان أحد أنواع أبواب الفقه ولكنه متميز عنه بأمور ... ولا غرابة في امتياز علم القضاء عن غيره من أنواع الفقه"[16].

وما ذكره ابن فرحون (ت: 799هـ) فهو يقول: "ولما كان علم القضاء من أجل العلوم قدراً، وأعزها مكاناً، وأشرفها ذكراً ... وكانت طرق العلم به خفية المسارب، مخوفة العواقب، والحجاج التي يفصل بها الأحكام مهامه [17] يحار فيها القطا، وتقصر فيها الخطا - كان الاعتناء بتقرير أصوله، وتحرير فصوله من أجل ما صرفت له العناية، وحمدت عقباه في البداية والنهاية".

وقال مالك بن أنس -رحمه الله-: "كان الرجال يقدمون إلى المدينة من البلاد ليسألون عن علم القضاء، وليس كغيره من العلوم، ولم يكن بهذه البلدة -يعني: المدينة- أعلم بالقضاء من أبي بكر بن عبد الرحمن، كان قاضياً لعمر بن عبد العزيز، وكان قد أخذ شيئاً من علم القضاء من أبان بن عثمان، أخذ ذلك أبان عن أبيه عثمان بن عفان -رضي الله عنهما-...".

ولا غرابة في امتياز علم القضاء عن فقه فروع المذهب؛ لأن علم القضاء يفتقر إلى معرفة أحكام تجري مجرى المقدمات بين يدي العلم بأحكام الوقائع الجزئيات، وغالب تلك المقدمات لم يُجْر لها [18] في دواوين الفقه ذكراً، ولا أحاط بها الفقيه خبراً، وعليها مدار الأحكام، والجاهل بها يخطب خطب عشواء في الظلام، ولذلك قال أبو الإصبغ بن سهل: لولا حضوري مجلس الشورى مع الحكام ما دريت ما أقول في أول مجلس شاورني فيه الأمير سليمان بن أسود وأنا يومئذ أحفظ المدونة والمستخرجة الحفظ المتقن.

ومن تفقد هذا المعنى من نفسه ممن جعله الله إماماً يلجأُ إليه، ويعولُ الناس في مسائلهم عليه وجد ذلك حقاً، وألفاه ظاهراً وصدقاً"[19].

ويقول مياره الفاسي (ت بعد: 1072هـ): "فإن علم أحكام القضاء هو من الدين بمنزلة الرأي من سائر الأعضاء، وآدابه من أجل الآداب المرعية، وخطته من أعزم الخطط الشرعية، ركن من أركان الشريعة، بل هو أسها، ورئيس العلوم الإسلامية، بل هو رأسها"[20].

ويقول ابن أبي الدم (ت: 642هـ): "فإن أولى ما أعملت فيه القرائح، وعلقت به الأفكار اللواقح، وعني العالم بجمعه وتصنيفه، وأجهد نفسه في ترتيبه وتأليفه -ما فيه صلاح العواقب...، وهو علم فروع الشريعة من الحلال، والحرام، والواجب، والمندوب، وأخصها بالأولوية علم الأقضية والأحكام المتداولة بين القضاة والحكام، فإن الانتداب للإصلاح بين المتحاكمين، والانتصار للمظلوم من الظالم فيما يجري بين المتخاصمين من أفضل القربات، وأرفع الطاعات"[21].

وبالله التوفيق.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] القاضي بمحكمة التمييز بالرياض - الأستاذ بالمعهد العالي للقضاء.

نشر في مجلة الدعوة، الرياض، العدد 1891، في 7 صفر 1424هـ - 8 مايو 2003م، من ص 22 -23.

[2] لقد درسنا جميع مسائل فقه المرافعات، وسوف نخرجها تباعاً - إن شاء الله - يسر الله إخراجها، وأمدنا على ذلك بعونه.

[3] الجواب الصحيح لابن تيمية 3/ 253.

[4] أصول المرافعات الشرعية للعمروسي (61)، القضاء الإداري للرفاعي (347 - 350)، النظرية العامة للقضاء والإثبات للتجكاني (157)، نحو أدب إسلامي معاصر لأسامة شهاب (163).

[5] ديوان المظالم لحمدي عبد المنعم (304، 306) الفقه الإسلامي بين النظرية والتطبيق (225 - 249)، وانظر في المقارنة بين قانون نابليون والفقه المالكي كتاب: (المقارنات التشريعية) للشيخ سيد عبد الله علي حسين.

[6] درر الحكام 4/ 566.

[7] نقلاً عن: (الغزو الفكري) لعبد الستار سعيد (107)، وللاستزادة من ذلك انظر: المدخل الفقهي للزرقا 1/ 229، الشريعة الإلهية للأشقر (172).

[8] رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم في باب: متى يستوجب الرجل القضاء (الفتح 13/ 146).

[9] تبصرة الحكام 1/ 1، 2، شرح أدب القاضي لابن مازه 1/ 372، تفسير القرطبي 15/ 162.

[10] شرح أدب القاضي لابن مازه 1/ 373.

[11] رواه أبو داود (3/ 301)، وهو برقم 3582، وسكت عنه، والترمذي (2/ 395)، وهو برقم 1346، وحسنه، وأحمد (الفتح الرباني 15/213).

[12] عون المعبود 9/ 499، الفتح الرباني 15/ 213.

[13] أحكام القرآن 4/ 43.

[14] انظر نص هذا الكتاب مخرجاً ومفسراً في كتابنا: (المدخل إلى فقه المرافعات) ص 240 - 255.

[15] قضاة قرطبة للخشني (38)، وانظر هذا العهد في كتابنا: (المدخل إلى فقه المرافعات) ص 247.

[16] نقلاً عن البهجة 1/ 37، مواهب الجليل 6/ 87.

[17] جمع، مفرده: مَهْمَه، وهي المفازة البعيدة، والبلد المقفر، (المعجم الوسيط 2/ 890).

[18] هكذا النص كما في المطبوع من المرجع المذكور، ولعل فيه سقطاً، ويستقيم الكلام بزيادة كلمة: (الفقهاء) فتكون العبارة كما يلي: (لم يجر لها الفقهاء).

[19] تبصرة الحكام 1/ 1، 2، وانظر: الأحكام الكبرى لابن سهل 1/ 24.

فائدة:

يقول القرافي في بيان ما يحتاجه القاضي من الفطنة ونحوها مع الفقه بالأحكام الكلية: " فهذا باب عظيم يحتاج إلى فراسة عظيمة ويقظة وافرة، وقريحة باهرة، ودربة مساعدة، وإعانة من الله عاضده ... " (الأحكام/ 28).

[20] الإتقان 1/ 3.

[21] أدب القضاء لابن أبي الدم: 53 - 54.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة