حكم سب أمهات المؤمنين وأم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - خاصة
عدد القراءات : 133

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد آلم المسلمين والمسلمات جميعاً ما سمعوا من سب مقذع لأم المؤمنين، والصديقة الطاهرة المبرأة عائشة - رضي الله عنها وعن أبيها - من شخص نكرة، لا قيمة له ولا وزن، وهذه مقالة في بيان حكم السب أو الطعن في الصديقة عائشة - رضي الله عنها وعن باقي أمهات المؤمنين رضي الله عنهن -.

فنقول: إن أمهات المؤمنين رضي الله عنهن أولاً: داخلات في عموم الصحابة - رضي الله عنهم -، لأنهن منهم، وقد رأين النبي - صلى الله عليه وسلم -، وآمن به، واتبعنه على الإيمان، وعملن من الصالحات، وبعضهن ممن هاجرن معه، وجاهدن معه، وحضرن الغزوات، حججن واعتمرن معه، وأنفقن في سبيل الله في حياته، وبعد مماته، ثم قمن بما أمرهن الله في قوله: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفاً خبيراً)(الأحزاب:34) أي: يعلم خبايا الأمور، وخفايا الصدور.

فكن - رضي الله عنهن - خير معلمات للأمة، ومبلغات لدينه، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - خصوصاً أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - فهي ممن روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فوق الألف من الأحاديث النبوية، وكانت تستدرك على الصحابة كثيراً من المسائل العلمية، والفقهية، وغير ذلك من أعمال البر والفضل، والإحسان مما تميزن به.

وكل ما جاء في تعظيم حق الصحابة، وتحريم سبهم، والتنقص لشأنهم؛ من آيات قرآنية، وأحاديث نبوية؛ فإن ذلك يشملهن وزيادة، لما لهن من المنزلة العظيمة في الدين، وقوة القرابة من سيد الخلق أجمعين - صلى الله عليه وسلم -، فهن زوجاته، وحلائله، وأهله، وحريمه، والتعرض لهن تعرض لشخص النبي - صلى الله عليه وسلم - مباشرة، وهذا لا يخفى على العميان؟!

وقد بيَّن أهل العلم حكم سابهن، والمتعرض لهن بالسوء، وما يستحق من عقوبة أو ذنب، وبينوا ذلك أوضح بيان في أقوالهم المأثورة، ومؤلفاتهم المختلفة.

فأولاً: أهل العلم من أهل السنة والجماعة أجمعوا قاطبة على أن من طعن في عائشة - رضي الله عنها - بما برأها الله منه في كتابه، وبما رماها به المنافقون من الإفك، والبهتان، والفاحشة؛ فإنه كافر بالله العظيم، لأنه مكذب بما ذكره الله في كتابه من إخباره ببراءتها، وطهارتها، والمكذب لله - تعالى - كافر بلا شك ولا ريب، وقالوا: إنه يجب قتله لذلك.

وعلى هذا كلام أهل العلم:

1- فقد ساق أبو محمد بن حزم - رحمه الله - في كتابه المحلى بإسناده إلى هشام ابن عمار قال: سمعت مالك بن أنس يقول: من سب أبا بكر وعمر جلد، ومن سب عائشة قتل، قيل له: لم يقتل في عائشة؟ قال: لأن الله - تعالى - يقول في عائشة - رضي الله عنها - (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين)، قال مالك: فمن رماها فقد خالف القرآن، ومن خالف القرآن ُقتل، قال أبو محمد - رحمه الله -: قول مالك هاهنا صحيح، وهي ردة تامة، وتكذيب لله - تعالى - في قطعه ببراءتها. المحلى (13/504).

2- وحكى أبو الحسن الصقلي أن القاضي أبا بكر الطيب قال: إن الله - تعالى - إذا ذكر في القرآن ما نسبه إليه المشركون سبح نفسه لنفسه، كقوله (وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه)، و ذكر - تعالى - ما نسبه المنافقون إلى عائشة فقال: (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك)، سبح نفسه في تبرئتها من السوء كما سبح نفسه في تبرئته من السوء، وهذا يشهد لقول مالك في قتل من سب عائشة، ومعنى هذا - والله أعلم - أن الله لما عظّم سبها كما عظم سبه، وكان سبها سباً لنبيه، وقرن سب نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وأذاه بأذاه - تعالى -، وكان حكم مؤذيه - تعالى - القتل، كان مؤذي نبيه - عليه الصلاة والسلام - كذلك. الشفاء للقاضي عياض (2/267-268).

3- وقال أبو بكر بن العربي: إن أهل الإفك رموا عائشة المطهرة بالفاحشة، فبرأها الله، فكل من سبها بما برأها الله منه فهو مكذب لله، ومن كذب الله فهو كافر، فهذا طريق قول مالك، وهي سبيل لائحة لأهل البصائر، ولو أن رجلاً سب عائشة بغير ما برأها الله منه لكان جزاؤه الأدب. أحكام القرآن لابن العربي (3/1356).

4- وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في "الصارم المسلول على شاتم الرسول" بعض الوقائع التي قتل فيها من رماها - رضي الله عنها - بما برأها الله منه حيث يقول: وقال أبو بكر بن زياد النيسابوري: سمعت القاسم بن محمد يقول لإسماعيل بن إسحاق: أتى المأمون بالرقة برجلين شتم أحدهما فاطمة، والآخر عائشة، فأمر بقتل الذي شتم فاطمة، وترك الآخر، فقال إسماعيل: ما حكمهما إلا أن يقتلا، لأن الذي شتم عائشة رد القرآن.

قال شيخ الإسلام: وعلى هذا مضت سيرة أهل الفقه والعلم من أهل البيت وغيرهم.

5- وقال أبو السائب القاضي: كنت يوماً بحضرة الحسن بن زيد وهو ابن الحسن بن أبي طالب المدني بطبرستان، وكان بحضرته رجل، فذكر عائشة بذكر قبيح من الفاحشة، فقال: يا غلام اضرب عنقه، فقال له العلويون: هذا رجل من شيعتنا، فقال: معاذ الله؟! إن هذا رجل طعن على النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال الله - تعالى -: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرؤون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم)، فإن كانت عائشة - رضي الله عنها - خبيثة، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - خبيث، فهو كافر؛ فاضربوا عنقه، فضربوا عنقه وأنا حاضر.

6- وروي عن محمد بن زيد أخي الحسن بن زيد أنه قدم عليه رجل من العراق فذكر عائشة - رضي الله عنها - بسوء، فقام إليه بعمود فضرب دماغه فقتله، فقيل له: هذا من شيعتنا؟! ومن بني الآباء؟ فقال: هذا سمى جدي قرنان (أي من لا غيرة له) ومن سمّى جدي قرنان استحق القتل فقتلته.

7- وقال القاضي أبو يعلى: من قذف عائشة - رضي الله عنها - بما برأها الله منه كفر بلا خلاف، وقد حكي الإجماع على هذا غير واحد، وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم.

8- وقال أبي موسى وهو عبد الخالق بن عيسى بن أحمد بن جعفر الشريف الهاشمي إمام الحنابلة ببغداد في عصره: ومن رمى عائشة - رضي الله عنها - بما برأها الله منه؛ فقد مرق من الدين، ولم ينعقد له نكاح على مسلمة. انظر الصارم المسلول (ص 566-568).

9- وقال الإمام النووي في تعداده الفوائد التي اشتمل عليها حديث الإفك: الحادية والأربعون: براءة عائشة - رضي الله عنها - من الإفك، وهي براءة قطعية بنص القرآن العزيز، فلو تشكك فيها إنسان - والعياذ بالله - صار كافراً مرتداً بإجماع المسلمين قال ابن عباس وغيره: لم تزن امرأة نبي من الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين -، وهذا إكرام من الله - تعالى - لهم. شرح النووي على صحيح مسلم (17/117-118).

10- وقال ابن قدامة المقدسي: ومن السنة الترضي عن أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمهات المؤمنين المطهرات المبرءآت من كل سوء، أفضلهم خديجة بن خويلد، وعائشة الصديقة بنت الصديق التي برأها الله في كتابه، زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا والآخرة، فمن قذفها بما برأها الله منه فقد كفر بالله العظيم. لمعة الاعتقاد (ص 29).

11- وقال بدر الدين الزركشي: من قذفها فقد كفر لتصريح القرآن الكريم ببراءتها. الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة (ص 45).

12- وقد حكى العلامة ابن القيم اتفاق الأمة على كفر قاذف عائشة - رضي الله عنها - حيث قال: واتفقت الأمة على كفر قاذفها. زاد المعاد (1/106).

13- وقال الحافظ ابن كثير عند قوله - تعالى -: (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم)، قال: أجمع العلماء - رحمهم الله - قاطبة على أن من سبها بعد هذا، ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية؛ فإنه كافر لأنه معاند للقرآن.

وفي بقية أمهات المؤمنين قولان: أصحهما أنهن كهي، والله أعلم. حسن التحرير في تهذيب تفسير ابن كثير (3/244).

14- وقال السيوطي عند آيات سورة النور من قوله - تعالى -: (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم) الآيات، قال: نزلت في براءة عائشة فيما قذفت به، فاستدل به الفقهاء على أن قاذفها يقتل لتكذيبه لنص القرآن، قال العلماء: قذف عائشة كفر، لأن الله سبّح نفسه عند ذكره، فقال: (سبحانك هذا بهتان عظيم) كما سبح نفسه عند ذكر ما وصفه به المشركون من الزوجة والولد. الإكليل في استنباط التنزيل (ص 190).

فما سبق من الأقوال المتقدمة عن الأئمة والعلماء، وأهل التفسير، والحديث؛ فيها بيان واضح، ودليل ظاهر أن الأمة مجمعة على أن من سب أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها -، وقذفها بما رماها به أهل الإفك؛ فإنه كافر بالله، لأنه مكذب له - تبارك وتعالى - فيما أخبر به من براءتها وطهارتها - رضي الله عنها -، وأن عقوبته أن يقتل مرتداً عن ملة الإسلام.

ولا يحل لمسلم أن يقع في مثل ذلك أو ما يقاربه من التنقص أو الازدراء لهن بالقول أو الفعل.

فنسأل الله - تعالى - أن ينتقم ممن تعرض لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بسوء، ولأزواجه بشر، ولعباده المؤمنين بأذى، وهو القادر على ما يشاء وهو بكل شيء محيط، وأن يحفظنا جميعاً بحفظه، ويطهر بلادنا من الفتن والبلايا، والرزايا والمحن.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة