مكاسب الصهاينة من تفكك الاتحاد الأوروبي
عدد القراءات : 154

على الرغم من التزام الكيان الصهيوني الصمت إزاء تأييد البريطانيين انسحاب بلادهم من الاتحاد الأوروبي، إلا أن قادة هذا الكيان يرون في الواقع أن هذا التطور يخدم مصالح تل أبيب ويحسِّن من قدرة نُخَب اليمين المتطرف التي تدير دفة الأمور في تل أبيب على المناورة في الساحتين الإقليمية والدولية.

فما لا شك فيه أن تل أبيب تشعر بارتياح كبير إزاء انسحاب بريطانيا؛ لأنها تراهن على أن تمثلَ هذه الخطوة بدايةَ النهايةِ لهذا النادي الذي تسببت بعض القرارات الصادرة عنه كثيراً من الحرج للكيان الصهيوني، سيما قرار "تمييز" البضائع الصهيونية التي تنتجها المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلة من أجل تشجيع المستهلك الأوروبي على عدم اقتنائها.

وبشكل عام، فإن الكيان الصهيوني يرى أن القرارات التي يتخذها الاتحاد الأوروبي بشكل عام بشأن الصراع تتعارض مع المواقف الصهيونية وتعد أقرب للموقف الفلسطيني؛ ناهيك عن الضرر الإعلامي الكبير الذي تعرضت له تل أبيب بفعل تسليط الأضواء على البيانات التي أصدرها الاتحاد الأوروبي، والتي تضمنت معطيات حول مظاهر العدوان التي يتعرض له الفلسطينيون من قبل الحكومة الصهيونية والمستوطنين.

تأمل تل أبيب أن يفضي تفكُّك الاتحاد الأوروبي المتوقع إلى تراجع المواقف الأوروبية التقليدية من الصراع، مثل تأييد إقامة دولة فلسطينية، ورفض بقاء المستوطنات وغيرها من مواقف، والتي لا تبدي الدوائر الحكومية والحزبية الصهيونية أدنى استعداد للتعامل معها.

وتراهن الدوائر الصهيونية، سيما اليمينية منها على أن يفضي الانشغال الإعلامي والسياسي داخل أوروبا بتداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد إلى إسدال الستار على المبادرة الفرنسية، التي تعارضها حكومة اليمين المتطرف في تل أبيب بشكل قوي. فقد وفرت نتائج الاستفتاء البريطاني على الكيان الصهيوني مواصلة القيام بكثير من الجهود الدبلوماسية والسياسية من أجل التصدي للمبادرة الفرنسية. ولا حاجة للتذكير بأن رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو بذل بالفعل جهوداً كبيرة من أجل قبر المبادرة الفرنسية. فقد بات في حكم المؤكد أن ما يسمى بـ "المبادرة المصرية" التي عبر عنها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في خطاب أسيوط قد هدفت إلى نزع الشرعية عن المبادرة الفرنسية، وجاءت بطلب من نتنياهو.

في الوقت ذاته، فإن تفكك الاتحاد الأوروبي يساعد الكيان الصهيوني على إدارة علاقاته مع أوروبا بشكل أفضل؛ حيث تبين للصهاينة أن تل أبيب بإمكانها أن تدير علاقاتها منفردة مع كل دولة أوروبية بشكل أفضل من قدرتها على إدارة هذه العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، كمؤسسة جامعة للأوروبيين.

وعلى صعيد مستقبل العلاقات مع بريطانيا بشكل خاص، فإن فرص وصول بوريس جونسون، عمدة لندن السابق إلى رئاسة حزب المحافظين، ومن ثَمَّ رئاسة الحكومة البريطانية في أعقاب إعلان رئيس الوزراء الحالي ديفيد كامرون استقالته، يعد مكسباً كبيراً لإسرائيل، سيما لليمين المتطرف، وذلك بسبب مواقف جونسون المؤيدة بقوة لإسرائيل.

وبشكل عام، فإن نتائج الاستفتاء أضفت مصداقية على رهان نخب الحكم اليمينية في تل أبيب على العلاقات والتنسيق مع الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا. فكما هو معروف، فإن هذه الأحزاب تؤيد بشكل تقليدي فكرة تفكيك الاتحاد الأوروبي، ومن ثَمَّ، فإن تل أبيب تنطلق من افتراض مفادُه أن تفكُّك الاتحاد الأوروبي سيفضي إلى وصول قوى اليمين المتطرف إلى الحكم وهو ما يعني تحسين العلاقات مع تل أبيب بشكل غير مسبوق.

ويعود حماس الحكومة الصهيونية والأحزاب اليمينية المشاركة فيها إلى تدشين قنوات اتصال مع قوى اليمين المتطرف في أوروبا لأن هذه القوى تتبنى بشكل تقليدي مواقف متطرفة مع العرب والمسلمين. وترى الكثير من الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا في الكيان الصهيوني شريكاً لها في مواجهة المسلمين.

في الوقت ذاته، فإن تل أبيب تراهن على دور الأحزاب اليمينية المتطرف الأوروبية في مساعدتها في مواجهة حركة المقاطعة الدولية "BDS"، حيث ترى الكثير من المحافل الصهيونية أن نتائج الاستفتاء البريطاني ستعزز من دور اليمين المتطرف في أوروبا، ومن ثَمَّ يتعاظم الدور الحاسم الذي يقوم به في إسناد تل أبيب.

من هنا، لم يكن من سبيل الصدفة أن يقوم هينس كريستيان شتراكا زعيم حزب "الحرية"، الذي يمثل اليمين المتطرف في النمسا بزيارة للكيان الصهيوني هي الخامسة التي تتم في غضون عامين، وذلك بدعوة من حزب الليكود الحاكم. فقد قام اشتراكا بزيارات "تضامنية" لمستوطنات الضفة الغربية، حيث هاجم بشدة قرار الاتحاد الأوروبي تمييز منتوجات المستوطنات.

وقد نشرت صحيفة "ميكور ريشون" اليمينية في عددها الصادر الجمعة الماضي تحقيقاً موسعاً حول دور شتراكا في الدفاع عن إسرائيل. وكشف تحقيق بثته قناة التلفزة الصهيونية العاشرة مؤخراً النقاب عن أن الحكومة الإسرائيلية تراهن على تعزيز العلاقات مع قوى اليمين المتطرف في أوروبا من أجل تحسين قدرتها على مواجهة حركة المقاطعة الدولية "BDS". وأشارت القناة إلى أن وزارة الخارجية الصهيونية قد نسقت مع قادة حزب "الحرية" الكثير من الخطوات ضد "BDS".

إن أكثر ما يدلل على الحماس الصهيوني لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تمثَّل في الحملة الدعائية التي قامت بها منظمة يمينية دينية مرتبطة بحكومة بنيامين نتنياهو عشية الاستفتاء لإقناع البريطانيين المقيمين في الكيان الصهيوني، ومؤيدي هذا الكيان في بريطانيا بتأييد الانفصال.

وأقرت هذه المنظمة، التي تطلق على نفسها "رجيفيم"، أنها قامت بالحملة "انتقاماً من الاتحاد بسبب مواقفه المؤيدة للفلسطينيين".

 وضمن المواد الدعائية التي تضمنتها الحملة التي نظمتها "رجيفيم"، والتي عرضت على مواقعها على الإنترنت وضمن قنواتها على اليوتيوب، صوراً لملثمين من حركة حماس كتب أسفلها: نحن ندعم عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي".

ونقلت صحيفة هآرتس عن آرييه بريغاس، مسؤول العلاقات الدولية في "رجيفيم" قوله: "نحن نرد لهم الصاع صاعين، هم يتدخلون في شؤوننا الداخلية ونحن نتدخل في شؤونهم الداخلية".وحسب "هآرتس" فإن "رجيفيم" تتلقى سنوياً عشرات الملايين من الشواكل من وزارات ومؤسسات حكومية صهيونية.       

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة