النجش والتناجش (أنواعه، حكمه، النهي عنه)
الكاتب : ندا أبو أحمد
عدد القراءات : 26

النجش والتناجش [1] (أنواعه، حكمه، النهي عنه):

التناجش هو نوعٌ من أنواع آفات اللسان، خاصٌّ بالبيع والشراء، وهو نوعٌ من الخديعة والمكر، وأكل أموال الناس بالباطل.

معنى التناجش: قال الإمام الشافعي -رحمه الله-: "النَّجْشُ: أن يحضُرَ الرجلُ السلعةَ تباع، فيُعطي بها الشيء [2] وهو لا يريدُ شراءها ليقتدي به السُّوَّامُ، فيُعطون بها أكثر ممَّا كانوا يُعطُون لو لم يسمعوا سومه" (فتح الباري: 4/ 417).

• وقال الإمام الترمذي -رحمه الله-: "النَّجْشُ: هو أن يأتي الرجل الذي يفصِلُ السلعة إلى صاحب السلعة فيستامَ بأكثر مما تَسْوَى[3]، وذلك عندما يحضره المشتري، يريد أن يغتَرَّ المشتري به (أي بما قاله ثمنًا للسلعة) وليس من رأيه الشراء، وإنما يريد أن يخدع المُشتري بما يستام"؛ (سنن الترمذي: 3/ 588).

• وقال الجُرجاني -رحمه الله-: "النَّجْشُ: أن تزيدَ في ثمن سلعة، ولا رغبة لك في شرائها" (التعريفات: صـ 259).

• وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "النَّجْشُ: هو الزيادة في ثمن السلعة ممَّن لا يريد شراءها ليقع غيره فيها، وقد سُمِّي تناجشًا؛ لأن الناجش يثيرُ الرغبة في السلعة، ويقع ذلك بمُواطأة البائع فيشتركان في الإثم" (فتح الباري: 4/ 416).

• وقد ذكر الفيومي ما يُفيد أن التناجش يقع أيضًا في النكاح عندما قال: "يُقَال: نجش الرجل: إذا زاد في سلعته أكثر من ثمنها...، وكذلك في النكاح وغيره، وفعل ذلك هو التناجش" (انظر المصباح المنير: 2/ 594).

أنواع التناجش:

للتناجش أو النَّجْش صورٌ عديدة؛ أهمها:

الأولى: أن يشترك الناجش والبائع للسلعة في خداع المُشتري؛ بأن يتواطأ كِلاهما على ذلك.

الثانية: أن يقَع الإغراء بدون علم البائع؛ بأن يتطوَّع الناجش من تلقاء نفسه برفع ثمن السلعة.

الثالثة: انفراد البائع بعملية الإغراء؛ بأن يَزعم أنه اشترى بأكثرَ ممَّا اشتراها به، وربما حلَف على ذلك ليغرَّ المُشتري، وقد يقع ذلك منه بأن يخبر بأنه أُعْطِيَ في السلعَةِ ما لم يُعْطَ.

الرابعة: أن يأتي شخصٌ إلى وليِّ أمر فتاة وقد حضر مَن يخطبها، فيَذكر مهرًا أغلى ليغُرَّ الخاطب بذلك، أو يذُمَّها.

الخامسة: أن يمدح شخصٌ سلعةً ما كي تباع، أو يذُمَّهَا كي لا تنْفُقَ على صاحبها (وذلك كما في الإعلانات المغرضة التي لا تتفق مع الواقع).

حكم التناجش:

قال ابن بطال -رحمه الله-: "أجمع العلماء على أن الناجش عاصٍ بفعله، واختلفوا في البيع إذا وقع على ذلك، فقال جماعةٌ مِن أهل الحديث: "إن البيع فاسد"، وقد جاء ذلك في رواية عن مالك، وهو المشهور عن الحنابلة إذا كان ذلك بمواطأة المالك أو صُنعه؛ (أي: في الصورتين الأولى والثالثة من صور التناجش).

• وقد روي عن عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- أن عاملاً له باع سَبِيًّا، فقال له: لولا أني كنتُ أَزيد فأنفقه لكان كاسدًا، فقال له عمر: "هذا نجشٌ لا يحلُّ"، فبعث مناديًا يُنادي: "إن البيع مردودٌ، وأن البيع لا يحل" (فتح الباري: 40/ 416).

• وقال الأحناف: "البيع صحيح (مع الإثم) وهذا هو الأصح عند الشافعية".

• وقد قال الإمام الشافعي -رحمه الله-: "إن نَجَشَ رجلٌ؛ فالناجش آثمٌ فيما يصنع، والبيع جائز؛ لأن البائع غير الناجش".

• والمشهور عند المالكية (وهو وجهٌ عند الشافعية أيضًا) ثبوتُ الخيار للمشتري، إن شاء أنفَذَ البيعَ وإن شاء نقَضَه؛ وذلك قياسًا على المُصَرَّاة[4]، وقيد بعضهم تحريم النَّجْش بأن تكون الزيادة الناتجة عنه فوق ثمن المثل، ولو أن رجلاً رأى سلعة تباع بدون قيمتها فزاد فيها لتصِلَ إلى قيمتها لم يكن ناجشًا عاصيًا، وفي هذا القول نظر؛ لأن له أن يُعْلِم صاحب السلعة بقيمتها الحقيقية ويترك له الخيار في البيع" اهــ بتصرف واختصار (فتح الباري: 4/ 417).

• وقال ابن قدامة -رحمه الله-: "النَّجْشُ منهيٌّ عنه، وهو حرامٌ وخداع، وفيه تغريرٌ بالمُشتري؛ فإن اشترى مع النجش فالشراء صحيح في قول أكثرِ أهل العلم؛ منهم الشافعي، وأصحاب الرأي، وعن أحمد أن البيع باطل؛ لأن النهي يقتضي الفساد...".

النهي عن النجش:

قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [آل عمران: 77].

وجهُ ارتباط هذه الآية الكريمة بالتناجش: ما رُوِيَ عن سبب نزولها؛ مِن "أن رجلاً أقام سِلعتَه فحلف بالله لقد أُعْطِيَ فيها ما لم يُعطَ، فنزلَت هذه الآية" (انظر فتح الباري: 4/ 417).

وذكر الإمام الطبري -رحمه الله- في تفسير هذه الآية (3/ 230) عن عامر الشَّعبي -رحمه الله- أنه قال:

"أقام رجلٌ سلعته أول النهار، فلما كان آخره جاء رجلٌ يساومه، فحلف: لقد منَعها أولَ النهار مِن كذا وكذا، ولولا المساء ما باعَها به[5] فأنزل الله -عز وجل-: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [آل عمران: 77]، وقال الإمام الطبري: "رُوِّينا عن مجاهدٍ نَحوه".

• وعن قتادة -رضي الله عنه- أن عِمران بن حُصين كان يقول: "مَن حلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال أخيه فليتبوأ مقعده من النار" فقال له قائل: شيء سمعتَه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال لهم: إنكم لتَجِدون ذلك (في كتاب الله) ثم قرأ هذه الآية: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً...) [آل عمران: 77].

• وأخرج البخاري من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن النَّجْشِ[6]".

• وأخرج الإمام أحمد عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا يبيع بعضُكم على بيع بعض)) ونهى عن النجش، ونهى عن بيع حَبَلِ الحَبَلَةِ، ونهى عن المُزَابَنَةِ[7] والمزابنةُ بيع الثمر بالتَّمر كيلاً، وبيع الكرم بالزبيب كيلاً (قال الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله-: إسناده صحيح، وهو في الحقيقة أربعة أحاديث).

• وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا يُتَلَقَّى الرُّكبانُ لبيعٍ، ولا يبعْ بعضُكم على بيع بعضٍ، ولا تناجشُوا، ولا يبع حاضرٌ لبادٍ، ولا تَصروا الإبل والغنم، فمَن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النَّظَرَين بعد أن يحلُبَهَا؛ فإن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردَّها وصاعًا من تمر)).

• وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يبيع حاضرٌ لبادٍ[8] ((ولا تناجشُوا، ولا يبيع الرجلُ على بيع أخيه، ولا يخطُبُ على خِطبَةِ أخيه، ولا تَسألِ المرأةُ طلاقَ أختها لِتَكفَأَ ما في إنائها))".

• وعند البخاري ومسلم أيضًا من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إياكم والظنَّ؛ فإن الظن أكذبُ الحديث، ولا تجَسَّسُوا -أو لا تحَسَّسُوا-[9] ولا تناجشُوا، ولا تحاسدُوا، ولا تباغضُوا، ولا تدابرُوا، وكونوا عباد الله إخوانًا)).

• وأخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا يَسُمِ المسلمُ على سَوْمِ أخيه، ولا يخطب على خِطبَتِه)).

• وأخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ثلاثة لا يُكلِّمُهُم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم، ولا يُزكِّيهم، ولهم عذاب أليم: رجلٌ على فضلِ ماءٍ بالفلاة يمنعه من ابن السبيل، ورجلٌ بايع رجلاً بسلعةٍ بعد العصر فحلَفَ له بالله لأَخَذَها بكذا وكذا، فصَدَّقَه وهو على غير ذلك، ورجلٌ بايع إمامًا لا يبايعه إلا لدنيا؛ فإن أعطاه منها وفي، وإن لم يعطه منها لم يَفِ)).

النجش خداع:

• فقد أخرج الطبراني والحاكم والبيهقي في "شُعب الإيمان" عن قيس بن سَعد بن عُبادة -رضي الله عنه- قال: "لولا أني سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((المكر والخديعة في النار)) لكنتُ مِن أمكرِ الناس" (وهو في "صحيح الجامع": 6725، دون قوله: "لكنت من أمكر الناس").

• وأخرج البخاري عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه؛ فهو ردٌّ)).

• وقد جمع البخاري بين جزء من حديث قيس وحديث عائشة -رضي الله عنهما- في ترجمته لباب النجش وذكر قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((الخديعةُ في النار، ومَن عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو ردٌّ)) (فتح الباري: 4/ 416).

• قال الإمام البخاري: "هو -أي: النَّجْشُ- خداع باطل لا يحل" (كتاب البيوع).

• قال الإمام الترمذي: "هذا -النَّجْشُ- ضرب من الخديعة" (سنن الترمذي: 3/ 589).

• قال أيوبُ السَّختِيانيُّ -رحمه الله-: "يُخادعُون الله كأنما يُخادِعُون آدميًّا[10] لو أتوا الأمر عيانًا كان أهونَ علَي".

• قال ابن حجر -رحمه الله- في شرح هذه العبارة: "لو أعلن (المخادعون) بأخذ الزائد على الثمن معاينة بلا تدليس لكان (الأمرُ) أسهل؛ لأنه -أي: هذا الزائد- يُجْعَل آلة للخداع" (فتح الباري: 12/ 352).

• وقال ابن حجر -رحمه الله-: "سالِكُ المكر والخديعة حتى يفعل المعصية أبغضُ عند الناس ممَّن يظاهر بها، وهو في قلوبهم أوضعُ، وهم عنه أشدُّ نفرةً"؛ (المصدر السابق: 12/ 352).

• قال ابن أبي أوفى: "الناجشُ آكلُ رِبًى خائن" (فتح الباري: 4/ 416).

تنبيه:

مَن خاف غبنًا في البيع وخداعًا، فليقل: لا خِلَابَة[11] وذلك للحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رجلاً ذكر للنبي -صلى الله عليه وسلم- أنه يخدعُ في البيوع، فقال: ((إذا بايعتَ فقل: لا خِلَابَة)).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] نَضرة النعيم: 9/ 4257 - 4264.

[2] فيُعطي بها الشيء؛ أي: يَذكر لها ثمنًا معينًا.

[3] فيستام بأكثر مما تَسْوى: استام؛ أي: ساوم، والمراد بالمساومة: المجاذبة بين المشتري والبائع على السلعة، وفصل ثمنها.

[4] الْمُصَرَّاة: هي الشاة أو البقرة... أو نحوهما، إذا صُرِّي لبنها وحُقن بالضَّرع فلم تُحلَب، وقيل: التصرية ربط أخلاف الناقة أو الشاة وترك حلبها؛ حتى يجتمع لبنها فيَكثر، فيظن المُشتري أن ذلك عادتها، فيَزيد في ثمَنِها.

[5] ولولا المساءُ ما باعها به؛ أي: بالثمن المذكور في المساومة.

[6] وردت كلمة "النَّجْش" في الحديث بسكون الجيم وفتحها، قال ابن حجر -رحمه الله-: المشهور أنه بفتح الجيم لكن أكثر اللُّغويِّين على سكون الجيم.

[7] يبدو أن تفسير الْمُزابَنة إما من كلام ابن عمر، وإما من كلام صاحب المسند.

[8] معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يبيع حاضرٌ لبادٍ)) أي: لا يكون الحاضر -ساكن الحضر- للبادي -ساكن البادية- سمسارًا؛ أي: يتقاضى أجره منه ليبيع له بضاعته، ويجوز ذلك إذا كان البيعُ بدون أجرة؛ من باب النصيحة؛ (انظر: تفسير ابن عباس للعبارة، وشرح ابن حجر لها في فتح الباري: 4/ 433).

[9] ولا تجَسَّسُوا أو لا تحَسَّسُوا: الشكُّ من الراوي، وقد عبر عنه بلفظ "أو".

[10] المراد بالمخادعين هنا: مَن يخدعون الناس في البيوع، ويحتالون عليهم حتى يَبيعوها بأزيدَ مِن ثمنها، وقد صدَّر البخاريُّ -بعبارة أيوبَ هذه- البابَ الذي عقَده؛ لما ينهى عنه مِن الخداع في البيوع؛ (انظر: فتح الباري: 12/ 352).

[11] لا خِلَابَة؛ أي: لا خديعة، ومعنى يُخدَع في البيوع: أنه يَلقى منها غَبنًا.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة