الكذب وعدم تحري أمانة النقل في البحث الاستشراقي
عدد القراءات : 47

من الأخطاء المنهجية والأخلاقية الفادحة التي اتسم بها منهج المستشرقين في الدراسات الإسلامية؛ تعمُّد الكذبِ وقلبِ الحقائق وعكسِها، وتركِ الأمانة فيما ينقلون من نصوص، وذلك محاولةً منهم لإثبات آرائهم الفاسدة، ومعتقداتهم السيئة، التي كوّنوها سلفًا قبل البحث والدراسة.

أرأيت إلى إنسان يقف في وسط جموع الناس، والشمسُ في ضحاها، والنهارُ يقارب على الانتصاف، ومع هذا يخاطب الناسَ بملء شِدْقيه قائلًا لهم لا تظنوا أننا في وسط النهار، بل نحن الآن يَلُفُّنا ظلامُ الليل!

ويُصِرّ على إنكار حقيقة تجمع عليها الخلائق!

إن هذا لا يقوله إلا مريض أو جريء كذوب!

وإن من المستشرقين مَن هذا ديدنُه؛ يأتي إلى أوثق الأخبار، وأظهر الحقائق، وأصح الروايات والمأثورات، ويقول بعكسها، ويختلق من عصارة حِقدة ما يخالفها ويناقضها.

جرأة المستشرق "لامانس" على الكذب في كتاباته:

وقد تبنَّى هذا المنهجَ وتبعه فيه غيرهُ من المستشرقين: المستشرقُ القسيس "لامانس"، الذي كتب وتوسع في دراسة الإسلام، وهو من المستشرقين الرهبان الذين أكل الحقدُ قلوبهم، وملأ الغيظ صدورَهم، وبدَت العداوة من أفواههم.

((لقد ضاق ذرعًا برؤية الإسلام ينتشر شيئا فشيئا، ويبسط ظلَّه يوماً فيوماً على أفريقيا وآسيا، ويضيق صدر القسيس " لامانس " فإذا به يَسخط على القدَر نفسِه، ويقول: لماذا جاء القرآن فجأة ليقضيَ على التأثير اللطيف الذي كان الإنجيل قد أخد يُحدِثه في ابن البادية؟))[1].

وعودة إلى منهج الكذب وتعمُّد قلْبِ الحقائق إلى عكسها، ومظاهِر ذلك فيما كتب هذا المستشرق الحقود، ونذكر بعض هذه المظاهر من خلال ما سجّله الإمام الشيخ "عبدالحليم محمود" -رحمه الله- فيما يلي[2]:

1- إن مما لا شك فيه أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان شجاعًا.

لقد كان يقود الجيوش في الغزوات ولم تَطِر نفسه شُعاعًا في أية واحدة منها، ولا يوم أُحُد وقد ابتُلي المؤمنون وزُلزِلوا زلزالًا شديدًا ولم تَهُله كثرة الجيوش المعادية في غزوة الخندق، يوم أن زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، ولم تَرُعه النبال كالمطر يوم حنين.

ومع ذلك فإن "لامنس" يصفه بعدم الشجاعة، ثم يحاول أن يعمم الحكمَ على العرب قاطبة، فيقول:

((زعموا أن العربيَّ يتّسم بالشجاعة، بل لقد عللوا النجاح في الفتوح الإسلامية الأولى بما يمتاز به العربيُّ من صفات ومزايا، ولكني أتردد كل التردد في قبول هذا الرأي المبالغ فيه كل المبالغة، إن شجاعة العرب إنما هي من نوعِ غيرِ سامٍ)).

2- ومن المعروف أن الرسول كان يتحنّث في غار حراء، ينفرد بنفسه يستجمع ذهنه وشعوره، منصرفًا كلَّ الانصراف عن هذا العالم الماديّ، مستغرقًا في التفكير في الله، ولكن " لامنس " يؤكد أنه كان يكره الوحدة!

3- ومن المعروف أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- خرج من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير، وكان يأتي على آل محمد الشهرُ والشهران لا يوقد في بيت من بيوتهم نار، وكثيرًا ما كان قوته التمر والماء، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يَعْصِب على بطنه الحجر من الجوع، ومع ذلك فإن "لامنس" يصفه بأنه أَكُول، وقد كثّف جسمَه بالملذات، ولا يَذكر شيئا من صوم الرسول -صلى الله عليه وسلم- لشهر رمضان، وأنه كان أكثر ما يصوم الإثنين والخميس، وكان يصوم حتى يُظَن أنه لا يفطر، وقد كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- من أكثر المسلمين صومًا، ولكن القسيس "لامانس" يثبت على عناده!

4- ويقول الله تعالى: (إِن رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَي الَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) [المزمل:20].

وقد نقلت الأخبار: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه لطول وقوفه في الصلاة، ومع ذلك فيقول "لامنس": كان محمد نؤوما، وهو لا شك يجهل أو يتجاهل روح النقد عند العرب تبلغ حد الإفراط، وأن هؤلاء لو رأَوا ما يُكذب خبرَ القرآن من أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يقضي جزءً كبيرًا من الليل في النوم؛ لما استمروا على متابعته وتصديقه، ولما احتفظ هو بثقتهم.

ومع ذلك فـ"لامنس" جريء جرأة نادرة، وتتمثل هذه الجرأة في أنه إذا لم يعثر خلال أبحاثه الطويلة على خبر واحد يؤيد به زعمه وهواه؛ استغنى عن الخبر، وثبت على مزاعمه الباطلة التي يسوقها إلى القراء برشاقة بالغة، وأحيانًا يقول:

"إن هذا الأمر عُنِي رجال الحديث والأخبار بكتمانه" [3].

وهكذا نرى تعمّدَ الكذب ونسج المفتريات التي ليس لها ظل من الحقيقة، وترْكَ الحقائق التي تلوح في الآفاق كالشمس في رائعة النهار!

فهل هذا هو المنهج العلميُّ الحديث الذي يطبقه المستشرقون في دراستهم للإسلام وسيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم-؟!

لبئس ما يصنعون.

تحريف النقول وغياب الأمانة العلمية لدى "جولد زيهر":

ومن الأمثلة على تعمد التحريف وترك الأمانة في النقل ما ذكره الدكتور "مصطفي السباعي" من أن المستشرقَ اليهوديَّ "جولدزيهر" "في محاولته إثباتَ زعمِه بأن الحكومة الأمويةَ قد وضعت الأحاديث ودعت إلى ذلك، وقد تعمد التحريف فيما نقله من نصوص:

ذكر "جولدزيهر" أن معاوية قال للمغيرة بن شعبة: ((لا تهمل في أن تَسُبّ عليَّا وأن تطلب الرحمة لعثمان وأن تسُبّ أصحاب عليِّ وتضطهدَ من أحاديثهم، وعلى الضد من هذا أن تمدح عثمان وأهله، وأن تُقرّبهم وتسمع إليهم)).

ثم يقول "جولدزيهر": ((وعلى هذا الأساس قامت أحاديث الأمويين ضد عليّ)).

قال الدكتور السباعي:

أما قول معاوية: ((وأن تسبّ أصحاب عليّ، وتضطهدَ من أحاديثهم)) واستدلال المستشرق على أن بعض الحديث قد اضطُهد، فها هنا مجال العبرة لمن يحسن الظن بعلم هؤلاء المستشرقين وأمانتهم.

إن أصل العبارة كما رواها الطبري: ((لا تُحجِم عن شتم عليِّ وذريته، والترحم على عثمان والاستغفار له، والعيبِ على أصحاب عليِّ والإقصاء لهم، وتركِ الاستماع منهم، وإطراءِ شيعةِ عثمان، والإدناء إليهم والاستماعِ منهم )).

فانظر كيف حرَّف هذا المستشرق لفظ: ((والإقصاء لهم)) بلفظ ((وتضطهد من أحاديثهم)).، فإن كلمة من أحاديثهم، لا وجود لها في أصل النص، أفرأيت كيف تكون أمانة العلماء؟))[4].

ومثال آخر، ننقله عن الدكتور السباعي أيضًا، وهو كذلك حول تحريف "جولدزيهر" للنصوص، فقد ذكر كلام المستشرق، وعقب عليه ببيان زيفه فقال: ثم زعم "جولدتسيهر" أن الزهريّ اعترف اعترافًا خطيرًا في قوله الذي رواه عنه معمر: ((إن هؤلاء الأمراء أكرهونا على كتابة أحاديث))، وأن ذلك يُفهِم استعدادَ الزهريّ لأن يكسوَ رغباتِ الحكومةِ باسمه المعترفِ به عند الأمة الإسلامية.

أما هذا النص الذي نقله ففيه تحريف متعمَّد يقلب المعنى رأسًا على عقب، وأصله في ابن عساكر وابن سعد:

أن الزهري كان يمتنع عن كتابة الأحاديث للناس، ويَظهَر أنه كان يفعل ذلك ليعتمدوا على ذاكرتهم ولا يتكلوا على الكتب فلما طلب منه هشامٌ وأصرّ عليه أن يمليَ على ولده ليمتحن حفظه، وأملى عليه أربعَمائةِ حديث وخرج من عند ابن هشام، وقال بأعلى صوته: (( يا أيها الناس إنا كنا منعناكم أمرًا قد بذلناه الآن لهؤلاء، وإن هؤلاء الأمراءَ أكرهونا على كتابة ((الأحاديث))، فتعالَوا حتى أحدثكم بها، فحدثهم بالأربعمائة الحديث)).

هذا هو النص التاريخيُّ لقول الزهري، وقد رواه الخطيب بلفظ آخر، وهو: (( كنا نكره كتاب العلم -أي كتابته- حتى أَكرهنا عليه هؤلاء الأمراء، فرأينا أن لا نمنعه أحدًا من المسلمين)).

فانظر كم الفرق بين أن يكون قول الزهريِّ-كما رواه "جولدتسهير"-: ((أكرهونا على كتابة أحاديث)) وبين أن يكون قوله كما رواه المؤرخون: ((أكرهونا على كتابة الأحاديث)) أو كما رواه الخطيب: ((أكرهونا على كتاب العلم)) ثم انظر إلى هذه الأمانة العلمية، حذف ((أل)) من ((الأحاديث)) فقلبت الفضيلة رذيلة..

حيث كان النصُّ الأصليُّ يدل على أمانة الزهري وإخلاصه في نشر العلم، فلم يَرْضَ أن يبذل للأمراء ما منعه عن عامة الناس إلا أن يبذله للناس جميعًا، فإذا أمانة هذا المستشرق تجعله ينسب للزهريّ أنه وضع للأمراء أحاديث أكرهوه عليها فأين هذا من ذاك؟[5].

ومن صور الكذب وعدم تحري الأمانة العلمية في البحث، جمع الشبهات المتفرقة وتلفيقها، ومحاولة التأليف بينها، وتقديمها على أنها صورة متكاملة متناسقة.

"ومثال ذلك ما قام به المستشرق الألماني "ولهلم هورنباخ" (الأستاذ في جامعة بون بألمانيا) من جمع قطعٍ ونتف وشذرات من كتاب (الإصابة) للحافظ ابن حجر، ثم ينشرها على أنها كتاب (الردة) لابن حجر، الذي ألفه أبو زيد بنُ الفرات المتوفَّى عام 237هـ، وهو فارسيُّ الأصل، وقد ضاع هذا الكتاب، فأشار ابن حجر إليه في بعض المواضع، فما كان من المستشرق "ولهلم" إلا أن جمع هذه القطعَ على أنها تراجم لأشخاص ارتدوا عن الإسلام، ولا يقوم بمثل هذا العمل إلا مغرض صاحب هوى، لأنه يخالف البحث العلمي السليم"[6].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] أوربا والإسلام، ص 127.

[2] السابق، ص 129 - 133 باختصار.

[3] أوربا والإسلام، ص 13.

[4] السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، ص 204 – 205.

[5] السابق، ص 221 - 222 باختصار يسير.

[6] أساليب الغزو الفكري، ص 25.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة