الفن صناعة، والحب صناعة، والازدهار صناعة، والبُغْض صناعة، وكذلك الكذب صناعة؛ فالكذب رأسُ كل خطيئة، وقلب كل بليَّة، ودأب كل رزية، وهو من أقصرِ الطرق إلى النار، ما يزال الكذَّاب يكذب ويتحرَّى الكذب، كذبة ثم كذبة تنتهي إلى مصنع متحرِّك للكذب، حتى يُكتَب في سجلِّ الكذابين المفترين، والعياذ بالله، ويصبح هذا خُلقًا وديدنًا له، يصبح عليه ويمسي عليه، يصوم عليه ويُفطر عليه، يصبح أحلى عنده من العسل، وألذَّ عنده من المطعَم والمشرَب.

وهذا ما حذَّر منه الإسلام، كيف؟

((إياكم والكذبَ؛ فإن الكذبَ يهدي إلى الفجور، وإن الفجورَ يهدي إلى النار، وما يزال العبد يكذبُ ويتحرى الكذب حتى يُكتَبَ عند الله كذابًا)) رواه البخاري ومسلم.

الكذَّابون يلوِّثون الأجواء، ويَصِمُونَ الشرفاء، ويكذِّبون وحيَ السماء، قيل لبعض الكذابين يومًا: ألا تتوب من كذبِك؟ قال: لو تغرغرت به، وتطعمت حلاوته، ما أقلعت عنه أبدًا!

الكذب يُسقطُ الهيبات، ويدمِّر المجتمعات، ويجمع الذنوب والسيئات، ويفتري على البلاد والعباد، حتى يصل إلى قمة الظلم، كيف؟ (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) [الأنعام: 21].

وصنَّاع الكذب يَكيلون الاتهامات، ويفبركون المعلومات، ويُشكِّكون في النِّياتِ دون تثبُّت وتبيُّنٍ، علمًا بأن الذي يعلم النِّيات ويحيط بها هو الله تعالى!

كم من مؤسسة خربت بخبر كاذب! وكم من أسرة شرّدت بخبر كاذب! وكم من شركة انحلَّت بخبر كاذب! وكم من حرب قامت بخبر كاذب! وكم من مقتول قُتِل بخبر كاذب! وكم من معتقَل غُيِّب بخبر كاذب!

وهذا ما يرفضه الإسلام ويُبغِضه الدين، كيف؟ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات: 6] وسليمانُ -عليه السلام- يتثبَّت حتى من كلام الهدهد قبل اتهامه أو عقابه، كيف؟ (قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) [النمل: 27]، فما البال بالإنسان؟!

خطورة الكذب أنه يُخفي الحقيقة، ويقلب الأوضاع، ويطمِس الحق؛ فهو يخبر عن الشيءِ بخلاف ما هو عليه!

مصانع الكذب على امتداد البحر والنهر، وعلى طول المحيط والخليج!

مصانع الكذب -للأسف- تلفُّ الوطن العربي لفًّا، إلا ما رحم ربي، يديرها المنافقون والمنتفعون، وينفذها المنقلبون والقمعيُّون، الذين يبغونَها عِوجًا! كيف؟ (لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ) [التوبة: 48].

قال أبو جعفر: يقول تعالى: لقد التمس هؤلاء المنافقون الفتنةَ لأصحابك، يا محمد, التمسوا صدَّهم عن دينهم، وحرَصوا على ردِّهم إلى الكفر، بالتخذيلِ عنه؛ كفِعل عبد الله بن أبيٍّ بك وبأصحابك يوم أُحُد، حين انصرَف عنك بمن تبِعه من قومه، وذلك كان ابتغاءَهم ما كانوا ابتغَوْا لأصحاب رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- من الفتنةِ من قبلُ.

الكذوب يحاول جَلْبَ النفع له، ودفع الضر عنه، يظن أن الكذبَ مَغْنَمٌ له، فيرخِّص لنفسه التدليسَ، ويستسهل لشخصه الخداع، ويستعذِبُ لذاته الجَشَعَ والطمع!

يلِين في الكلام، ويستطرف في الحديث، فيستحلي الكذب؛ ليتشفى من فريسته بقبائحَ يخترعها عليها، ويصِفُها بفضائح ينسبها إليها، فيتحول الكذبُ عنده إلى عادةٍ مألوفة وصفة معروفة!

والكذوب يكذب أحيانًا في أقواله، فيحلل الحرامَ بعيدًا عن الدِّين، هؤلاء قوم ادعَوْا أن ما شرعوه من عند أنفسهم هو الشرع الصحيح، فعنَّفهم الله في القرآن: (وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) [النحل: 116] وآخرون أضافوا إلى رسولِ الله -عليه الصلاة والسلام- ما ليس من قوله؛ ليشتروا بذلك ثمنًا قليلاً في الدنيا، لكنه عظيم في الآخرة: ((مَن كذَب عليَّ متعمِّدًا، فليتبوأ مقعدَه من النار)) صحيح الجامع.

يرتكبون الكبائر بشهادة الزور، وكم وجد في عصرنا هذا مَن باع دينَه وضميره، وأهدر مروءتَه، وشهِد شهادة زور، فاتبع الوسواس الخنَّاس، وأضاع حقوق الناس، أهمل الكرامات، وتتبع العورات؛ بحثًا عن دنيا، أو طمعًا في انتقام، أو رغبة في تشَفٍّ، أو حبًّا في تشويه (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النور: 19].

والكذُوب قد يكذِب في المزاح ليضحك الناسَ، وقد جاء في الحديث: ((ويلٌ للذي يُحدِّث فيكذِب ليضحك به القوم، ويل له، ويل له)) رواه أحمدُ وأبو داود والترمذي.

إنه يحوز الجودة في النفاق: ((آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذَب، وإذا وعَد أخلَف، وإذا ائتُمِن خان)).

والكذب ليس من شِيَم الأكابر، بل الكذاب صغير وَضِيع في عين نفسه، حقير مَهِين في عين غيره!

لا يكذِبُ المرءُ إلا من مَهانتِه***أو فِعله السُّوء أو مِن قلة الأدِبِ

لَبعضُ جيفةِ كلبٍ خير رائحة***مِن كذبةِ المرءِ في جِدٍّ وفي لعِبِ

كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يقول: لأن يضَعَني الصدقُ - وقلما يضع - أحبُّ إليَّ مِن أن يرفَعَني الكذبُ، وقلما يفعل.

والكذاب يكذب فعلاً وعملاً: يعمل عملاً يوهم به حدوثَ شيء لم يحدث، أو يعبِّر به عن وجود شيء غير موجود، وربما يكون الكذبُ في الأفعال أشدَّ خطرًا أو أقوى أثرًا من الكذبِ في الأقوال، ومن أمثلة ذلك: ما جاء في سورة يوسفَ من أقوال وأفعال إخوة يوسف عليه السلام؛ إذ (جَاؤُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ) [يوسف: 16] بكاءً كاذبًا، وجاؤوا على قميصِ يوسف بدم كذب، فجمعوا بين كذبِ القول وكذب الفعل.

والاختصاص بالكذب انسلاخٌ عن الإنسانية؛ فخصوصية الإنسان النُّطق، ومن عُرِف بالكذب لم يُعتَمَد نُطقُه، ومن لم يعتمد نُطقُه لم ينفع، وإذا لم ينفع نُطقُه صار هو والبهيمة سواءً؛ (د: القرضاوي).

والكذوب قد ينوي الكذب:

وهو أن يقصد بنيتِه غيرَ وجه الله تعالى، وهذه النية لا يعلَمُها إلا الله، وهؤلاء ثلاثةٌ تسعَّرُ بهم النار؛ لنيَّاتِهم المريضة رغم أعمالهم العظيمة: الشهيد، والمُنفِق، والعالِم، حين يدَّعي كل منهم أنه فعَل ذلك لوجه الله، فيقال لكل منهم: كذَبتَ، ولكن قاتلتَ ليقال: جريء، فقد قيل، وللآخر: كذبتَ، ولكن تصدقت ليقال: جَوَادٌ، وللثالث: كذبتَ، ولكن تعلمتَ ليقال: عالِم.

لذلك الكذاب مكروهٌ عند الله، مكروه عند رسولِ الله، مكروه عند أصحابِ رسول الله، كيف؟

تقول أمُّ المؤمنين عائشةُ -رضي الله عنها-: "ما كان خُلُقٌ أبغَضَ إلى أصحابِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الكذب، ولقد كان الرجلُ يكذِب عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الكذبة، فما يزال في نفسه عليه حتى يعلَمَ أنه قد أحدَث منها توبة" رواه أحمد.

أي: يسقُط من نفسه لكذبة واحدة يجرِّبها عليه، حتى يعلَمَ أن الله تاب عليه منها.

الملائكة تُبغِضه، والناس تحتقره ولا يُقِيمون له وزنًا، ولو صدَق يومًا، فإنهم لا يُصدِّقونه؛ لأنهم لَم يتعوَّدوا منه إلا الكذب، إذا عُرِف الإنسانُ بالكذب لم يزَلْ لدى الناس كذابًا وإن كان صادقًا، فهو يسقُطُ مِن أعين الناس!

الكذَّابُ يكذِب ليروج بضاعتَه، سواء مادية ومعنوية، ما قيمة أن يروج بضاعتَه ليكسب دراهمَ ودنانير في هذه الدنيا، ثم يدَع هذا كله لورثتِه، وينتقل إلى النار بعد ذلك، روَى أبو ذر: ((ثلاثة لا يكلِّمهم اللهُ يوم القيامة، ولا ينظُرُ إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم)) قال: فقرأها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاثَ مِرار، قال أبو ذرٍّ: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: ((المُسبِل، والمنَّان، والمُنفِّق سِلعتَه بالحلفِ الكاذب)) رواه مسلم.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة