الرشـوة: أسبابها وعلاجها
عدد القراءات : 36

الحمد لله الذي أكمل لنا الدِّين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام دينًا، وجعلنا مِن خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله العزيز الحكيم، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ الذي أرسله ربه هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله تعالى بإذنه وسراجًا منيرًا، أما بعد:

فإن الرِّشوة لها آثارٌ سيئة على الفرد والمجتمع؛ مِن أجل ذلك أحببت أن أذكر نفسي وإخواني الكرام بخطورة الرِّشوة، مع ذكر وسائل علاجها.

معنى الرِّشوة:

هي كل ما يعطى لإبطال حق، أو لإحقاق باطل؛ (التعريفات لعبد القادر الجرجاني صـ 148).

وهي مِن صفات أهل الضلال وأتباع الشيطان.

لماذا نتحدث عن الرِّشوة؟

يقول الشيخ عبد العزيز السلمان:

إن الرِّشوة داء من أخطر الأدواء فتكًا بالمجتمعات؛ ذلك لأنها لا تَشيع في مجتمع إلا تداعت أركانه، وهبط مستواه الخُلقي إلى الحضيض، وسيطرت فيه المادة الجشعة على الحكام والمحكومين، فيصبح صاحب الحق في قلق؛ لأنه لا يمكنه الحصول على حقه إلا إذا قدم جُعلًا للحصول عليه، ولا ترى صاحب ظلامة يطمع في رفع ظلامته عنه إلا أن يرشو مَن له قدرة على رفعها، وقد يبلغ الأمر بالمرتشي إلى أن يجادل الراشي في مقدار الرِّشوة، وربما كان ذلك جهرًا، بلا حياء ولا خجل، ولا تسأل عما ينتج عنها من الأضرار التي لا تعد ولا تحصى؛ مِن ضياع الكرامة، وهضم الحقوق، وقبر النبوغ، وتلاشي الجد في العمل، واضمحلال الغيرة على أداء الواجب، وترك العاملين، كل ذلك يذهب، ولا تجد له أثرًا، ويحل مكانه الخمول والضعف، والغش والخيانة، وتصاب مصالح الأمة بالشلل، وعقول النابغين بالعقم، ومواهب المفكرين بالجمود، وعزائم المجدين وهمهم بالخَوَر والفتور، وأي خير يرجى من يوم يكون مقياس الكفاءة فيهم ما يتقرب المرؤوس به من قرابين، وأي ثمرة من عمل لا يوصل إليه إلا بالرِّشوة والمطامع؛ (موارد الظمآن لعبد العزيز السلمان جـ 3 صـ 577: صـ 578).

أسباب الرِّشوة:

يمكن أن نجمل أسباب الرِّشوة ودوافعها فيما يلي:

أولًا: ضعف الشعور الديني لدى الراشي والمرتشي:

إن الذي يُقبِل على هذه الجريمة لو فكر لحظة واحدة أنه مسلم قد رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبسيدنا محمد نبيًّا، لَمَا أخذ الرِّشوة، ألم يتدبر قول الله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 188].

ألم يسمع ولو مرة واحدة ما رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الراشي والمرتشي؛ (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث 3055).

روى أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((كل المسلم على المسلم حرامٌ؛ ماله وعِرضه ودمه، حسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)) (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث 4285).

(جريمة الرِّشوة لمحمد بن عبد الرحمن الجنيدل صـ 17).

ثانيًا: انخفاض مستوى المعيشة:

إذا رأى الشخص المنحرف نفسه في وظيفة ذات دخلٍ صغير وأمامه أناس لهم دخلٌ كبير، أو رأى أصحاب المشاريع المختلفة كل يوم، ثم قارن حياتهم المترفة بحياته - سوَّلت له نفسه أن يرتكب جريمة الرِّشوة؛ ليعوض هذا النقص المادي الذي عنده، مع أنه شيء طبيعي أن يكون الناس بين فقير أو غني أو متوسط، ولكن هذا الشخص المنحرف أقنع نفسه بأن الرِّشوة خير وسيلة للثراء السريع، فيشتري سيارة فاخرة، أو يبني منزلًا، أو يتزوج من بنات الأثرياء، ولكن هذا المسكين ينسى أن الكسب الحرام مهما طال عمره فهو ممحوق البركة، وإلى زوال، وهو من أهم أسباب غضب الله عليه في الدنيا والآخرة؛ (جريمة الرِّشوة لمحمد بن عبد الرحمن الجنيدل صـ 16).

ثالثًا: الجشع والأنانية وضعف الشعور الاجتماعي:

إن المرتشي أناني، ومحب لنفسه فقط، وليس لديه أي انتماء إلى مجتمعه الذي يعيش فيه؛ ولذا يقبل الرِّشوة دون أن يفكر في مصير إخوانه الذين يعيشون ويتعاملون معه صباح مساء، ويعلم أن هذه الأموال التي أخذها بغير حق كانت سببًا في ضياع أموال الدولة، وهضم حقوق كثير من الناس.

لقد تناسى هذا المنحرف ما رواه الشيخان عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((المسلم أخو المسلم، لا يظلِمه ولا يُسلِمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلمٍ كربةً فرج الله عنه كربةً من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة))؛ (البخاري حديث 2442 / مسلم حديث 2580).

روى الشيخان عن النعمان بن بشيرٍ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضوًا تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى))؛ (البخاري حديث 6011 / مسلم حديث 2586).

الآثار المدمرة للرشوة:

إن للرشوة آثارًا خطيرة على الفرد والمجتمع، ويمكن أن نجمل هذه الآثار فيما يلي:

1- الرِّشوة تدمر الموارد المالية للدولة:

كثيرًا ما يقوم أحد الناس بتقديم الرِّشوة للحصول من الدولة على ترخيص بعمل مشروع ما، وغالبًا لا يكون لهذا المشروع نفع حقيقي للمجتمع، وإنما هو فقط يجلب الربح الوفير لأصحابه، والحصول على ترخيص لمثل هذه المشروعات التي لا فائدة منها للمجتمع يعني تدمير موارد الدولة المالية التي تتمثل في توصيل المرافق والخدمات الأساسية لهذا المشروع، مثل تمهيد الطرق والكهرباء والمياه وشتى الخدمات التي انقضت فيما لا يحقق نفعًا حقيقيًّا يعود بالخير على المجتمع؛ (جريمة الرِّشوة لمحمد بن عبد الرحمن الجنيدل صـ 11).

2- الرِّشوة تدمر حياة أفراد المجتمع:

كثيرًا ما يكون من آثار جريمة الرِّشوة تدمير حياة أفراد المجتمع، فعندما تحدث الرِّشوة في إنتاج دواء أو غذاء فإن الأثر يتجه مباشرة إلى تدمير صحة أفراد المجتمع، وقد يتعدى هذا الأثر إلى موت بعضهم، ويظهر الأثر المدمر في المباني الكبيرة برشوة مهندسٍ مشرفٍ أو مشرفٍ عليها من قبل الدولة أو أي شخص آخر، فتسقط على من فيها من السكان نتيجة مخالفة هذه المباني لقواعد البناء السليم، وهذا مُشاهَد أمام أعيننا، وكم من منتجات مستوردة وهي فاسدة دخلت إلى الأسواق نتيجة الرِّشوة!، فكانت وبالًا على حياة جميع أفراد المجتمع؛ (جريمة الرِّشوة لمحمد بن عبد الرحمن الجنيدل صـ 12).

3- الرِّشوة تدمر أخلاق أفراد المجتمع:

إن انتشار جريمة الرِّشوة في أي مجتمع كفيل أن يدمر أخلاق أفراده، فينتشر الإهمال واللامبالاة والتسيُّب وضعف الولاء والانتماء والإحباط في العمل، وكل ذلك يعتبر عقبة أمام إنجاز التنمية وما تتطلبه من جهد بشري مكثف وأمين؛ (جريمة الرِّشوة لمحمد بن عبد الرحمن الجنيدل صـ 13).

4- الرِّشوة تؤدي إلى ضياع حقوق الدولة:

مِن المعلوم أن الدولة تعين بعض الموظفين الذين يقومون بجمع الضرائب والحقوق المالية للدولة لدى المواطنين، فإذا وصلت الرِّشوة إلى أحد هؤلاء الموظفين وقبِلها، فإن هذا يترتب عليه مجاملة صاحب الرِّشوة بالباطل، ويؤدي هذا إلى ضياع أموال الدولة، وهذا مشاهد أمام أعيننا؛ (جريمة الرِّشوة لمحمد بن عبد الرحمن الجنيدل صـ 12).

5- الرِّشوة تؤدي إلى تعيين موظفين غير صالحين:

إن بذل الرِّشوة للحصول على وظائف ومناصب يؤدي إلى إسنادها إلى موظفين ليسوا أهلًا لها، وهذه خيانة لله ولرسوله وللمسلمين، ويظهر هذا جليًّا عندما تعلن شركة عن مسابقة بشروط معينة، فيتقدم لها أصحاب الكفاءات وغيرهم، وعندما تظهر النتيجة يصاب المجتهدون بخيبة الأمل؛ حيث يجدون أن من هم أقل كفاءة منهم حصلوا على هذه الوظائف بالرِّشوة، ومن المعلوم أن فاقد الشيء لا يعطيه؛ فهل ننتظر خيرًا ممن دفع رشوة للحصول على وظيفة أو عمل ليس من حقه؟!

حُكم الرِّشوة:

الرِّشوة حرام، سواء كانت للحاكم أو للقاضي أو للعامل أو أي شخص يمارس عملًا يجب عليه أداؤه بدون أخذ مال من أحد، وحرمتها كما تكون على الآخذ تكون أيضًا على المعطي والوسيط؛ وذلك بدليل القرآن والسنة وإجماع العلماء.

أولًا: القرآن الكريم:

يقول الله تعالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 188].

قال الذهبي:

قوله تعالى: (وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ) [البقرة: 188]؛ أي: لا تصانعوهم بها ولا ترشوهم ليقطعوا لكم حقًّا لغيركم؛ (الكبائر للذهبي بتحقيق عبد المحسن البزاز صـ 143).

ويقول سبحانه: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) [المائدة: 42].

قال عبد الله بن مسعود:

السُّحْت: الرِّشوة؛ (جامع البيان لابن جرير الطبري جـ 6 صـ 239).

قال مسروق:

سألت عبد الله عن السحت فقال: الرجل يطلب الحاجة للرجل فيقضيها، فيُهدي إليه فيقبلها؛ (جامع البيان لابن جرير الطبري جـ 6 صـ 239).

قال الحكم بن عبد الله: قال لي أنس بن مالك: إذا انقلبت إلى أبيك فقل له: إياك والرِّشوة؛ فإنها سُحت، وكان أبوه على شرط المدينة؛ (تفسير القرآن العظيم لابن كثير جـ 10 صـ 406).

ويقول سبحانه: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ * فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ) [النمل: 35، 36].

قال ابن كثير: قوله تعالى: (أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ) [النمل: 36]؛ أي: أتصانعونني بمال لأترككم على شِرككم ومُلككم؟! (فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ) [النمل: 36]؛ أي: الذي أعطاني الله مِن المُلك والمال والجنود خير مما أنتم فيه، (بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ) [النمل: 36]؛ أي: أنتم الذين تنقادون للهدايا والتحف، وأما أنا فلا أقبل منكم إلا الإسلام أو السيف؛ (تفسير القرآن العظيم لابن كثير جـ 10 صـ 406).

ثانيًا: السنَّة:

روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: لعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الراشي والمرتشي؛ (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث 3055).

اللعن: هو الطرد من رحمة الله التي وسعت كل شيءٍ، ولا يكون إلا في شيءٍ حرام.

ثالثًا: الإجماع:

أجمع العلماء على تحريم الرِّشوة؛ (المغني لابن قدامة بتحقيق التركي جـ 14 صـ 59).

أركان جريمة الرِّشوة:

إن لجريمة الرِّشوة ثلاثة أركان كما يلي:

1- مرتشٍ: وهو الشخص الذي يتقاضى من غيره مالًا أو منفعة ليقوم له بقضاء مصلحة، يجب عليه أداؤها، أو يقوم له بمصلحة غير شرعية.

2- راشٍ: وهو الشخص الذي يبذل المال أو المنفعة ليحصل شيئًا ليس من حقه، أو يمنع الآخرين من الحصول على حقوقهم الشرعية.

3- رشوة: هي المال أو المنفعة التي تُبذَل بقصد حمل المرتشي على قضاء مصلحة غير مشروعة؛ (جريمة الرِّشوة للدكتور عبد الله الطريقي صـ 52).

طرق إثبات الرِّشوة: تعتبر الرِّشوة جريمة مالية؛ ولذا يمكن إثباتها بما تثبت به الأموال كما يلي:

1- شهادة الثقات من المسلمين.

2- شهادة المتهم على نفسه.

3- القرينة القاطعة.

أولًا: شهادة الثقات من المسلمين:

وتكون بثلاث وسائل:

1- شهادة رجُلين؛ بدليل قوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ) [البقرة: 282].

2- شهادة رجُل وامرأتين؛ بدليل قوله تعالى: (فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ) [البقرة: 282].

3- شاهد ويمين المدعي؛ وذلك بدليل ما يلي:

روى ابن ماجه عن ابن عباسٍ قال: قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالشاهد واليمين؛ (حديث صحيح) (صحيح ابن ماجه للألباني حديث 1920).

ثانيًا: إقرار المتهم على نفسه:

إن اعتراف المتهم العاقل البالغ المختار على نفسه بارتكاب جريمة الرِّشوة من أقوى الأدلة على ثبوتها.

ثالثًا: القرينة القاطعة:

تثبت جريمة الرِّشوة بالقرينة القاطعة التي جاء الشرع باعتبارها في قوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف: (قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ) [يوسف: 75]، فجعلوا وجود صُوَاع الملك في حوزة أحدهم قرينة قاطعة على إثبات جريمة السرقة، ومِن القرائن القاطعة: أن يدفع المرتشي مقدارًا معينًا من النقود، تعرف أرقامها أو يوضع عليها علامات مميزة، وبعد الدفع مباشرة يلقى القبض عليه، فتوجد معه هذه النقود المميزة، ولا تكون القرينة هنا قاطعة إلا إذا علمنا يقينًا عدم وجود عداوة أو علاقات مالية سابقة أو لاحقة بين الدافع والآخذ، وعدم كون الآخذ للمال وسيطًا بين الدافع وشخص آخر في علاقة مالية غير رشوة؛ كأن يكون مفوضًا باستلام المال نيابة عن الشخص الآخر، فإذا تحقق عدم وجود العلاقات المالية، فإننا يمكن أن نحكم يقينًا بثبوت جريمة الرِّشوة بهذه القرينة؛ (جريمة الرِّشوة لعبد الله الطريقي صـ 111: صـ 112).

حكم هدايا الموظفين والقضاة أثناء عملهم:

يحرُمُ على العمال والموظفين والقضاة قبول هدايا مقابل عملهم أثناء فترة أعمالهم؛ وذلك بدليل ما يلي:

روى الشيخان عن أبي حميدٍ الساعدي: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- استعمل ابن الأُتْبيَّة على صدقات بني سليمٍ، فلما جاء إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحاسبه، قال: هذا الذي لكم، وهذه هديةٌ أهديت لي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((فهلا جلستَ في بيت أبيك وبيت أمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقًا؟!))، ثم قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فخطب الناس وحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: ((أما بعد، فإني أستعمل رجالًا منكم على أمورٍ مما ولاني الله، فيأتي أحدكم فيقول: هذا لكم، وهذه هديةٌ أهديت لي، فهلا جلس في بيت أبيه وبيت أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقًا؟! فو الله لا يأخذ أحدكم منها شيئًا - قال هشامٌ: بغير حقه - إلا جاء اللهَ يحمِلُه يوم القيامة، ألا فلأعرفن ما جاء اللهَ رجلٌ ببعيرٍ له رغاءٌ أو ببقرةٍ لها خوارٌ أو شاةٍ تَيْعر))، ثم رفع يديه حتى رأيت بياض إِبْطيه: ((ألا هل بلغتُ؟!))؛ (البخاري حديث 7197 / مسلم حديث 1832).

فائدة: قال ابن بطال: فيه أن هدايا العمال تجعل في بيت المال، وأن العامل لا يملكها إلا إن طلبها له الإمام، وفيه كراهة قبول هدية طالب العناية؛ (فتح الباري لابن حجر العسقلاني جـ 5 صـ 262).

وقال الخطابي: في هذا الحديث بيان أن هدايا العمال سُحت، وأنه ليس سبيلها سبيل سائر الهدايا المباحات، وإنما يهدي إليه للمحاباة، وليخفف عن المهدي، ويسوغ له ترك بعض الواجبات عليه، وهو خيانة منه، وبخس للحق الواجب عليه استيفاؤه لأهله؛ (معالم السنن للخطابي جـ 3 صـ 8).

روى أبو داود عن عبد الله بن بريدة عن أبيه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((مَن استعملناه على عملٍ فرزقناه رزقًا، فما أخذ بعد ذلك فهو غُلولٌ))؛ (حديث صحيح) (صحيح أبي داود حديث 2055).

فائدة: قال الشوكاني: هذا الحديث فيه دليلٌ على أنه لا يحل للعامل زيادةٌ على ما فرض له مَن استعمله، وأن ما أخذه بعد ذلك فهو مِن الغُلول "أي سرقة"؛ (نيل الأوطار للشوكاني جـ 4 كتاب الزكاة صـ 219).

قال الإمام أبو القاسم البغوي: روي عن علي بن أبي طالب: أنه كان يرد الهدايا التي تأتيه أثناء خلافته إلى بيت مال المسلمين؛ (شرح السنة للبغوي جـ 10 صـ 89).

متى يجوز للقضاة والموظفين قبول الهدية؟

يجوز للقضاة والموظفين والعمال قبول الهدية ممن اعتاد الإهداء إليهم قبل توليتهم وظائفهم بسبب القرابة أو الصداقة، بشرط ألا تزيد عن المعتاد قبل الوظيفة.

أقوال العلماء:

قال الخرقي - في معرض حديثه عن القاضي -: ولا يقبل هدية من لم يكن يُهدي إليه قبل ولايته؛ (المغني بتحقيق التركي جـ 14 صـ 58).

قال ابن المنير: يؤخذ من قوله -صلى الله عليه وسلم-:((هلَّا جلَس في بيت أبيه وأمه)) جواز قبول الهدية ممن كان يهاديه قبل ذلك.

ثم قال ابن حجر العسقلاني معقبًا على كلام ابن المنير: ولا يخفى أن محل ذلك إذا لم يزد على العادة؛ (فتح الباري لابن حجر العسقلاني جـ 13 صـ 179).

قال أحمد بن علي الجصاص - في معرض حديثه عن القاضي -: أما من كان يهاديه قبل القضاء وقد علم أنه لم يُهده إليه لأجل القضاء، فجائز له قبوله على حسب ما كان يقبله قبل ذلك؛ (أحكام القرآن للجصاص جـ 2 صـ 434).

أثر الإحسان على الرِّشوة:

قال الشوكاني: إن للإحسان تأثيرًا في طبع الإنسان، والقلوب مجبولةٌ على حب من أحسن إليها، فربما مالت نفسه إلى المهدي إليه ميلًا يؤثر الميل عن الحق عند عروض المخاصمة بين المهدي وبين غيره، والقاضي لا يشعر بذلك، ويظن أنه لم يخرج عن الصواب بسبب ما قد زرعه الإحسان في قلبه، والرِّشوة لا تفعل زيادةً على هذا؛ (نيل الأوطار للشوكاني جـ 8 صـ 161).

حُكم دفع الرِّشوة عند الضرورة:

يجوز دفع الرِّشوة للحصول على حق أو دفع ضرر أو ظلم، والإثم يكون على الآخذ.

روى الطبراني عن ثوبان، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: ((إن الله تجاوز عن أمتي ثلاثةً: الخطأ، والنسيان، وما استُكرهوا عليه))؛ (حديث صحيح) (صحيح الجامع للألباني حديث 3515).

روى البيهقي عن ابن مسعود -رضي الله عنه-: أنه لما أتى أرض الحبشة أخذ بشيء فتعلق به فأعطى دينارين حتى خلي سبيله؛ (السنن الكبرى للبيهقي جـ 10 صـ 139).

روى البيهقي عن وهب بن منبه قال: ليست الرِّشوة التي يأثم فيها صاحبها بأن يرشو فيدفع عن ماله ودمه؛ إنما الرِّشوة التي تأثم فيها أن ترشو لتعطى ما ليس لك؛ (السنن الكبرى للبيهقي جـ 10 صـ 139).

روى عبدالرزاق قال: أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر بن زيد أبي الشعثاء قال: سمعته يقول: ما كان شيء أنفع للناس من الرِّشوة في زمان زياد ابن أبيه؛ (مصنف عبدالرزاق جـ 8 صـ 149 رقم 14672).

قال الطحاوي: أي إنهم كانوا يفعلون ذلك استدفاعًا للشر عنهم؛ (تحفة الأخيار شرح مشكل الآثار للطحاوي جـ 6 صـ 518).

أقوال العلماء في جواز دفع الرِّشوة عند الضرورة:

سوف نذكر أقوال بعض أهل العلم في جواز دفع الرِّشوة عند الضرورة؛ وذلك للحصول على حق أو دفع ضرر أو ظلم.

1- أحمد بن علي الجصاص:

قال الجصاص - فيمن يرشو السلطان لدفع ظلمه عنه -: فهذه الرِّشوة محرمة على آخذها، غير محظورة على معطيها.

وقال الجصاص أيضًا: رُوي عن جابر بن زيد والشعبي قالا: لا بأس بأن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم، وروي عن عطاء وإبراهيم النخعي مثله، وقال يونس عن الحسن البصري: لا بأس أن يعطي الرجل من ماله ما يصون عِرضه.

وروى عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: اجعل مالك جُنَّة دون دِينك، ولا تجعل دِينك جُنَّة دون مالك، وهذا الذي رخص فيه السلف إنما هو في دفع الظلم عن نفسه بما يدفعه إلى من يريد ظلمه أو انتهاكَ عِرضه؛ (أحكام القرآن للجصاص جـ 2 صـ 433: صـ 434).

2- قال أبو محمد ابن حزم:

لا تحل الرِّشوة، وهي ما أعطاه المرء ليحكم له بباطلٍ، أو ليولَّى ولايةً، أو ليظلم له إنسانٌ؛ فهذا يأثم المعطي والآخذ، فأما مَن مُنِع مِن حقه فأعطى ليدفع عن نفسه الظلم فذلك مباحٌ للمعطي، وأما الآخذ فآثمٌ؛ (المحلى لابن حزم جـ 9 صـ 157).

3- قال أبو القاسم البغوي:

إذا أعطى المعطي الرِّشوة ليتوصل بها إلى حق أو يدفع عنه ظلمًا، فلا بأس به؛ (شرح السنة للبغوي جـ 10 صـ 88).

4- قال ابن حجر الهيتمي:

من أعطى قاضيًا أو حاكمًا رشوةً، أو أهدى إليه هديةً - فإن كان ليحكم له بباطلٍ أو ليتوصل بها إلى نيل ما لا يستحق أو إلى أذية مسلمٍ، فسَق الراشي والمهدي بالإعطاء، والمرتشي والمهدى إليه بالأخذ، والرائش بالسعي، وإن لم يقع حكمٌ منه بعد ذلك، أو ليحكم له بحق أو لدفع ظلمٍ عنه أو لينال ما يستحقه، فسَق الآخذ فقط، ولم يأثم المعطي؛ لاضطراره إلى التوصل إلى حقه بأي طريقٍ كان؛ (الزواجر لابن حجر الهيتمي جـ 2 صـ 427).

5- قال الخطابي:

الراشي، المعطي، والمرتشي، الآخذ، إنما تلحقهما معًا عقوبة اللعن إذا استويا في القصد والإرادة، فرشا المعطي لينال به باطلًا ويتوصل به إلى ظلم، فأما إذا أعطى ليتوصل به إلى حق أو يدفع عن نفسه ظلمًا، فإنه غير داخل في هذا الوعيد؛ (معالم السنن للخطابي جـ 4 صـ 149).

وسائل القضاء على الرِّشوة:

تنقسم وسائل القضاء على الجريمة إلى قسمين:

أولًا: طرق الوقاية من الرِّشوة:

مِن المعلوم أن الوقاية خير من العلاج، وهذه الوقاية تساعدنا على القضاء على جميع الجرائم والأمراض قبل وقوعها، ويمكن أن نجمل طرق الوقاية من الرِّشوة فيما يلي:

1- نشر الوعي الديني بين أفراد المجتمع:

إن تعليم الناس أحكام الدين وترسيخ الاعتقاد بأن الله تعالى قد ضمن أرزاق جميع المخلوقات من أهم المسائل الوقائية للقضاء على جريمة الرِّشوة.

يقول الله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) [هود: 6]، وقال سبحانه: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) [الذاريات: 22، 23]، وقال سبحانه أيضًا: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات: 56 - 58].

وروى الشيخانِ عن عبد الله بن مسعود: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو الصادق المصدوق قال: ((إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكًا بأربع كلماتٍ، فيكتب عمله وأجله ورزقه، وشقي أو سعيدٌ، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراعٌ فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار))؛ (البخاري حديث 6594 / مسلم حديث 2643).

روى الترمذي عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لو أنكم كنتم تَوَكَّلون على الله حق توكله، لرزقتم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا، وتَرُوح بطانًا))؛ (حديث صحيح) (صحيح الترمذي للألباني حديث 1911).

روى أبو نعيم عن أبي أمامة: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن روح القدس نفَث في رُوعي: أن نَفْسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها، وتستوعبَ رزقها؛ فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحمِلَنَّ أحدَكم استبطاءُ الرزق أن يطلبه بمعصية الله؛ فإن الله تعالى لا ينال ما عنده إلا بطاعته))؛ (حديث صحيح) (صحيح الجامع للألباني حديث 2085).

2- التوعية الكاملة بأضرار الرِّشوة لأفراد المجتمع من خلال وسائل الإعلام:

مما لا شك فيه أن تبصير الناس وتوعيتهم من حين لآخر بأضرار الرِّشوة على الفرد وعلى المجتمع، مهمة وسائل الإعلام المرئية والسمعية والمقروءة، وكذلك المساجد والمدارس والجامعات، وذلك له أثر كبير في تحذير الناس من عاقبة جريمة الرِّشوة، وخاصة عند عرض نماذج مما دمرته، سواء في المنازل التي انهارت على أصحابها نتيجة مخالفتها لِما قررته الدولة، أو بعرض نماذج للأفراد الذين أصابتهم الأمراض نتيجة تناول الأدوية والأغذية الفاسدة التي انتشرت بين الناس نتيجة لدفع الرِّشوة؛ (جريمة الرِّشوة لمحمد بن عبد الرحمن الجنيدل صـ 18).

3- الاهتمام بتعيين الموظف المناسب في المكان المناسب:

إن حُسن اختيار الموظف الكفء، الذي يتقي الله تعالى، خير وقاية ليتجنب انتشار جريمة الرِّشوة، فإذا كان الموظف صاحب عقيدة سليمة، ومعروفًا بالصلاح والأمانة والعلم والعفة ومشاورة أهل الرأي، ولديه خبرة في مجال العمل الذي يقوم به، فإن المجتمع سوف ينعم بالأمن والرفاهية الاقتصادية والعمل الاجتماعي الناجح المفيد؛ (جريمة الرِّشوة لمحمد بن عبد الرحمن الجنيدل صـ 19).

4- العمل على تحقيق التوازن الاقتصادي وعدالة توزيع الثروات بين أفراد المجتمع:

إن وصول الحقوق إلى أهلها دون محاباةِ فردٍ على حساب الآخرين مع التزام ولاة الأمور العدل في توزيع ثروات البلاد على جميع أفراد المجتمع، كما حدث ذلك في الصدر الأول للإسلام - مِن الوسائل الوقائية لمحاربة جريمة الرِّشوة؛ (جريمة الرِّشوة لمحمد بن عبد الرحمن الجنيدل صـ 18).

ثانيًا: الطرق العلاجية للرشوة:

إن جريمة الرِّشوة ليس لها عقوبة معينة في شريعتنا الإسلامية الغراء؛ وذلك لأنها من العقوبات التعزيرية التي يختار لها الحاكم عقوبة تتناسب معها، مع مراعاة الأحوال التي تقتضي التشديد في العقوبة أو التخفيف فيها، والظروف التي ارتكبت فيها، والدوافع التي أدت إليها، شـأنها في ذلك شأن جرائم التعزير.

ويمكن أن نجمل وسائل التعزير فيما يلي:

1- التعزير بالمال:

من المعلوم أن الإنسان يحب المال ويبذل في سبيل الحصول عليه قصارى جهده، ومرتكب جريمة الرِّشوة لم يرتكبها إلا للحصول على المال، فإذا أُخذ منه وفرضت عليه عقوبة مالية أخرى تتناسب مع حجم الرِّشوة، فإن هذا فيه علاج حاسم للقضاء على هذه الجريمة، وسوف يكون مرتكب هذه الجريمة بما فرض عليه من العقوبة المالية عبرةً لكل مَن تُسوِّل له نفسُه الإقدام على الرِّشوة؛ (جريمة الرِّشوة لمحمد بن عبدالرحمن الجنيدل صـ 21).

2- التعزير بالحبس:

إذا رأى الحاكم أن الحبس قد يكون عقوبة تعزيرية رادعة لمرتكب جريمة الرِّشوة، جاز له حبسه؛ لأن عقوبة الحبس مشروعة في الإسلام؛ فقد اشترى عمر بن الخطاب دار صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم وسجن فيها الحطيئة الشاعر المعروف، وضبيعًا التميمي، وسجن عثمانُ بنُ عفان ضابئ بن الحارث وكان من لصوص بني تميم، وكذلك فعل علي بن أبي طالب، فإذا سُجن مرتكب جريمة الرِّشوة وحُرم من حريته، حاسب نفسه داخل السجن، وكانت هذه عقوبة نفسية وجسدية، وهي وسيلة رادعة لجريمة الرِّشوة؛ (جريمة الرِّشوة لمحمد بن عبد الرحمن الجنيدل صـ 22).

3- العزل من الوظيفة:

يمكن لولي الأمر أن يعزل الموظف الذي ارتكب جريمة الرِّشوة، مستغلًّا وظيفته للحصول على المال، حتى يكون عبرة لغيره من الموظفين الذين اتبعوا طريق الشيطان للحصول على المال، وذلك بأكل أموال الناس بالباطل، والعزل من الوظيفة قد فعله النبي -صلى الله عليه وسلم-والخلفاء الراشدون.

إن الموظف الذي جعَل الرِّشوة راية وشعارًا له يجب على وليِّ الأمر عزله واستبداله برجل صالح يقوم بخدمة المسلمين على منهج الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ (جريمة الرِّشوة لمحمد بن عبد الرحمن الجنيدل صـ 23).

4- التشهير:

يُقصَد بعقوبة التشهير: إعلام الناس بجريمة المتهم.

إذا لم ينزجر مَن ارتكب جريمة الرِّشوة ولم يستمع إلى النصيحة، فإن ولي الأمر يمكن له أن يشهِّرَ به أمام الناس؛ زجرًا له ولأمثاله، وذلك عبر وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة؛ فإن الإنسان بطبعه يخاف من التشهير أمام الناس، خاصة إذا كان له زوجة وأولاد، أو كان من أبناء العائلات المعروفة في المجتمع، وهذه عقوبة معنوية لها أثر كبير في القضاء على جريمة الرِّشوة.

نماذج مشرِقة للسلف الصالح في محاربة الرِّشوة:

1- عبد الله بن رواحة:

روى الزهري عن سليمان بن يسار: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يبعث ابن رواحة إلى خيبر فيخرُصُ بينه وبين يهود، فجمعوا حليًّا مِن نسائهم، فقالوا: هذا لك وخفف عنا، قال: يا معشر يهود، والله إنكم لمن أبغض خلق الله إليَّ، وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم، والرِّشوة سحت، فقالوا: بهذا قامت السماء والأرض؛ (سير أعلام النبلاء جـ 1 صـ 237).

2- عمر بن عبد العزيز:

عن عمرو بن مهاجر قال: اشتهى عمر بن عبد العزيز تفاحًا، فأهدى له رجل من أهل بيته تفاحًا، فقال: ما أطيبَ ريحَه وأحسنَه! وقال: ارفعه يا غلام للذي أتى به، وأَقْرِ مولاك السلام، وقل له: إن هديتك وقعت عندنا بحيث تحب، فقلت: يا أمير المؤمنين، ابنُ عمك، ورجل من أهل بيتك، وقد بلغك أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يأكل الهدية، قال: ويحك! إن الهدية كانت له هديةً، وهي اليوم لنا رشوة؛ (سير أعلام النبلاء جـ 5 صـ 140).

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله رب العالمين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة