أحكام عقود التداول الإلكتروني للعملات
عدد القراءات : 90

التداول الإلكتروني في حقيقته عقد مضاربة في البورصة، والمضاربة في البورصة تختلف عن المضاربة في الفقه الإسلامي، ولقد جاء على الموقع العالمي للاقتصاد الإسلامي: " نرتكب خطأً فادحاً عندما نخلط بين مفهوم المضاربة برسمها الفقهي، وبين المضاربة في البورصة"[1]، فعند استخدام ذات التعبير في عمليات البيع في البورصة أحدث إشكالاً عند غير المتخصصين الذين بدورهم راحوا يبحثون عن شروط عقد المضاربة في الفقه الإسلامي ليحاكموا عملية لا تمت بنوع صلة للمضاربة برسمها الفقهي المعروف [2].

ولتوضيح ذلك نذكر تعريف المضاربة في الاصطلاح الفقهي ثم تعريف المضاربة في البورصة، ولكن قبل ذلك نذكر تعريفها في اللغة.

تعريف المضاربة في اللغة:                                                                                

المضاربة مفاعلة من ضرب، فيقال: ضرب في الأرض إذا سار فيها للتجارة [3]، ومنه قوله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) [4].

تعريف المضاربة في الاصطلاح الفقهي:

عرف العلماء المضاربة بتعريفات كثيرة نذكر منها:

أنها: "دفع المال إلى غيره ليتصرف فيه ويكون الربح بينهما على ما شرطا، فيكون الربح لرب المال بسبب ماله لأنه نماء ملكه وللمضارب باعتبار أنه تسبب لوجود الربح"[5].

وعرفت أيضا بأنها: "توكيل مالك بجعل ماله بيد آخر ليتجر فيه والربح مشترك بينهما"[6].

ويمكن إجمال مفهوم المضاربة في الفقه الإسلامي على أنها: "اتفاق بين طرفين يبذل أحدهما فيه ماله ويبذل الآخر جهده ونشاطه في الاتجار والعمل بهذا المال، على أن يكون ربح ذلك بينهما على حسب ما يشترطان من النصف أو الربع أو غير ذلك، و إذا لم تربح الشركة لم يكن لصاحب المال غير رأس المال وضاع على المضارب جهده لأن الشركة بينهما في الربح، أما إذا خسرت الشركة فأنها تكون على صاحب المال وحده ولا يتحمل عامل المضاربة شيئاً منها مقابل ضياع جهده وعمله"[7].

تعريف المضاربة في البورصة:

إن المضاربة في المفهوم الاقتصادي تنصرف أساساً إلى معنى واحد وهو التنبؤ والتوقع، ولذلك عرفت المضاربة على أنها: "عملية التنبؤ ابتداءً، ومن ثم تقدير فرص الكسب لاغتنامها واحتمالات الخسائر لتجنبها"[8].

وقد عرفت أيضا: "هي المخاطرات بالبيع والشراء بناءً على التنبؤ بتقلبات الأسعار، بغية الحصول على فارق الأسعار"[9].

ويطلق على الذي يعمل بالمضاربة بالمضارب، فإن كان أحد المتعاملين في سوق الصرف الأجنبي مضارب على الهبوط فإن ذلك يعني أنه يتوقع ويتنبأ انخفاض السعر للعملة التي يضارب عليها، أو أنه مضارب على الصعود فإنه يتوقع ارتفاعها [10].

ومن خلال ما سبق يتضح بأن المضاربة في البورصة ما هي إلا مخاطرة في عملية البيع والشراء؛ لأنها تعتمد على التنبؤ والتوقع.

فالمضاربة في البورصة عبارة عن عملية بيع أو شراء مبنية على مخاطرة كبيرة، هذه المخاطرة ناتجة عن التوقع والتنبؤ الذي يبني عليه المضارب في شرائه أو بيعه، فإذا توقع بأن العملة مثلا سترتفع، فاشترى كميات منها، فربما يصيب توقعه وربما يخيب، فإذا أصاب توقعه احتاج بعد عمليه الشراء عملية بيع لهذه العملات حتى يتحقق الربح لديه من فارق الأسعار، أما إذا خاب توقعه فإن ذلك يؤدي إلي الخسارة حتماً، ولهذا فالمضاربة هنا يحيطها الغرر الكبير.

ولذلك فقد اختلف العلماء المعاصرون في حكم المضاربة في البورصة إلى قولين هما:

القول الأول: ذهب أصحابه إلى عدم جواز المضاربة في البورصة، وأنها من البيوع الفاسدة، هو قول عدد كبير من العلماء المعاصرين[11].

وعللوا ذلك بما يأتي[12]:

إن المضاربة في البورصة تدخل ضمن العقود الصورية، لوجود القرائن التي تكشف بأن الإرادة الحقيقية للمتعاقدين لا تتجه نحو انجاز عقد بيع حقيقي من آثاره التملك والتمليك، ففيها يتم السماح بالبيع وعقد الصفقات دون أن يكون المضارب مالكاً للسلع، وأن من هذه الصفقات ما ليس بيعا حقيقياً ولا شراءً حقيقياً، لأنه لا يجري فيها تسليم أو تسلم حقيقي، وإنما المسألة كلها تنحصر في قبض أو دفع فروق الأسعار، فهي من البيوع الفاسدة.

إن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، والمقصود في عقود المضاربة بيع وشراء الخطر وليست الأصول المالية، أي مقصود بها التعاقد على المخاطرة الشديدة أو التراهن والقمار.

إن المضاربة بهذه الصورة لا تعدو كونها نوعاً من المقامرة وإن جاءت في صورة بيع وشراء؛ لأنها تعتمد على الصدفة والحظ، فصورة المضاربة هذه تنكرها الشريعة ولا ترضاها.

إن المضاربة في البورصة تتضمن عدة أمور غير شرعية، مثل النجش والذي هو "الزيادة في ثمن السلعة المعروضة للبيع لا ليشتريها بل ليغر بذلك غيره"[13]، ودليل تحريمه ما روى عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عَنْ النَّجْشِ"[14] حيث إن النجش فيه زيادة في السلعة بقصد الخداع والتغرير، وكذلك النقصان بقصد الخداع أو التغرير

إن المضاربين في البورصة يقصدون حصر السلع في أيديهم، ثم التحكم في السوق برفع الأسعار، وتحقيق الأرباح الطائلة لهم والخسارة على غيرهم، وهذا هو الاحتكار المحرم شرعاً، حيث إن الاحتكار هو: "أن يشتري السلع ويدخرها بقصد تحقيق الربح نتيجة تقلب الأسعار"[15]، ودليل تحريمه ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ"[16]، فهذه المضاربة لا تجوز شرعاً.

القول الثاني: ذهب أصحابه إلى جواز المضاربة في البورصة[17].

وعللوا ذلك بما يأتي[18]:

إن المضاربة في البورصة مشروعة؛ لأنها تعد ضرورة اقتصادية حيث إن المضاربين لا يهدفون سوى تحقيق الأرباح الشخصية، وهذا لا شيء فيه؛ لأن السبب الرئيس لكل مشروع اقتصادي والمحرك لكل عملية إنتاج هو الربح، والذي يعتمد دائماً على اختلاف الأسعار.

إن المضاربة التي يتنبأ صاحبها بارتفاع وانخفاض الأسعار بناءً على معلومات صحيحة وحسابات وتحاليل دقيقة، ليستفيد شخصياً ويؤدي خدمة نافعة في السوق، هي مضاربة مشروعة لا علاقة لا بالمقامرة التي لا تستند إلى حسابات ودراسات صحيحة وتعتمد على الصدفة والحظ؛ لأن القمار يمكن تعريفه بأنه "عقد الصفقات اعتماداً على الحظ وحده دون أي خبرة سابقة أو دراسة تحليلية"[19].

إن الاقتصاد الإسلامي يأخذ في اعتباره وجود المخاطرة في المعاملات ويجيزه، وفي ذلك يقول ابن تيمية رحمه الله: "وأما المخاطرة فليس في الأدلة الشرعية ما يوجب تحريم كل مخاطرة؛ بل قد علم أن الله ورسوله لم يحرما كل مخاطرة"[20]، فالمخاطرة التي تشملها عمليات المضاربة في البورصة ليست محرمة؛ لأن الأصل في التجارة المخاطرة.

والذي يراه الباحث راجحاً: أنه وبعد هذا العرض لحكم المضاربة في البورصة وبيان آراء العلماء المعاصرين وحججهم فيما ذهبوا إليه، يستطيع الباحث القول بأن المضاربة بالعملات في البورصة، هي من العقود المحرمة وغير الجائزة شرعاً، وذلك لأنها من العقود الصورية، وتدخل فيها الكثير من المخالفات الشرعية والتي من أهمها عدم تحقق شرط الصرف وهو التقابض في الحال، وبيع ما لا يملك، والاحتكار، والغرر والقمار.

كما أن حكم المضاربة على الذهب أو الفضة هو نفس حكم المضاربة على العملات؛ لأن جميعها يتحقق به الصرف[21].

ولزيادة التأكيد على حرمة هذه العقود فإن الباحث سيذكر المخالفات الشرعية التي تقع فيها وهو كالآتي:

أولاً: العقد الفوري علي العملات[22]:

من الواضح أن العمليات الفورية في تجارة العملات عبر البورصة لا يتحقق فيها القبض الفوري فالمتاجر يحتاج إلى يومين حتى يستطيع قبض المبلغ فعلياً، حيث لا يوجد حتى الآن في البورصة تقابض أو تسوية فورية تتم في لحظة إنجاز العقد بل يتأخر التقابض لمدة يومين أو أكثر، وتأخر التقابض الفعلي في عملية الصرف لمدة يومين يعني أن التقابض الفوري غير موجود في العمليات الفورية عبر البورصة[23].

وبناءً على ما سبق فإن هذا العقد يعتبر من العقود المحرمة ولا يجوز صرف العملات من خلالها؛ وذلك لخلوه من التقابض في المجلس.

ثانياً: العقد الآجل للعملات:

من خلال تعريف عقد الآجل للعملات يتضح بأن هذا العقد فيه عدة أمور محرمة والتي منها:

أنه يتم فيه تأجيل الثمن والمثمن، وهذا هو بيع الدين بالدين المجمع على تحريمه[24].

هذا العقد فيه إخلال بشرط التقابض في الحال حيث إن تأجيل التقابض هو السمة الرئيسة لهذه العقود، وهذا هو الربا المجمع على تحريمه[25].

هذه العقود تعطى للعاقدين حق تأجيل موعد التصفية إلى موعد آخر، مما يجعل المدة مجهولة وغير معلومة وهذا فيه غرر[26]، والغرر منهي عنه؛ لما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: "نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ"[27].

ثالثاً: العقد المستقبلي للعملات:

هذه الصورة شبيهه بالتي قبلها كما بينا سابقاً، لذلك فإنها تأخذ الحكم نفسه في عدم الجواز والله أعلم[28].

رابعاً: عقد مبادلة العملات:

إن هذا العقد من العقود المحرمة؛ وذلك لاشتماله على ما يأتي:

ربا النسيئة، وذلك من خلال تأجيل استلام البدلين في العقد الثاني.

بيع دين بدين، المجمع على تحريمه، وذلك من خلال بيع العملة المشتراة في العقد الأول بالعملة الأخرى بيعاً آجلاً؛ لأن العاقدين دخلا فيه على أن يشتري أحدهما ما باعه في العقد الأول بيعا آجلاً.

ومن خلال بيان صورة هذا العقد يتبين بأن العقد الثاني شرط في العقد الأول؛ لأن العاقدين دخلا فيه على أن يشتري أحدهما من الآخر ما باعه في العقد الأول بيعاً آجلاً، وهذا الشرط محرم لمخالفته كتاب الله؛ لما دخله من الربا وبيع الدين بالدين[29] وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أَمَّا بَعْدُ فَمَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ)) [30]

خامساً: العقد الاختياري للعملات:

مما سبق يتضح بأن المضاربة على عقود الاختيار للعملات من العقود المحرمة، وذلك للآتي:

فيه تأجيل البدلين، بل وتأجيل العقد نفسه، وهذا مخالف لشرط التقابض في الصرف.

إن فيه اشتراط الخيار للصرف وهذا مخالف لشرط الصرف الذي يقضي بخلو الخيار عن الصرف.

إن المعقود عليه في هذا العقد عبارة عن حق مجرد لشراء أو بيع، وليس علي سلعة معينة، وإن العملات المذكورة إنما هي رمز فقط، وهذا فيه بيع الإنسان ما لا يملك، وقد نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذلك، فعن حكيم بن حزام قال: أتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت يأتيني الرجل يسألني من البيع ما ليس عندي أبتاع له من السوق ثم أبيعه قال: ((لا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ)).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الموقع العالمي للاقتصاد الإسلامي isegs.

[2] المرجع السابق نفسه.

[3] ابن منظور: لسان العرب (4/ 2566)، الزبيدي: تاج العروس (3/ 251).

[4] سورة النساء: من الآية (101).

[5] الزيلعي: تبين الحقائق (5/ 52).

[6] الشربيني: الإقناع (2/ 341).

[7] الأمين: المضاربة الشرعية وتطبيقاتها المعاصرة (ص 19).

[8] حسن: المشتقات المالية ودورها في إدارة المخاطر (ص 37).

[9] الأمين: المضاربة الشرعية وتطبيقاتها المعاصرة (ص 20).

[10] حسن: المشتقات المالية ودورها في إدارة المخاطر (ص 37).

[11] عبد العظيم: التعامل في أسواق العملات الدولية (ص 65).

[12] العفيفي: المجتمع الإسلامي وفلسفته (2/ 338)، الأمين: المضاربة الشرعية وتطبيقاتها المعاصرة (ص 20)، أحمد: أسواق الأوراق المالية (ص 593)، شبير: المتاجرة بالهامش (ص 38).

[13] شبير: المتاجرة بالهامش (ص 39).

[14] أخرجه البخاري في صحيحه (كتاب: الحيل، باب: ما يكره من التناجش 9/ 24 ح 6963) ، وأخرجه مسلم في صحيحه (كتاب: البيوع، باب: تحريم بيع الرجل على بيع أخيه وسومه على سومه 5/ 5 ح 3893).

[15] شبير: المتاجرة بالهامش (ص 39).

[16] أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب: المساقاة، باب: باب تحريم الاحتكار في الأقوات 5/ 56 ح 4206).

[17] سودة: تنظيم عقود الاختيار في الأسواق المالية (ص 221)، عبد العظيم: التعامل في أسواق العملات الدولية (ص 48).

[18] سودة: تنظيم عقود الاختيار في الأسواق المالية (ص 221)، البرواري: بورصة الأوراق المالية من منظور إسلامي (ص 182)، عبد العظيم: التعامل في أسواق العملات الدولية (ص 48).

[19] عبد العظيم: التعامل في أسواق العملات الدولية (ص 48).

[20] البعلي: مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية (ص 532).

[21]وهذا الذي يرجحه الباحث هنا لا ينطبق على المضاربة على الأسهم والسندات وغيرها من السلع الأخرى غير الذهب أو الفضة، فقد أجازها بعض العلماء وحرمها آخرون، وهو ما يحتاج إلى دراسة وزيادة بحث، وهو ليس من مجال هذا البحث.

[22] وقد ذهب القائلون بجواز المضاربة في البورصة بجواز هذا العقد- عقد المضاربة الفورية علي العملات- مع أنهم يحرمون عقود المضاربة على العملات الأخرى، وحجتهم في ذلك: إن امتداد التقابض إلى يومين هو من قبيل الامتداد الحكمي لمجلس العقد، لأنه من قبيل العرف الدولي المستقر لمعنى الفورية، ولكن يمكن الرد على ما ذهبوا إليه، بأنه وإن كان العقد جائزاً في نظرهم إلا أنه لا يخلو من ممنوعات شرعية كصورية العقد وغيرها من الأمور التي بيناها في سلبيات المضاربة على العملات في البورصة سابقا.

[23] سليم، غزال: حكم الشرع في البورصة (ص 35).

[24] ابن المنذر: الإجماع (ص 132).

[25] آل سليمان: أحكام التعامل في الأسواق المالية المعاصرة (ص 966)، سليم، غزال: حكم الشرع في البورصة (ص 35).

[26] البرواري: بورصة الأوراق المالية من منظور إسلامي (ص 204).

[27] سبق تخريجه (ص 14)

[28] لطفي: التداول الإلكتروني للعملات (ص 80)، سليم، غزال: حكم الشرع في البورصة (ص 35).

[29] آل سليمان: أحكام التعامل في الأسواق المالية المعاصرة (ص 1110).

[30] أخرجه مسلم في صحيحه (كتاب: العتق، باب: إنما الولاء لمن اعتق، 4/ 214 ح2852).

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة