أحكام جرائم الشرف
عدد القراءات : 27

الحكم يطلق ويراد به الوصف الشرعي القائم بالماهية، ويطلق ويراد به الآثار المترتبة على التصرف، وقد اشتملت الدراسة على الأول، وبقي الحديث عن الآثار نجملها بما يلي:

أولاً - الإثم والمعصية المستوجبة للاستغفار والتوبة:

لأن الاعتداء على الإنسان بالقول، أو الفعل جريمة تلحق بصاحبها الإثم، وكل معصية، تصح التوبة عنها، سواء أكانت من الكبائر أم من الصغائر، والذي آذى غيره، أضر به، ويجب أن يزيل الضرر عنه، ثم يطلب منه العفو والاستغفار له، فإذا عفا عنه سقط الذنب عنه.

ويجب المبادرة إلى التوبة، فور وقوع المعصية، فمن أخرها زماناً، صار عاصياً بتأخيرها؛ لأن المقصود منها التخلص من الإثم، والفوز بمغفرة الله تعالى في الآخرة،[1] يؤكد ذلك، قوله تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور: 31] وقوله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) [النساء: 17].

وقوله تعالى: (أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [المائدة: 74].

واشترط الفقهاء شروطاً لصحة التوبة، هي:[2]

1- الإقلاع عن المعصية.

2- الندم على المعصية.

3- العزم على ألا يعود للمعصية مرة أخرى.

4- أن يصلح ما أفسد بإعادة الحقوق لأصحابها.

والتوبة المستكملة لشرائطها، هي التوبة النصوح، المشار إليها، في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [التحريم: 8].

والتخلص من المعصية بالتوبة، دليل على قوة الإرادة وبعد النظر؛ للتخلص من آثار المعصية، وبدء صفحة جديدة في الحياة، قائمة على النظافة والصدق مع الله سبحانه وتعالى، وفي هذا تستقيم النفس وتطمئن، إذا توفر العزم وصدق الإرادة.

ثانياً - وجوب التعويض عن الضرر المادي، والمعنوي، الذي ترتب على جرائم الشرف:

ودليل ذلك ما ورد عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا ضرر ولا ضرار من ضار ضره الله، ومن شاق شق الله عليه))[3] ومعنى لا ضرر: أي لا يجوز الإضرار بالغير ابتداء لا في نفسه ولا في ماله؛ لأن إلحاق الضرر بالغير ظلم، والظلم حرام في الإسلام حتى لو نشاء من فعل مباح.

ولا ضرار: أي لا يجوز مقابلة الضرر بالضرر، وعلى المتضرر مراجعة القضاء لرفع الظلم، وآثاره عنه، فلا يجوز شرعًا معالجة الخطأ بالخطأ، فالغاية لا تبرر الوسيلة، وإنما تقررها.

والحديث من جوامع الأحكام، ودليل قاعدة فقهية بني عليها كثير من أبواب الفقه، كما يتفرع عنها قواعد فقهية ؛ لتفعيلها في بعديها الوقائي والعلاجي، وهي قاعدة: "الضرر يزال"، وتعني وجوب رفع الضرر وترميم آثاره بعد الوقوع، ويتفرع عنها قواعد منها قاعدة: "الضرر يدفع بقدر الإمكان" وتعني وجوب دفع الضرر قبل وقوعه؛ لأن الدفع أولى وأسهل من الرفع، وبالرجوع للحديث نجد أن كلمة ضرر نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي يعم جميع أنواع الضرر الخاص والعام، المادي والمعنوي، الواقع والمتوقع.

قال الرازي في المحصول: "الضرر ألم القلب؛ لأن الضرب يسمى ضرراً، وتفويت مصلحة الإنسان يسمى ضررا، والشتم، والاستخفاف يسمى ضررا، ولا بد من جعل اللفظ اسما لمعنى مشترك بين هذه الصور، وألم القلب معنى مشترك، فوجب جعل اللفظ حقيقة فيه"[4].

ثالثاً - استحقاق العقوبة الرادعة:

جرائم الشرف معصية، وكبيرة، وخيانة للأمة، ومن يرتكب ذلك يعاقب، ويؤدب، بعقوبة رادعة، كعقوبة الحدود أو القصاص، أو العقوبة التعزيرية التي يقدرها الحاكم، أو من يقوم مقامه، نوعا ومقدارا؛ وفق مقتضيات المصلحة المعتبرة شرعا وعقلا، وبما يتفق مع حجم المعصية، وأثرها على الفرد والمجتمع.

والتعزير: مصدر عزره، وهو مأخوذ من العزر، وهو الرد، والمنع، واستعمل في الدفع عن الشخص، كدفع أعدائه عنه، ومنعهم من إضراره، ومنه عزره القاضي، أي أدبه؛ لئلا يعود إلى القبيح، ويكون بالقول، وبالفعل بحسب ما يليق به، والتعزير يكون بسبب المعصية، والتأديب أعم منه، ومنه تأديب الولد، وتأديب المعلم.[5]

والتعزيرات متعلقات بموجبات لها وأسباب:

فمنها ما يكون حقا لآدمي، يسقط بإسقاطه، ويستوفى بطلبه، ومنها ما يثبت حقا لله تعالى؛ لارتباطه بسبب هو حق الله تعالى، والتعزيرات مفوضة لرأي الإمام، فإن رأى الصفح والتجاوز تكرماً فعل، ولا معترض عليه فيما عمل، وإن رأى إقامة التعزير تأديبا وتهذيبا، فرأيه المتبع.[6]

رابعاً - العداوة، والبغضاء، والتدابر، وانعدام الثقة بين الناس:

وهذه أمور محرمة في الفقه الإسلامي، والأدلة على ذلك، كثيرة، منها:

1- قوله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) [المائدة: 91].

2- عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا تحاسدوا، ولا تناجشوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً))[7].

خامساً - تعريض أمن البلاد السياسي والاقتصادي والاجتماعي للخطر:

يؤكد ذلك، قوله تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) [النحل: 112].

وقوله تعالى: (إِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً) [النساء: 83].

وقوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) [الأنعام: 82].

والآيات الكريمات تقرر أصل حفظ أمن البلاد بجميع أشكاله وصوره؛ لأنه يعد من المقاصد الشرعية المعتبرة التي جاءت الأحكام الشرعية لتحصيلها، والحفاظ عليها، وبناء على ذلك ينبغي على الفرد أن يضبط خط سير سلوكه بما يتفق مع هذه المبادئ شرعاً وعقلاً وواقعاً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] قواعد الأحكام، ج 1، ص 188.

[2] القوانين الفقهية، ص 362، وكشاف القناع، ج 6، ص 115، والمحلى، ج 1، ص 277.

[3] أخرجه البيهقي والحاكم، وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم، ولم يُخرِّجاه، ووافَقه الذهبي على ذلك؛ انظر: سنن البيهقي الكبرى، ج 6، ص 69، باب: لا ضَرَرَ ولا ضِرار، والمستدرك على الصحيحين، ج 2، ص 57.

[4] المحصول، ج 6، ص 83.

[5] انظر: فتح الباري، ج 12، ص 176.

[6] انظر: غياث الأمم في التياث الظلم، ص 218.

[7] انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، ج 16، ص 115، ومسند الشهاب، ج 2، ص.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة