من أحكام الهبة في الفقه الإسلامي
عدد القراءات : 80

من أحكام الهبة في الفقه الإسلامي

المرتع المشبع في مواضع من الروض المربع

قوله: (وهي: التبرُّع مِن جائز التصرُّف بتمليك ماله المعلوم الموجود في حياته غَيْره بما يُعَدُّ هِبة عُرفًا...) إلى آخره [1].

قال في ((الإفصاح)): ((واتفقوا على أن الهِبة تَصِحُّ بالإيجاب والقبول والقبض[2].

ثم اختلفوا هل تصح وتلزم بإيجاب وقَبول عَارٍ من قبض إذا كانت معينة كالثوب والعبد؟

فقال أبو حنيفة[3] والشافعي[4] وأحمد[5] في إحدى روايتيه: [تصح] ولا يلزم إلا بالقبض.

وقال مالك[6]: تلزم وتصح بمجرد القَبول والإيجاب، ولا يَفْتقر صحتها ولزومها إلى قبض، ولكن القبض شرط في نفوذها وتمامها، فإذا انعقد العقد فليس للواهب الرجوع، وللموهوب له والمتصدق عليه المطالبة بالإقباض، وإذا طالب به أُجْبِر الواهب عليه.

فإن أَخَّر الواهب الإقباض مع مطالبة الموهوب له به حتى مات الواهب والموهوب له قائم على المطالبة، ولم يرض بتبقيتها في يد الواهب لم تبطل، وللموهوب له مطالبة الورثة، فإن تراخى الموهوب له عن المطالبة أو رَضِي بتبقيتها، أو أمكنه قبضها فلم يقبضها حتى مات الواهب أو مرض بطلت الهبة، ولم يكن له شيء، فهذه فائدة مذهب مالك، فإن القبض شرط في نفوذ الهبة وتمامها، لا في صحتها ولزومها، وعن أحمد[7] مثله.

واختلفوا فيما إذا كانت غير مُعَيَّنة كالقفيز من صُبْرَة، والدرهم من دراهم:

فقال أبو حنيفة[8]، والشافعي[9]، وأحمد[10] رواية واحدة: لا تلزم إلا بالقبض.

وقال مالك[11]: تلزم بغير قبض على الإطلاق.

واختلفوا في هِبة المُشَاع والتَّصدُّق به:

فقال أبو حنيفة[12]: لا تجوز فيما يتأتى فيه القِسْمة كالعقار حتى يُقْسم، ويجوز فيما لا يقسم كالحيوان والجواهر والحمَّام.

وقال مالك[13] والشافعي[14] وأحمد[15]: يجوز فيهما جميعًا.

واتفقوا على أنه يَقْبض للطفل أبواه[16] أو وليه[17]))[18]...

إلى أن قال: واختلفوا في هبة المجهول:

فقال أبو حنيفة[19]: لا يصح ما لم يعلمه ويتسلمه، وكذلك قال الشافعي[20] وأحمد[21].

وقال مالك[22]: يصح[23].

واتفقوا على أنه إذا أبرأه من الدين صحَّ ذلك، ولم يحتج إلى قَبول ذلك ممن هو عليه[24]))[25].

وقال البخاري: (((باب: من رأى الهبة الغائبة جائزة).

حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا الليث قال: حدثنا عقيلٌ، عن ابن شهاب قال: ذكر عروة أن المِسْوَر بن مَخْرمة -رضي الله عنهما- ومَرْوَان أخبراه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حين جاءه وفد هوازن قام في الناس، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: (أما بعد، فإن إخوانكم جاؤونا تائبين، وإني رأيت أن أَرُدَّ إليهم سَبيَهم، فمن أحب منكم أن يُطَيِّب ذلك فليفعل، ومن أحب أن يكون على حَظِّه حتى نعطيه إياه من أول ما يُفيء الله علينا)، فقال الناس: طَيَّبْنَا لك[26])).

قال الحافظ: ((قوله: (باب: من رأى الهبة الغائبة جائزة) ذكر فيه طرفًا من حديث المِسْوَر ومَرْوَان في قصة هوازن، ومراده منه قوله -صلى الله عليه وسلم-: (وإني رأيت أن أرد إليهم سَبيَهم، فمن أحب منكم أن يُطيِّب ذلك فليفعل)، فإن في بقية الحديث: طَيَّبْنَا لك.

ففيه: أنهم وهبوا ما غَنِموه من السبي من قبل أن يُقْسَمَ، وذلك في معنى الغائب))[27].

وقال البخاري أيضًا: (((باب: إذا وهب هبة، أو وَعَد ثم مات قبل أن تَصل إليه).

وقال عَبِيدة: إن مات وكانت فُصِلت الهدية والمُهدَى له حي فهي لورثته، وإن لم تكن فُصِلت فهي لورثة الذي أهدى.

وقال الحسن: أيهما مات قَبْل فهي لورثة المُهدَى له إذا قبضها الرسول.

حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا ابن المنكدر، سمعت جابرًا -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((لو جاء مال البحرين أَعطَيتُك هكذا ثلاثًا)) فلم يَقدَم حتى توفي النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأمر أبو بكر مناديًا فنادى: من كان له عند النبي -صلى الله عليه وسلم- عِدَةٌ أو دَينٌ فليأتنا، فأتيته فقلت: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- وعدني، فحثى لي ثلاثًا[28])).

قال الحافظ: ((قوله: (باب: إذا وهب هبة أو وعد ثم مات قبل أن تصل إليه) أي: الهدية، وفي رواية الكُشْمِيهَنِي: أو وعده[29] عِدَةً.

قال الإسماعيلي: هذه الترجمة لا تدخل في الهبة بحال.

قال الحافظ: قال ذلك بناء على أن الهبة لا تصح إلا بالقبض وإلا فليست هِبة، وهذا مقتضى مذهبه، لكن من يقول: إنها تصح بدون القبض يسميها هِبة، وكأن البخاري جَنَحَ إلى ذلك.

وقال ابن بطَّال[30]: لم يُروَ عن أحد من السلف وجوب القضاء بالعِدَة، أي: مُطلقًا، وإنما نُقِل عن مالك أنه يجب منه ما كان بسبب.

قال الحافظ: وغَفَل عما ذكره ابن عبد البر عن عمر بن عبد العزيز، وعما نقله هو عن أصبغ، وعما سيأتي في البخاري الذي تصدى لشرحه في باب: من أَمَر بإنجاز الوعد.

قوله: (وقال عَبِيدة: إن ماتا) أي: المُهدِي والمُهْدَى إليه... إلى آخره. وتفصيله بَيْنَ أن تكون انفصلت أم لا، مَصِير منه إلى أن قَبْض الرسول يقوم مقام قَبْض المُهدَى إليه.

وذهب الجمهور[31] إلى أن الهدية لا تنتقل إلى المُهدى إليه إلا بأن يقبضها أو وكيله.

قوله: وقال الحسن: أيهما مات قبل فهي لورثة المُهدى له إذا قبضها الرسول.

قال ابن بطال[32]: قال مالك[33] كقول الحسن.

وقال أحمد[34] وإسحاق: إن كان حاملها رسول المُهْدِي رجعت إليه، وإن كان حاملها رسول المُهْدَى إليه فهي لورثته.

وفي معنى قول عَبِيدة وتفصيله حديث رواه أحمد والطبراني عن أم كلثوم بنت أبي سلمة - وهي بنت أم سلمة - قالت: لما تزوَّج النبي -صلى الله عليه وسلم- أم سلمة قال لها: (إني قد أَهْديْت إلى النجاشي حُلَّة وأواقي من مِسك، ولا أرى النجاشي إلا قد مات، ولا أرى هديتي إلا مردودة عليَّ، فإن رُدَّت علي فهي لك)[35]. قال: وكان كما قال. وإسناده حسن.

ثم ذكر المُصنِّف حديثَ جابر في وفاء أبي بكر الصديق له ما وعده به النبي -صلى الله عليه وسلم-[36].

قال الإسماعيلي: ليس ما قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- لجابر هِبة، وإنما هي عِدَة على وَصْف، لكن لمّا كان وعد النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يجوز أن يُخْلف نَزَّلوا وعده مَنزلة الضمان في الصحة فرقًا بينه وبين غيره من الأمة، ممن يَجُوز أن يَفِي وألاّ يَفِي.

قال الحافظ: وجه إيراده أنه نَزَّل الهدية إذا لم تُقْبَض منزلة الوعد بها، وقد أَمَر الله بإنجاز الوعد، ولكن حمله الجمهور على الندب))[37].

وقال البخاري أيضًا: (((باب: كيف يُقْبض العبد والمَتاع؟).

وقال ابن عمر: كنت على بكر صَعْبٍ، فاشتراه النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: (هو لك يا عبد الله).

حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن ابن أبي مُلَيْكة، عن المِسْوَر بن مخرمة -رضي الله عنه-ما قال: قَسَمَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أقْبِيَة، ولم يُعْطِ مخرمة منها شيئًا، فقال مخرمة: يا بُني، انطلق بنا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فانطلقت معه، فقال: ادخل فادعُهُ لي، [قال:] فدعوته له، فخرج إليه وعليه قَبَاءٌ منها، فقال: (خَبَأنا هذا لك)، قال: فنظر إليه، فقال: رَضِي مخرمة[38])).

قال الحافظ: ((قوله: باب: كيف يُقبض العبد والمتاع؟ أي: الموهوب.

قال ابن بطال[39]: كيفية القبض عند العلماء بإسلام الواهب لها إلى الموهوب، وحِيَازِة الموهوب لذلك، قال: واختلفوا هل من شرط صحة الهبة الحِيازة أم لا؟ فحُكِي الخلاف.

وتحريره قول الجمهور[40]: إنها لا تَتِمّ إلا بالقبض، وعن القديم[41] - وبه قال أبو ثور وداود[42] -: تصح بنفس العقد وإن لم تقبض.

وعن أحمد[43]: تصح بدون القبض في العين المعينة دون الشائعة.

وعن مالك[44] كالقديم، لكن قال: إن مات الواهب قبل القبض وزادت على الثلث افتقر إلى إجازة الوارث، ثم إن الترجمة في الكيفية لا في أصل القبض، وكأنه أشار إلى قول من قال: يُشْترط في الهبة حقيقة القبض دون التخلية))[45].

وقال البخاري أيضًا: (((باب: إذا وهب هبة فقبضها الآخر، ولم يقل: قَبِلت)))[46].

قال الحافظ: ((أي: جازت، ونقل فيه ابن بطَّال[47] اتفاق العلماء وأن القبض في الهبة هو غاية القبول.

وغَفَل -رحمه الله- عن مذهب الشافعي، فإن الشافعية[48] يشترطون القبول في الهبة دون الهدية إلا إن كانت الهبة ضمنية، كما لو قال: أعتق عبدك عني، فعتقه عنه، فإنه يدخل في ملكه هبة، ويعتق عنه ولا يشترط القبول.

ومقابل قول[49] ابن بطال قول الماوَردي: قال الحسن البصري: لا يُعْتبر القبول في الهِبة كالعتق، قال: وهو قولٌ شَذَّ به عن الجماعة، وخالف فيه الكافة، إلا أن يريد الهدية فيُحْتَمل.

قال الحافظ: على أن في اشتراط القَبول في الهدية وجهان[50] عند الشافعية[51]، ثم أورد فيه حديث أبي هريرة في قصة المُجَامع في رمضان، والغرض منه أنه -صلى الله عليه وسلم- أعطى الرجل التمر فقَبَضه ولم يقُل: قَبِلت، ثم قال: (اذهب فأطعمه أهلك)[52]، ولمن اشترط القبول أن يجيب عن هذا بأنها واقعة عين فلا حجة فيها، ولم يُصَرِّح فيها بذكر القبول ولا بنفيه، وقد اعترض الإسماعيلي بأنه ليس في الحديث أن ذلك كان هبة، بل لعله كان من الصدقة، فيكون قاسمًا لا واهبًا.

قال الحافظ: وقد تقدم في الصوم التصريح بأن ذلك كان من الصدقة، وكأن المُصَنِّف يَجْنح إلى أنه لا فرق في ذلك))[53].

وقال البخاري أيضًا: (((باب: إذا وهب دَينًا على رجل).

قال شعبة، عن الحكم: هو جائزٌ. ووهب الحسن بن علي عليهما السلام لرجل دينه، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((من كان له عليه حق فَلْيُعْطه، أو لِيَتَحلَّله منه)) وقال جابر: قُتِل أبي وعليه دينٌ، فسأل النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- غُرَماءه أن يَقْبَلوا ثمر حائطي، ويُحَلِّلوا أبي))[54].

قال الحافظ: ((قوله: (باب: إذا وهب دَيْنًا على رجل)، أي: صح ولو لم يقبضه منه وَيَقْبض له.

قال ابن بطال[55]: لا خلاف بين العلماء في صحة الإبراء من الدَّيْن إذا قَبِل البراءة، قال: وإنما اختلفوا إذا وهب دينًا له على رجل لرجل آخر، فمَن اشترط في صحة الهبة القبض لم يصحح هذه، ومَن لم يشترطه صححها، لكن شرط مالك[56] أن تُسَلَّم إليه الوثيقة بالدين، وَيَشْهَد له بذلك على نفسه، أو يَشْهَد بذلك ويعلنه إن لم يكن به وثيقة.

قال الحافظ: وعند الشافعية[57] في ذلك وجهان، جزم الماوَردي بالبطلان، وصححه الغزالي ومن تبعه، وصحح العمراني وغيره الصحة.

قيل: والخلاف مرتب على البيع إن صححنا بيع الدَّيْن من غير مَن عليه، فالهبة أَولى، وإن منعناه ففي الهبة وجهان، والله أعلم.

قوله: (وقال شعبة عن الحكم: هو جائز)، وصله ابن أبي شيبة، عن أبي داود، عن شعبة، قال: قال لي الحكم: أتاني ابن أبي ليلى - يعني: محمد بن عبدالرحمن - فسألني عن رجل كان له على رجل دين فوهبه له، أَلَه أن يَرجِع فيه؟ قلت: لا، قال شعبة: فسألت حمادًا فقال: بلى، له أن يرجع فيه[58].

قوله: (ووهب الحسن بن علي دَينه لرجل) لم أقف على من وصله.

قوله: (وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: من كان عليه حق فَلْيُعْطه، أو لِيَتَحلَّله منه) أي: من صاحبه، ووجه الدلالة منه لجواز هبة الدَّيْن: أنه -صلى الله عليه وسلم- سَوَّى بين أن يعطيه إياه أو يُحَلّله منه، ولم يشترط في التحليل قبضًا.

قوله: (وقال جابر: قُتِل أبي...) إلى آخره، وصله في الباب بأَتمَّ منه[59]، وتؤخذ الترجمة من قوله: فسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- غرماء والد جابر أن يقبلوا ثمر حائطه، وأن يحللوه فلو قبلوا كان في ذلك براءة ذمته من بقية الدَّيْن، ويكون في معنى الترجمة، وهو هبة الدَّين، ولو لم يكن جائزًا لما طلبه النبي -صلى الله عليه وسلم-))[60].

وقال البخاري أيضًا: (((باب هبة الواحد للجماعة).

وقالت أسماء للقاسم بن محمد وابن أبي عَتِيق: وَرِثْت عن أختي عائشة بالغابة، وقد أعطاني به معاوية مئة ألف، فهو لكما.

حدثنا يحيى بن قَزَعة، حدثنا مالك، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أُتي بشراب فشرب، وعن يمينه غلامٌ، وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام: (إن أَذِنت لي أعطيت هؤلاء)، فقال: ما كنت لِأُوثِرَ بنصيبي منك يا رسول الله أحدًا فَتَلَّه في يده[61])).

قال الحافظ: ((قوله: (باب: هبة الواحد للجماعة)، أي: يجوز ولو كان شيئًا مُشَاعًا.

قال ابن بطال[62]: غَرَضُ المُصَنِّف إثبات هبة المُشَاع، وهو قول الجمهور[63]...

إلى أن قال: وقد اعترض الإسماعيلي بأنه ليس في حديث سهل ما ترجم به، وإنما هو من طريق الإرفاق، وأطال في ذلك.

والحق كما قال ابن بطَّال[64]: أنه -صلى الله عليه وسلم- سأل الغلام أن يهب نصيبه للأشياخ، وكان نصيبه منه مُشاعًا غير متميز، فدل على صحة هبة المُشَاع، والله أعلم))[65].

وقال البخاري أيضًا: (((باب: الهبة المَقْبوضة وغير المَقْبوضَة، والمَقْسُومة وغير المَقْسُومة).

وقد وهب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه لِهَوازن ما غَنِموا منهم، وهو غير مقسوم.

وذكر حديث جابر -رضي الله عنه-: أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- في المسجد فَقضاني وزادني[66].

وحديث سهل[67]، وحديث أبي هريرة: كان لرجل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دَيْنٌ، فهمَّ به أصحابه، فقال: (دَعُوه، فإن لصاحب الحق مقالاً)، وقال: (اشتروا له سِنًّا فأعطوها إياه)، فقالوا: إنا لا نجد سِنًّا إلا سِنًّا هي أفضل من سنه، قال: (فاشتروها فأعطوها إياه، فإن من خيركم أحسنكم قضاءً)[68])).

قال الحافظ: ((قوله: (باب: الهبة المقبوضة وغير المقبوضة، والمقسومة وغير المقسومة).

أما المقبوضة: فتقدَّم حكمها، وأما غير المقبوضة: فالمراد القبض الحقيقي، وأما القبض التقديري: فلابد منه؛ لأن الذي ذكره من هبة الغانمين لوفد هوازن ما غَنموه قبل أن يُقَسَم فيهم ويقبضوه، فلا حجة فيه على صحة الهبة بغير قبض؛ لأن قبضهم إياه وقع تقديريًا باعتبار حيازتهم له على الشيوع.

نعم قال بعض العلماء: يُشْترط في الهبة وقوع القبض الحقيقي، ولا يكفي القبض التقديري بخلاف البيع، وهو وجه للشافعية[69].

وأما الهبة المقسومة: فحكمها واضح، وأما غير المقسومة: فهو المقصود بهذه الترجمة وهي مسألة هبة المُشَاع.

والجمهور[70] على صحة هِبة المُشَاع للشريك وغيره، سواء انقسم أو لا.

وعن أبي حنيفة[71]: لا يصح هبة جزء مما ينقسم مُشَاعًا لا من الشريك ولا من غيره))[72].

وقال البخاري أيضًا: (((باب: إذا وهب جماعة لقوم).

وذكر حديث المِسْوَر في قصة هوازن [73])).

قال الحافظ: ((وجه الدلالة منه للترجمة ظاهر؛ لأن الغانمين وهم جماعة وهبوا بعض الغنيمة لمن غَنِموها منهم، وهم قوم هوازن))[74].

وقال البخاري أيضًا: (((باب: إذا وهب بعيرًا لرجل وهو راكبه، فهو جائز).

وقال الحُمَيدي: حدثنا سفيان، حدثنا عمرو، عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في سفر، وكنت على بَكْرٍ صَعْبٍ، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعمر: (بِعْنِيه)، فابتاعه، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((هو لك يا عبد الله)) [75].

قال الحافظ: ((قوله: (باب: إذا وهب بعيرًا لرجل وهو راكبه فهو جائز) أي: وتُنزَّل التخلية منزلة النَّقل، فيكون ذلك قبضًا، فتصح الهبة، وقد تقدم توجيه ذلك))[76].

وقال في ((الاختيارات)): ((وإعطاء المرء المال ليُمدح ويُثنى عليه مذموم، وإعطاؤه لكف الظلم والشر عنه، ولئلا يُنسب إلى البخل مشروع، بل هو محمود مع النية الصالحة.

والإخلاص في الصدقة ألاّ يسأل عوضها دعاء من المُعطى، ولا يرجو بركته وخاطره، ولا غير ذلك من الأقوال، قال الله تعالى: (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا) [الإنسان: 9].

وتصح هبة المعدوم كالثمر واللبن بالسنة، واشتراط القدرة على التسليم هنا فيه نظر بخلاف البيع، وتصح هبة المجهول كقوله: ما أخذت من مالي فهو لك، أو من وَجَد شيئًا من مالي فهو له.

وفي جميع هذه الصور يحصل الملك بالقبض ونحوه، وللمبيح أن يرجع فيما قال قبل التملك، وهذا نوع من الهبة يتأخر القبول فيه عن الإيجاب كثيرًا وليس بإباحة، وتجهيز المرأة بجهازها إلى بيت زوجها تمليك.

قال القاضي: قياس قولنا في بيع المعاطاة أنها تملكه بذلك، وأفتى به بعض أصحابنا[77]، وأصحاب أبي حنيفة[78] وغيرهم.

قال أبو العباس: ويظهر لي صحة هبة الصوف على الظهر قولاً واحدًا، وقاسه أبو الخطاب على البيع.

والصدقة أفضل من الهبة إلا لقريب يصل بها رحمه، أو أخ له في الله تعالى فقد تكون أفضل من الصدقة))[79].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الروض المربع ص341.

[2] فتح القدير 7/ 113، وحاشية ابن عابدين 5/ 727- 728، والشرح الصغير 2/ 312، وحاشية الدسوقي 4/ 97- 98، وتحفة المحتاج 6/ 298- 300، ونهاية المحتاج 5/ 406- 408، وشرح منتهى الإرادات 4/ 394، وكشاف القناع 10/ 117.

[3] فتح القدير 7/ 113- 117، وحاشية ابن عابدين 5/ 729- 730.

[4] تحفة المحتاج 6/ 298- 305، ونهاية المحتاج 5/ 406- 414.

[5] شرح منتهى الإرادات 4/ 394- 395، وكشاف القناع 10/ 122.

[6] الشرح الصغير 2/ 313، وشرح مختصر خليل للخرشي 7/ 105.

[7] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 17/ 14- 16.

[8] حاشية ابن عابدين 5/ 733.

[9] تحفة المحتاج 6/ 305- 306، ونهاية المحتاج 5/ 414- 415.

[10] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 17/ 18.

[11] الشرح الصغير 2/ 313، وشرح مختصر خليل للخرشي 7/ 105.

[12] فتح القدير 7/ 121- 122، وحاشية ابن عابدين 5/ 730- 733.

[13] شرح مختصر خليل للخرشي 5/ 239، وحاشية الدسوقي 3/ 235.

[14] تحفة المحتاج 6/ 306، ومغني المحتاج 2/ 400.

[15] شرح منتهى الإرادات 4/ 401، وكشاف القناع 10/ 133.

[16] كذا في الأصل، وفي الإفصاح: ((أبوه)).

[17] فتح القدير 7/ 126، وحاشية ابن عابدين 5/ 734، والمدونة 3/ 196، وتحفة المحتاج 6/ 298، ومغني المحتاج 2/ 397، وشرح منتهى الإرادات 4/ 398، وكشاف القناع 10/ 125.

[18] الإفصاح 2/ 356- 358.

[19] المبسوط 12/ 74.

[20] تحفة المحتاج 6/ 303، ونهاية المحتاج 5/ 411- 412.

[21] شرح منتهى الإرادات 4/ 402، وكشاف القناع 10/ 136.

[22] الشرح الصغير 2/ 313، وحاشية الدسوقي 4/ 98- 99.

[23] الإفصاح 2/ 370.

[24] فتح القدير 7/ 141، وحاشية ابن عابدين 5/ 748- 749، والشرح الصغير 2/ 313، وحاشية الدسوقي 4/ 99، وتحفة المحتاج 6/ 304- 305، ونهاية المحتاج 5/ 413، وشرح منتهى الإرادات 4/ 400، وكشاف القناع 10/ 129- 130.

[25] الإفصاح 2/ 372.

[26] البخاري (2583 و2584).

[27] فتح الباري 5/ 209- 210.

[28] البخاري (2598).

[29] كذا في الأصل، وفي الفتح: ((وعد)).

[30] شرح صحيح البخاري 7/ 115.

[31] فتح القدير 7/ 113- 114، وحاشية ابن عابدين 5/ 729- 730، وتحفة المحتاج 6/ 298- 305، ونهاية المحتاج 5/ 406- 414، وشرح منتهى الإرادات 4/ 394- 395، وكشاف القناع 10/ 122.

[32] شرح صحيح البخاري 7/ 116- 117.

[33] شرح منح الجليل 4/ 89- 90.

[34] شرح منتهى الإرادات 4/ 397- 398، وكشاف القناع 10/ 128- 129.

[35] أحمد 6/ 404، الطبراني 25/ 81 (205). وأخرجه أيضًا ابن حبان 11/ 515 (5114)، عن مسلم بن خالد، عن موسى بن عقبة، عن أبيه (وعند ابن حبان: أمه)، عن أم كلثوم بنت أبي سلمة، به.

قال الهيثمي في المجمع 4/ 147- 148: رواه أحمد والطبراني وفيه: مسلم بن خالد الزنجي، وثَّقه ابن معين وغيره، وضعَّفه جماعة، وأم موسى بن عقبة: لا أعرفها، ومسلم بن خالد الزنجي وثَّقة ابن معين وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح.

وقال الألباني في الإرواء 6/ 62: هذا سندٌ ضعيفٌ، مسلم بن خالد هو المخزومي، وهو صدوق كثير الأوهام كما في التقريب، وعقبة والد موسى، أو أمه لم أعرفهما.

[36] البخاري (2598).

[37] فتح الباري 5/ 222.

[38] البخاري (2599).

[39] شرح صحيح البخاري 7/ 116.

[40] فتح القدير 7/ 113- 114، وحاشية ابن عابدين 5/ 729- 730، وتحفة المحتاج 6/ 298- 305، ونهاية المحتاج 5/ 406- 414، وشرح منتهى الإرادات 4/ 394- 395، وكشاف القناع 10/ 122.

[41] المهذب 1/ 583.

[42] المحلى 9/ 120.

[43] شرح منتهى الإرادات 4/ 394- 395 و401، وكشاف القناع 10/ 117 و135.

[44] الشرح الصغير 2/ 313- 315، وشرح مختصر خليل للخرشي 7/ 105.

[45] فتح الباري 5/ 223.

[46] البخاري قبل الحديث (2600).

[47] شرح صحيح البخاري 7/ 118.

[48] تحفة المحتاج 6/ 299، ونهاية المحتاج 5/ 407.

[49] كذا في الأصل، وفي الفتح: ((إطلاق)).

[50] كذا في الأصل، وفي الفتح: ((وجهًا)).

[51] تحفة المحتاج 6/ 300، ونهاية المحتاج 5/ 408.

[52] البخاري (2600).

[53] فتح الباري 5/ 223.

[54] البخاري قبل الحديث (2601).

[55] شرح صحيح البخاري 7/ 119.

[56] الشرح الصغير 2/ 313، وحاشية الدسوقي 4/ 99.

[57] تحفة المحتاج 6/ 304- 305، ونهاية المحتاج 5/ 413.

[58] ابن أبي شيبة 7/ 76.

[59] البخاري (2601).

[60] فتح الباري 5/ 224.

[61] البخاري (2602).

[62] شرح صحيح البخاري 7/ 120.

[63] شرح مختصر خليل للخرشي 5/ 239، وحاشية الدسوقي 3/ 235، وتحفة المحتاج 6/ 305- 306، ومغني المحتاج 2/ 399- 400، وشرح منتهى الإرادات 4/ 401، وكشاف القناع 10/ 133.

[64] شرح صحيح البخاري 7/ 120.

[65] فتح الباري 7/ 225.

[66] البخاري (2603).

[67] البخاري (2605).

[68] البخاري (2606).

[69] انظر: تحفة المحتاج 6/ 305- 306، ونهاية المحتاج 5/ 414.

[70] شرح مختصر خليل للخرشي 5/ 239، وحاشية الدسوقي 3/ 235، وتحفة المحتاج 6/ 305- 306، ومغني المحتاج 2/ 399- 400، وشرح منتهى الإرادات 4/ 401، وكشاف القناع 10/ 133.

[71] فتح القدير 7/ 121- 122، وحاشية ابن عابدين 5/ 730- 732.

[72] فتح الباري 5/ 226.

[73] البخاري (2607- 2608).

[74] فتح الباري 5/ 227.

[75] البخاري (2611).

[76] فتح الباري 5/ 228.

[77] شرح منتهى الإرادات 4/ 395- 396، وكشاف القناع 10/ 117- 118.

[78] فتح القدير 2/ 479- 480، وحاشية ابن عابدين 3/ 164- 165.

[79] الاختيارات الفقهية ص183.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة