اشترط جمهور العلماء لصحة البيع شروطاً منها: معرفة الثمن، فإن باع ولم يسم الثمن فلا يصح عندهم، لكن ابن تيمية - رحمه الله - لم يسلّم بذلك وخالفهم هنا.

اختيار ابن تيمية:

اختار شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - جواز البيع من دون تسمية الثمن خلافاً للمشهور من مذهب الحنابلة [1].

أقوال العلماء في المسألة:

القول الأول:

أنه لا يصح، وهو قول جمهور العلماء من الحنفية [2]، والمالكية [3]، والشافعية [4]، والحنابلة [5].

القول الثاني:

يصح البيع من دون تسمية الثمن، وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم[6]، وهو قياس منصوص أحمد كما ذكر ابن تيمية [7].

أدلة القول الأول:

وهم القائلون بعدم صحة البيع إذا لم يذكر فيه الثمن.

ويستدلون بعموم النصوص السابقة الدالة على النهي عن بيوع الغرر عامة، وهذا منها لوجود الجهالة المفضية للنزاع.

ونوقش:

1- بأنه في هذه الحال يرد العوض إلى عوض المثل لا وكس ولا شطط، وهذا يرضي الطرفين، فلا منازعة ولا جدال بين الطرفين.

2- أن الغرر المنهي عنه هو المبيع الذي نفسه غرر كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها، والبيع في حال عدم معرفة الثمن لا يسمى غرراً، ولذا لا يقال للمال في الصندوق الذي لا يعرف عدده أنه غرر [8].

3- ثم إنهم اشترطوا ذكر الثمن في البيع مع أن الله في كتابه لم يشترطه، ولم يشترطوه في النكاح مع أن الله نص عليه في كتابه وهذا تناقض.

أدلة القول الثاني:

أولاً: من الكتاب:

عموم النصوص السابقة الدالة على إباحة البيع إذا كان عن تراضٍ، وهذا بيع صحيح عن تراض منهما، وجهالة الثمن لا تضر فيردان إلى عوض المثل، وإن حصل غبن فللمغبون الخيار.

ثانياً: من السنة:

قال ابن تيمية: بل قد ثبت في الصحيح أنه اشترى من عمر بعيره، ووهبه لعبد الله بن عمر ولم يقدر ثمنه [9]، وهب أنهما لم يرضيا بثمن مقدر: فهما على اختيارهما إن تراضيا بثمن مقدر وإلا ترادا السلعة ا.هـ. [10].

ثالثاً: من الإجماع:

وقد حكى ابن تيمية الإجماع العملي من المسلمين بالبيع والشراء من غير تقدير الثمن في مثل صورة بيع الخبز واللحم ونحوها [11] وكذلك حكاه ابن القيم [12].

رابعاً: من القياس والمعنى:

1- القياس على النكاح حيث يجوز بلا تحديد مهر، ويرد لمهر المثل، فكذلك البيع من باب أولى؛ لأن النكاح منصوص فيه على العوض في القرآن ومع ذلك صح بدون تسميته، والبيع لم ينص على عوضه في القرآن فهو أحرى بالجواز [13].

فإن قيل: العوض في النكاح دخيل غير مقصود. فقد أجاب ابن القيم بأنه مقصود، تنكح عليه المرأة، وترد بالعيب وتطالب به، وتمنع نفسها قبل قبضه.

2- القياس على العتق فيما لو قال: أعتق عبدك وعليّ ثمنه، ولم يقدر ثمناً، فهذا جائز، فكذلك البيع [14].

3- القياس على الشفعة، فكما أنه يجوز له الأخذ بالشفعة بالثمن الذي تعاقدا عليه قبل علمه بمقداره، فكذلك هنا [15].

4- القياس على الوكالة، فكما أنه يجوز توكيله في البيع والشراء وإن لم يعلم الثمن ومقداره، فكذلك في البيع هنا إذا باشره بنفسه، بل هو أولى بالجواز، فإذا جاز بوكيله فمن باب أولى بنفسه [16].

الترجيح:

والراجح - والله أعلم - هو القول الثاني:

• لقوة أدلته، وسلامتها من الاعتراض والتناقض.

• ولضعف أدلة المخالفين وقوة الإجابة عنها.

ومما يبين تناقض القائلين بالمنع اضطرارهم لوضع حيل لتسويغ هذه المعاملة، وهكذا الخلق ما وقعوا في خطأ بتقصير في اجتهاد ونحوه إلا وجرّهم لخطأ آخر، فلما أغلقوا الباب الحلال وحرموه، اضطروا للتحايل عليه فوقعوا في الحرام، كما أشار إلى ذلك ابن تيمية وابن القيم [17].

قال ابن القيم رداً على المانعين: والمحرومون لا يكادون يخلصون منه، فإن الرجل يعامل اللحام والخباز، ويأخذ كل يوم ما يحتاج إليه من أحدهم من غير تقدير ثمن المثل الذي ينقطع به، وكذلك جرايات الفقهاء وغيرها، فحاجة الناس إلى هذه المسألة تجري مجرى الضرورة، وما كان هكذا لا يجيء الشرع بالمنع منه البتة، كيف وقد جاء بجوازه في العقد الذي الوفاء بموجبه أوكد من غيره من العقود وهو النكاح ا. هـ.

وقال: وكذلك البيع والشراء بالسعر لم يزل واقعاً في الإسلام، حتى إن من أنكره لا يجد منه بداً، فإنه يأخذ من اللحام والخباز وغيرهما كل يوم ما يحتاج إليه من غير أن يساومه ا.هـ. [18].

وتظهر ثمرة الخلاف في الضمان إذا تلف، فهو على القول الأول كالمقبوض على وجه السوم فلا ضمان عليه، وعلى القول الثاني العقد صحيح وهو مالك ضامن [19].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر: بدائع الفوائد: (4/50)، الاختيارات: (122)، الإنصاف: (4/309)، حاشية ابن قاسم: (4/362)، المستدرك: (4/8).

[2] انظر: شرح فتح القدير: (6/260)، حاشية ابن عابدين: (4/563)، شرح العناية: (6/260)، البحر الرائق: (5/294).

[3] انظر: المقدمات الممهدات: (2/64)، حاشية الدسوقي: (3/14)، مواهب الجليل: (4/276)، قوانين الأحكام الشرعية: (249)، البيان والتحصيل: (7/431)، الغرر وأثره في العقود: (256).

[4] انظر: الوسيط: (3/33)، المجموع: (9/375، 398، 404)، روضة الطالبين: (3/360-365)، مغني المحتاج: (2/22)، نهاية المحتاج: (3/405).

[5] انظر: بدائع الفوائد: (4/50)، الفروع: (4/30)، الشرح الكبير: (2/330)، الإنصاف: (4/309)، دقائق أولي النهى: (2/151-152)، كشاف القناع: (3/174).

[6] انظر: بدائع الفوائد: (4/50).

[7] انظر: نظرية العقد: (155-156، 160).

[8] انظر: نظرية العقد: (155، 207).

[9] سبق تخريجه ص: (182).

[10] نظرية العقد: (155).

[11] انظر: نظرية العقد: (155).

[12] انظر: بدائع الفوائد: (4/50، 75).

[13] انظر: نظرية العقد: (155، 160)، مجموع الفتاوى: (29/344)، بدائع الفوائد: (4/51، 75).

[14] انظر: النكت على المحرر: (1/301)، مجموع الفتاوى: (29/520)، نظرية العقد: (160، 161).

[15] انظر: نظرية العقد: (205)، النكت على المحرر: (1/301).

[16] انظر: نظرية العقد: (205).

[17] انظر: إعلام الموقعين: (4/6).

[18] انظر: بدائع الفوائد: (4/51، 75).

[19] انظر: بدائع الفوائد: (4/51).

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة