عندما يتخاصم الكبار
عدد القراءات : 59

الخطبة الأولى:

الحَمْدُ للهِ الغَنِيِّ الكَرِيمِ، الْغَفُورِ الرَّحِيمِ، أَصَابَ عِبَادَهُ بِالخَيرِ وَالسَّرَّاءِ، وَدَفَعَ عَنْهُمُ البَلَاءَ وَالضَّرَّاءَ، وَجَعَلَهُمْ فِي دَارِ امْتِحَانٍ وَابْتِلَاءٍ؛ لِيَجِدُوا مَا عَمِلُوا يَوْمَ الجَزَاءِ، (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة: 7- 8].

نَحْمَدُهُ عَلَى نِعَمِهِ وَآلَائِهِ، وَنَشْكُرُهُ عَلَى فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ؛ فَنِعَمُهُ عَلَينَا مُتَتَابِعَةٌ، وَعَافِيَتُهُ فِينَا دَائِمَةٌ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ خَلَقَ الْخَلْقَ فَدَبَّرَهُمْ، وَغَلَبَتْ قُدْرَتُهُ سُبْحَانَهُ قُدْرَتَهُمْ؛ لَا خُرُوجَ لَهُمْ عَنْ أَمْرِهِ، وَلَا حِيلَةَ لَهُمْ أَمَامَ قَدَرِهِ، (وَكَانَ أَمْرُ الله قَدَرًا مَقْدُورًا) [الأحزاب: 38].

وَأَشْهَدُ أَنْ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ أَرْأَفُ الْأُمَّةِ بِالْأُمَّةِ، وَأَنْصَحُهُمْ لَهَا، وَأَصْدَقُهُمْ مَعَهَا، وَأَعْلَمُهُمْ بِمَا يُصْلِحُهَا، لَا خَيرَ إِلَّا دَلَّنَا عَلَيهِ، وَلَا شَرّ إِلَّا حَذَّرَنَا مِنْهُ، تَرَكَنَا عَلَى بَيْضَاءَ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَأَتْبَاعِهِ إِلَى يَومِ الدِّينِ.

أما بعد:

قالَ رَبِيعةُ الأسلميّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: كُنتُ أَخدُمُ رسولَ اللهِ -صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فأَعطاني أرضًا، وأعطى أبا بكرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أرضًا، وجاءتِ الدُّنيَا فاختَلَفْنَا في عِذْقِ نَخْلَةٍ، فقال أبو بكرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: هِيَ في حَدِّ أَرضِي، وقُلتُ أنا: هِيَ في حَدِّي، فتَنَازَعْنَا، وكانَ بينِي وبينَ أبي بكرٍ كلامٌ، فقال لي أبو بكرٍ كلمةً كَرِهْتُهَا، ونَدِمَ؛ فقال لي: يا ربيعةُ، رُدَّ عَلَيَّ مِثلَها حَتَّى يَكُونَ قِصَاصًا، قُلتُ: لا أَفعلُ، فقال أبو بكرٍ: لتَقُولَنَّ، أَو لأَسْتَعْدِيَنَّ عَلَيكَ رسولَ اللهِ -صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أيْ لأَشكُوَنَّكَ إليهِ لِيُنصِفَني منكَ-، قُلتُ: ما أَنَا بفَاعِلٍ، قال: ورَفَضَ الأَرضَ -أيْ: ضَرَبَهَا برِجلِهِ-.

فانطَلَقَ أبو بكرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- إلى النَّبِيّ -صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فانطلقتُ أَتْلُوهُ -أيْ: أتبعُهُ-، فجاءَ أُنَاسٌ مِن أَسْلَمَ- أيْ: قَبيلةُ أَسلمَ، وهُم قومُ ربيعةَ-، فقالُوا: رَحِمَ اللهُ أبا بكرٍ، في أَيِّ شيءٍ يَسْتَعْدِي عليكَ رَسُولَ اللهِ، وهُوَ الَّذِي قال لَكَ مَا قَالَ؟ فقُلتُ: أَتَدْرُونَ مَن هَذَا؟ هذا أبو بكرٍ الصّدّيقُ، وهُو ثاني اثنينِ، وهُو ذُو شَيْبَةِ المُسلِمِينَ، فإِيَّاكُم يَلتَفِتُ فيَرَاكُم تَنصُرُونِي عَلَيهِ، فيَغضَبُ، فيَأتِي رسولَ اللهِ -صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فيُخْبِرُهُ، فيَغضَبُ لغَضَبِهِ، فيَغضَبُ اللهُ لغَضَبِهِمَا؛ فيَهلَكُ رَبِيعَةُ، قَالُوا: فَمَا تَأمُرُنا؟ قال: ارجِعُوا.

فانطلقَ أبو بكرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- إلى رسولِ اللهِ -صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وتَبعتُهُ وَحدِي، وجَعلتُ أَتلُوهُ؛ حَتَّى أَتَى النَّبيَّ -صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فحَدَّثَهُ الحَدِيثَ كَمَا كَانَ، فرَفعَ إليَّ رَأسَهُ، فقالَ: ((يَا ربيعةُ، مَا لَكَ وللصّدّيقِ؟)) قلتُ: يا رسولَ اللهِ، كانَ كذا، وكانَ كذا، فقالَ لي كلمةً كرِهتُها، فقالَ لي: قُل كما قُلتُ لك حتَّى يكون قِصَاصًا، فَأَبَيتُ؟ فقال رسولُ اللهِ: ((أَجَل، فلا تَرُدَّ عَلَيهِ، لاَ تَقُلْ لَهُ كَمَا قَالَ، ولكِن قُل: غَفَرَ اللهُ لك يا أبا بكرٍ)) فقُلتُ: غَفَرَ اللهُ لك يا أبا بكرٍ، قالَ: فوَلَّى أبُو بكرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وهُو يَبكِي.

أيُّها الأحبةُ:

عندما يكونُ الحديثُ عن الصَّحابةِ الكرامِ، فهو حديثٌ عمَّن زكَّاهم ورضيَ عنهم القُدُّوسُ السَّلامُ، حينَ قالَ سبحانَه: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: 100].

هو حديثٌ عن البَشريَّةِ في أسمى صفاتِها، وأعلى أخلاقِها، فهم بشرٌ يُخطِئونَ ويتخاصمونَ ويتخالفونَ وليسوا بمعصومينَ، ولكن كيفَ يتعاملونَ مع الخطأِ بعدَ وُقوعِه؟ وكيفَ يتجاوزونَ الخِلافَ بعدَ نُشوبِه؟

فها هو ربيعةُ يُحَدِّدُ السببَ في النِّزاعِ الذي وقع بينَه وبينَ الصِّديقِ -رضي اللهُ عنهما- بقولِه: "وجاءتِ الدّنيَا، فاختَلَفْنَا في عِذْقِ نَخْلَةٍ" وهذا التَّشخيصُ الدَّقيقُ في أن السببَ هو "مجيءُ الدُّنيا" يُعينُ كثيراً على تَجاوزِ الخِلافِ والاعتذارِ منه والصَّفحِ عن المُخطئ فيه، حتى يُصبحَ الخِصامُ ذِكرى في ماضي الذِّكرياتِ، ودرسٌ فيه الكثيرُ من الدُّروسِ والعِظاتِ، فكم أهلكتْ هذه الدُّنيا من شَحيحٍ، وكم أمرضَ حُبُّها من صحيحٍ، كم قُطَعتْ بسببِها من أرحامٍ، وكم أثقَلتْ الموازينَ بالآثامِ، فرَّقتْ بينَ الرَّجلِ وأبيه، وخالفتْ بين الأخِ وأخيه، من اهتَمَّ بها ضرَّتُه في دُنياه: ((مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ، جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ"، ومن تعلَّقَ بها أوبقتْ عليه أُخراه)) ((يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا، وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا، وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا)).

لقد استفادَ الصَّحابةُ -رضيَ اللهُ عنهم- من درسِ النَّبيِّ العظيمِ حينَ قالَ لهم: ((فَوَ اللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ)) فعرفوا متى تأتي الدُّنيا، وماذا تُريدُ؟، وكيفَ يتصرفونَ معها؟، وهذه القِصَّةُ خيرُ مِثالٍ،على ثباتِ رجالٍ كرسوخِ الجِبالِ.

ثُمَّ اسمعوا إلى قولِ ربيعةَ -رضيَ اللهُ عنه-: "وكانَ بينِي وبينَ أبي بكرٍ كلامٌ، فقال لي أبو بكرٍ كلمةً كَرِهْتُهَا، ونَدِمَ"، فهل تعجبونَ من تلكَ الكَلمةِ التي كتمَها ربيعةُ ولم يَذكرْها، ليُثبتَ أنها نُسيَتْ ولم يبقَ لها أثرٌ؟ أم تعجبونَ من سِرعةِ ندمِ أبي بكرٍ الصِّديقِ -رضيَ اللهُ عنه- على كلمةٍ كَرِهها صاحبُه؟ إنها الأخلاقُ الرَّفيعةُ والنَّفوسُ الكِبارُ، إنه الخطأُ الذي لا يسلمُ منه بشرٌ ولكنْ بعدَه نَدمٌ سريعٌ فاعتذارٌ.

إنها الأُخوَّةُ التي لا تؤثرُ فيها كلمةُ غضبٍ، ولا تُزحزِحها ساعةُ عَتبٍ، كلمةٌ طواها ربيعةُ، ونَدِمَ عليها أبو بكرٍ، ثُمَّ قال: يا ربيعةُ، رُدّ عَلَيَّ مِثلَها حَتَّى يَكُون قِصَاصًا، اللهُ أكبرُ، إنه الخوفُ من الآخرةِ وطلبُ القِصاصُ في الدُّنيا، واستحضارٌ لقولِه -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ-: ((مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَلَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ)).

فما كانَ من ربيعةَ إلا أن قالَ: لا أَفعلُ، وأحسنْتَ واللهِ يا ربيعةُ، فمن ذا الذي يستطيعُ أن يتعدَّى على أبي بكرٍ -رضيَ اللهُ عنه- ولو كانَ قِصاصاً، من يتَجرأُ على قولِ كلمةٍ له وهو يعرفُ فضلَه وسابقتَه وحُبَّ رسولِ اللهِ -صلى اللهُ عليه وسلمَ- له الذي قالَ عنه: ((إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقَ، وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي)).

فقال أبو بكرٍ: لتَقُولَنَّ، أَو لأَسْتَعْدِيَنَّ عَلَيكَ رسولَ اللهِ -صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قُلتُ: ما أَنَا بفَاعِلٍ، قال: ورَفَضَ الأَرضَ، فانطَلَقَ أبو بكرٍ -رضيَ اللهُ عنه- إلى النَّبيِّ -صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

عجباً لهذا الرَّجلِ الذي يغضبُ ويضربُ الأرضَ برجلِه لأن صاحبَه لم يردَّ عليه الكَلمةَ التي قالَها، بل ويذهبُ إلى رسولِ اللهِ -صلى اللهُ عليه وسلمَ- ليشتكيَ نفسَه أنه أخطأَ، ويشتكيَ صاحبَه أنه لم يقتصَّ منه حينَ طلبَ منه ذلك، فهل رأيتُم شكوى لغرضِ الصُّلحِ؟ قلوبٌ بيضاءُ اعتادتْ على تصفيَّةِ النُّفوسِ، وتسويةِ الخلافِ قبلَ أن يتفاقمَ ويجدَّ الشَّيطانُ فيه مدخلاً.

قالَ ربيعةُ -رضيَ اللهُ عنه-: "فانطلقتُ أَتْلُوهُ -أيْ: أتبعُهُ-، فجاءَ أُنَاسٌ مِن أَسْلَم -أيْ: قَبيلةُ أَسلمَ، وهُم قومُ ربيعةَ- فقالُوا: رَحِمَ اللهُ أبا بكرٍ، في أَيِّ شيءٍ يَسْتَعْدِي عليكَ رَسُولَ اللهِ، وهُوَ الَّذِي قال لَكَ مَا قَالَ؟ فقُلتُ: أَتَدْرُونَ مَن هَذَا؟، هذا أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، وهُو ثاني اثنينِ، وهُو ذُو شَيْبَةِ المُسلِمِينَ، فإِيَّاكُم يَلتَفِتُ فيَرَاكُم تَنصُرُونِي عَلَيهِ، فيَغضَبُ، فيَأتِي رسولَ اللهِ -صلى اللهُ عليه وسلمَ-، فيُخْبِرُهُ، فيَغضَبُ لغَضَبِهِ، فيَغضَبُ اللهُ لغَضَبِهِمَا؛ فيَهلَكُ رَبِيعَةُ، قَالُوا: فَمَا تَأمُرُنا؟ قال: "ارجِعُوا".

كثيرٌ هم الذينَ يُسعِّرونَ نارَ الخِلافِ، ويلقونَ فيها الحطبَ لتزدادَ، وينفخونَ فيها ليكثرَ دُخانُها، بل بعضُهم يأتي في طابعِ النَّصيحةِ، كما قالَ هؤلاءِ لربيعةَ: رَحِمَ اللهُ أبا بكرٍ، في أَيِّ شيءٍ يَسْتَعْدِي عليكَ رَسُولَ اللهِ، وهُوَ الَّذِي قال لَكَ مَا قَالَ؟،، ولكنَّهم لم يجدوا الأُذنَ الصَّاغيةَ، ولم يجدوا النَّفسَ الحاقِدةَ، بل وجدوا المُسلمَ الذي يغفرُ لأخيه المُسلمِ، ووجدوا من يعرفُ لأهلِ القَدرِ قَدرَهم، ولا تنسيه كلمةٌ عظيمَ فضلِهم، ووجدوا المؤمنَ الذي يحبُّ من يحبُّه اللهُ تعالى ورسولُه -صلى اللهُ عليه وسلمَ-، ويخافُ من غضِبِ اللهُ -عزَّ وجلَّ-، جاءَ في الحديثِ: ((إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ)) ومن خيرٌ من أبي بكرٍ -رضيَ اللهُ عنه-؟

يقولُ حسَّانُ بنُ ثابتٍ -رضيَ اللهُ عنه-:

إذَا تَذَكَّرْتَ شَجْوًا مِنْ أَخِي ثِقَةٍ *** فَاذْكُرْ أَخَاكَ أَبَا بَكْرٍ بِمَا فَعَلا

خَيْرَ الْبَرِيَّةِ أَتْقَاهَا وَأَعْدَلَهَا *** بَعْدَ النَّبِيِّ وَأَوْفَاهَا بِمَا حَمَلا

الثَّانِيَ التَّالِيَ الْمَحْمُودُ مَشْهَدُهُ *** وَأَوَّلُ النَّاسِ مِنْهُمْ صَدَّقَ الرُّسُلا

وهكذا يا عبادَ اللهِ يتعاملُ أهلُ الصَّلاحِ مع زلةِ أهلِ الفضلِ والعلمِ، الذينَ لهم سيرةٌ طيِّبةٌ، وتاريخٌ مُشرِّفٌ.

سامحْ أخاكَ إذا خَلَطْ*** منه الإِصَابةَ بالغَلَطْ

مَنْ ذَا الذي ما سَاءَ قَطْ*** ومَنْ له الحُسْنَى فَقَطْ

باركَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيمِ، ونفعني وإياكم بالآياتِ والذِّكرِ الحكيمِ، أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم، ولسائرِ المسلمينَ من كل ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفورُ الرَّحيمُ.

الخطبة الثانية:

الحمدُ للهِ العليِّ القَديرِ، أبدعَ الخلقَ وأحكمَ التدبيرَ، سبحانه وبحمدِه غَافِرُ الذَّنْبِ وَقَابِلُ التَّوْبِ شَدِيدُ الْعِقَابِ ذو الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ، أحمدُه سبحانَه وأشكرُه على فضلِه العميمِ وخيرِه الوَفيرِ.

وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، له المُلكُ وله الحمدُ يُحيِي ويُميتُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٍ، وأشهدُ أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه البشيرُ النَّذيرُ والسِّراجُ المُنيرُ، صلَّى اللهُ وسلَّمَ وبارَكَ عليه، وعلى آلهِ وأزواجِه وأصحابِه والتَّابعينَ، ومن تبِعَهم بإحسانٍ وعلى طريقِ الحقِّ يسيرُ، وسلَّمَ التَّسليمَ الكثيرَ.

أما بعد:

قالَ ربيعةُ -رضيَ اللهُ عنه-: فانطلقَ أبو بكرٍ -رضيَ اللهُ عنه- إلى رسولِ اللهِ -صلى اللهُ عليه وسلمَ-، وتَبعتُهُ وَحدِي، وجَعلتُ أَتلُوهُ؛ حَتَّى أَتَى النَّبيَّ -صلى اللهُ عليه وسلمَ-، فحَدَّثَهُ الحَدِيثَ كَمَا كَانَ، فها هو ربيعةُ يشهدُ أن أبا بكرٍ -رضيَ اللهُ عنه- يُحدِّثُ النَّبيَّ -صلى اللهُ عليه وسلمَ- بالحديثِ كما كانَ، حتى ذكرَ له الكَلمةَ التي قالَها وكَرِهَها ربيعةُ، وإذا كانَ اللهُ تعالى يقولُ: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) [الأنعام: 152]، فها هو أبو بكرٍ يعدلُ حتى على نفسِه.

قالَ ربيعةُ: فرَفعَ إليَّ رَأسَهُ، فقالَ: "يَا ربيعةُ، مَا لَكَ وللصِّدِّيقِ؟"، اللهُ أكبرُ، ألم أقلْ لكم إن للصِّدِّيقِ مكانةً عندَ رسولِ اللهِ -صلى اللهُ عليه وسلمَ-، قالَ: يا رسولَ اللهِ، كانَ كذا، وكانَ كذا، فقالَ لي كلمةً كرِهتُها، فقالَ لي: قُل كما قُلتُ لك حتَّى يكون قِصَاصًا، فَأَبَيتُ؟ فقال رسولُ اللهِ: "أَجَل، فلا تَرُدَّ عَلَيهِ، لاَ تَقُلْ لَهُ كَمَا قَالَ، ولكِن قُل: غَفَرَ اللهُ لك يا أبا بكرٍ"، فقُلتُ: غَفَرَ اللهُ لك يا أبا بكرٍ، قالَ: فوَلَّى أبُو بكرٍ -رضيَ اللهُ عنه- وهُو يَبكِي.

لا إلهَ إلا اللهُ، نِعْمَ الحكمُ ونِعْمَ الخصمانِ، قضيةُ خِصامِ استمرتْ دقائقَ معدودةً، فذهبُ العِتابُ، وتصالحَ الأحبابُ، التزموا فيها بمكارمِ الآدابِ، تجاوزا أسبابِ الفُرقةِ والشَّقاقِ، فبدأتْ بكلمةٍ وانتهتْ بدعاءٍ ووِفاقٍ.

وأما بكاءُ أبي بكرٍ -رضيَ اللهُ عنه- ثُمَّ ذهابُه، فلا أعلمُ هل هو بكاءُ النَّدمِ، وكلمةٌ واحدةٌ سببتْ كلَّ ذلكَ الألمِ، أم هو بُكاءُ الحياءِ، أن يراهُ الحبيبُ في موقفِ الاعتداءِ، أم هو بكاءُ الفرحةِ والسُّرورِ، أن سامحَه صاحبُه ودعا له أن يتجاوزَ عنه الغفورُ، وهنا تعلمُ سرَّ قولِه -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ-: ((لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ)).

اللهم لك أسلمنا، وبك آمنا، وعليك توكلنا، وإليك أنَبْنَا، وبك خَاصَمْنَا، اللهم إنا نعوذُ بِعِزَّتِكَ لا إله إلا أنتَ أن تُضِلَّنا، أنت الحيُّ الذي لا يموتُ، والجِنُّ والأنسُ يموتونَ.

اللهم إنا نَعوذُ بكَ من جَهْدِ البَلاءِ، ودَرَكِ الشَّقَاءِ، وسُوءِ القَضَاءِ، وشَمَاتَةِ الأعداء.

اللهم إنا نعوذُ بك من العَجْزِ والكسلِ والجُبْنِ والبُخْلِ والهَمَّ وعذابِ القبر.

اللهم آتِ نفوسَنَا تَقْوها، وزَكَّها أنت خيرُ من زَكَّاها، أنت وليُّها ومَوْلاها، اللهم إنا نعوذُ بك من عِلْمٍ لا ينفعُ، ومن قلبٍ لا يخشعُ، ومن نفسٍ لا تشبعُ، ومن دعوةٍ لا يُسْتَجَابُ لها.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة