مجـالات إعمال البصمة الوراثية
عدد القراءات : 86

أولاً- على الرغم من اعتبار نتائج البصمة الوراثية قطعية الدلالة، فلا يعمل بها في قضايا النسب إذا تعارضت مع نص من الكتاب أو السنة أو مع الإجماع الثابت؛ ذلك أن للشريعة مقاصد صحيحة في قضايا النسب، فقد أهدرت النسب في واقعة الزنى، حتى لو أكدت جميع الدلائل أن الولد متخلق من ماء الزاني، فإن النسب لا يثبت [1]؛ لأن النسب نعمة، والزنى نقمة، فلا يستحق صاحبه النعمة [2].

ولهذا أجمع الفقهاء على أن الفراش الصحيح هو الأصل الشرعي المقرر في إثبات النسب، فلا يعارض بشبه ولا إقرار، ولا يعمل معه بقيافة أو نحوها؛ لأن الفراش أقوى دليل على ثبوت النسب، اعتباراً بقوله -صلى الله عليه وسلم- : ((الولد للفراش)) [3] يقول ابن القيم: "نقول نحن وسائر الناس: إن الفراش الصحيح إذا كان قائماً فلا يعارض بقيافة ولا شبه" [4]؛ لأن الشريعة متشوفة إلى الستر بين الناس، والحفاظ على تماسك الأسر، تشوفها إلى اتصال الأنساب وعدم انقطاعها، فلا يجوز - مع استقرار العلاقة الزوجية - طلب الفحص الطبي للتأكد من النسب؛ لأن ذلك يؤدي إلى عدم الاستقرار في المجتمع، وإنه منهي عنه بقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) [المائدة: 101][5] فقد أخرج البخاري حديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: "سئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أشياء كرهها، فلما أكثروا عليه المسألة غضب وقال: سلوني. فقام رجل فقال: يا رسول الله من أبي؟ قال: أبوك حذافة. ثم قام آخر فقال: يا رسول الله من أبي؟ قال: أبوك سالم مولى شيبة. فلما رأى عمر -رضي الله عنه- ما بوجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الغضب قال: إنا نتوب إلى الله عز وجل" [6]

كما أخرج حديث أنس رضي الله عنه : "فقال رجل: من أبي؟ قال: فلان، فنزلت هذه الآية" [7] يقول الرازي الجصاص تعليقاً على ذلك [8]: "فأما عبدالله بن حذافة فقد كان نسبه من حذافة ثابتاً بالفراش، فلم يحتج إلى معرفة حقيقة كونه من ماء من هو منه، ولأنه كان لا يأمن أن يكون من ماء غيره، فيكشف عن أمر قد ستره الله تعالى ويهتك أمه ويشين نفسه بلا طائل ولا فائدة له فيه، لأن نسبه حينئذ مع كونه من ماء غيره ثابت من حذافة، لأنه صاحب الفراش، فلهذا كان من الأسئلة التي كان ضرر الجواب عنها عليه كان كثيراً لو صادف غير الظاهر، فكان منهياً عنه" [9].

ومجمل القول: أن نتائج البصمة الوراثية إذا عارضت فراش الزوجية الصحيح - كما سبق تحديده - فإنه يعمل بقرينة الفراش، وتهدر قرينة البصمة الوراثية. وهذا ما أخذت به المحاكم في المملكة؛ ففي صك شرعي صادر من المحكمة الكبرى بجدة في سنة 1414هـ ورد ما يلي: ".. وحيث إن الإسلام يتشوف إلى ثبوت النسب، وحيث إن الفحوص الوراثية غير معصومة من الخطأ، والأصل إثبات النسب، وإمكانية إثبات النسب في هذه القضية واردة، بل هي الأقوى؛ لوجود عقد النكاح، والدخول، والجماع لعدة مرات، ووضع الحمل بعد تسعة أشهر من الجماع، كل ذلك يؤكد إثبات النسب" وتأكد هذا النظر بقرار محكمة التمييز في 1417هـ، ومما جاء فيه: "إفهام المدعى عليه بأن حكم الله ورسوله: أن الولد للفراش، فما دام أن المدعية زوجة، ومدخول بها، وقد جامعها المدعى عليه، لم يبق مجال للتشكيك في الولد" [10].

ثانياً- في غير حالات النسب الثابت المستقر، إذا وجد نزاع بشأن تردد نسب مولود بين شخصين، فيمكن الالتجاء إلى فحوص البصمة الوراثية:

أ) فتقبل نتائج فحوص البصمة الوراثية في جميع الحالات التي قبل فيها جمهور الفقهاء إثبات النسب بالقيافة؛ لأن مبنى القيافة اعتبار الشبه والتفرس بالنظر إلى بعض الأعضاء، ومبنى البصمة الوراثية النظر العلمي والفحص المختبري، وهذا يجعل منها دليلاً أقوى من القيافة، وهذا ما ورد في توصية ندوة الوراثة والهندسة الوراثية: "البصمة الوراثية من الناحية العملية وسيلة لا تكاد تخطئ في التحقق من الوالدية البيولوجية، والتحقق من الشخصية، ولا سيما في مجال الطب الشرعي، وهي ترقى إلى مستوى القرائن القوية التي يأخذ بها أكثر الفقهاء في غير قضايا الحدود الشرعية، وتمثل تطوراً عصرياً عظيماً في مجال القيافة الذي يذهب إليه جمهور الفقهاء في إثبات النسب المتنازع فيه، ولذلك ترى الندوة أن يؤخذ بها في كل ما يؤخذ فيه بالقيافة من باب أولى" [11].

ب) وتقبل نتائج البصمة الوراثية في تحديد أنساب الأشخاص الذين ماتوا أو قتلوا في ظروف غامضة، كالحروب والفتن، أو الحريق والغرق والهدم وحوادث الطرق وسقوط الطائرات .. ونحو ذلك.

ج) وتقبل نتائج البصمة الوراثية في إثبات النسب عند اختلاط المواليد في المستشفيات والحضانات، وفي حالات الاشتباه لدى أطفال الأنابيب ونحوهم.

د) وتقبل نتائج البصمة الوراثية في تحديد أم اللقيط أو المنبوذ، وعند التنازع في إلحاق مجهول النسب.

هـ) وتقبل نتائج البصمة الوراثية في إقناع الزوج الذي يعتزم إجراء اللعان لنفي ولده، وقد تم ذلك فعلاً في محكمة الرياض الكبرى، وزال الشك من نفس الزوج، كما زال الحرج عن الزوجة وأهلها [12].

و) ونرى - والله أعلم - أن نتائج البصمة الوراثية تقدم في إثبات النسب على الإقرار والاستلحاق عند التنازع، كما تقدم على الشهادة بإثبات النسب؛ ذلك أن كلاً من الإقرار والشهادة دليل ظني يحتمل الصدق والكذب والشك والارتياب، ويجرى عليه الوهم والنسيان، أما نتائج البصمة الوراثية فهي شبه مقطوع بها. وقد قرر الفقهاء أن الإقرار - إذا توافرت شروطه - لا يؤكد ثبوت النسب، فلو أقر رجل بأن هذا الطفل ابنه، وثبت انتسابه إليه، ثم ادعاه رجل آخر وأقام البينة على أنه ابنه، فإنه يقضى بثبوت نسب الطفل ممن أقام البينة، ويبطل نسبه من المقر [13]. ولا شك في أن الالتجاء إلى فحص البصمة الوراثية يحل هذا الإشكال؛ فيثبت النسب الحقيقي للولد.

ثالثاً- أثر البصمة الوراثية في تصحيح النسب:

1- يقصد بتصحيح النسب: الإجراء الذي تقوم به السلطة القضائية لإصلاح خطأ شاب نسب شخص برده إلى أصله الشرعي [14]. ويكثر هذا الخطأ في المجتمعات القبلية، حيث تتولى أسرة ميسورة تربية طفل من أسرة فقيرة، فينسبه رب الأسرة إليه لتيسير الإجراءات التعليمية والصحية للطفل، وبعدما يبلغ أشده ويظهر نبوغه ترفع أسرته الدعوى وتقيم البينة لتصحيح نسبه، أو يرفع هو الدعوى طالباً انتسابه إلى أسرته الحقيقية، ويلجأ القضاء - في مثل هذه الحالة - إلى طلب تقرير الفحص الوراثي، للتأكد من دعوى المدعي[15].

2- وقد ينسب مولود إلى شخص عن طريق الخطأ أو الغش ثم يظهر بعد ذلك أنه ليس أباه، فيفصل القاضي في الدعوى بناء على البينة، لتصحيح نسب المولود. والصواب أن يلجأ القاضي إلى طلب تحليل الحمض النووي؛ لأنه أقوى في الدلالة على صحة النسب، وقد ذكر الفقهاء أنه لو أقر رجل بأن هذا الطفل ابنه، وتوافرت شروط الإقرار بالنسب، ثبت نسب الطفل من المقر. فإذا ادعاه رجل آخر وأقام البينة على أن هذا الطفل ابنه، حكم القاضي بثبوت نسب الطفل ممن أقام البينة، ويبطل نسبه من المقر [16].

ونحن نرى أن تصحيح النسب في هذه الحالة ينبغي أن يبنى على نتائج فحص البصمة الوراثية، لأنها أقوى في الدلالة على صاحب الماء، ويتحقق بها سد الذريعة إلى التبني المنهي عنه شرعاً [17].

3- يحدث في مستشفيات الولادة أن ينسب المولود إلى شخص معين، ثم يتضح بعد ذلك وجود خطأ بشري في هذه النسبة [18]، وقد قضت إحدى المحاكم الفرنسية - في 20/ 4/ 1436هـ - بتغريم إحدى مستشفيات الولادة مبلغ 500 مليون يورو؛ كتعويض لإحدى الأسر نتيجة تسليمها ابنة غير ابنتها، وظلت تربيها أكثر من عشرين سنة إلى أن أثبتت فحوص D.N.A حقيقة النسب، ولتصحيح هذا الخطأ في النسبة طريق واحد هو الفحص المختبري، بناء على قرينة اختلاف فصائل الدم، أو نتيجة لتحليل بصمة الحمض النووي.

وشبيه بذلك ما قد يحدث من اختلاط الأطفال الخدج داخل الحضانات، أو ما قد يحدث من خطأ في صاحب النطفة في حالات أطفال الأنابيب، ونحو ذلك، فطريق تصحيح النسب هو تحليل البصمة الوراثية.

4- اختلف الفقهاء في الحالة التي يحكم فيها القائف بنسبة طفل إلى رجلين: فذهب الحنفية إلى عدم اعتماد قول القائف؛ لأن الشرع حصر دليل النسب في الفراش [19]. وذهب المالكية والشافعية [20] إلى أن المولود لا يلحق إلا برجل واحد، فإذا قضى القافة باشتراك رجلين أو أكثر فيه، يؤخر الولد إلى حين بلوغه، فيخير في الالتحاق بمن شاء منهم، بناء على الميل الفطري بين الولد وأصله. ورجح الحنابلة [21] إطلاق العمل بقول القافة، فإن ألحقوه بواحد لحق به، وإن ألحقوه باثنين أو أكثر التحق بهم جميعاً.

5- نقل بعض الفقهاء إجماع الأطباء على استحالة تخلق الجنين من ماء رجلين؛ لأن الوطء في نفس الطهر لابد أن يكون على التعاقب، وإذا اجتمع ماء الأول مع ماء المرأة وانعقد الولد منه حصلت عليه غشاوة تمنع من اختلاط ماء الثاني بماء الأول [22]. وهذا هو ما قرره الطب الحديث، حيث أكد استحالة أن يتخلق الإنسان من مني رجلين مختلفين [23].

وعلى هذا: فإن بصمة الحمض النووي تعد قرينة قاطعة في تصحيح النسب ، إذا حكم القائف بنسبة طفل إلى رجلين أو أكثر، نتيجة نكاح فاسد أو وطء بشبهة، أو تنازع اثنان فأكثر نسب المولود أو اللقيط، والله أعلم.

رابعاً- أثر البصمة الوراثية في نفي النسب:

1- المراد من نفي النسب هنا: أن يُبعد الرجل عنه حملاً أو مولوداً وينكر أنه من مائه أو أنه ينتسب إليه [24].

ويحدث هذا كثيراً عندما يشك الزوج في سلوك زوجته أو يراها في حالة تلبس مع رجل آخر، أو يجد أن صفات المولود تخالف صفاته كأن يكون أسود البشرة ويجيء الولد أشقر أو العكس. وقد حدث أن أعرابياً أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال له: إن امرأتي ولدت غلاماً أسود وإني أنكرته، فقال -صلى الله عليه وسلم- : ((هل لك من إبل؟)) فقال: نعم، قال -صلى الله عليه وسلم- : ((فما ألوانها؟)) قال: حمر، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((هل فيها من أورق؟)) قال: إن فيها لورقاً، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((فأنى ترى ذلك جاءها؟)) قال: يا رسول الله عرق نزعها، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((لعل هذا عرق نزعه)) [25].

ففي هذه الواقعة لم يرخص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للأعرابي في نفي نسب الولد لمجرد مخالفته في الشبه. وعلى العكس من ذلك: أقر النبي -صلى الله عليه وسلم- مجرد الشبه لإثبات النسب في قصة أسامة وزيد، حيث كان المشركون يطعنون في نسب أسامة من زيد لاختلاف اللون، فلما عرضاً على القائف "مجزز المدلجي" قال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض [26].

2- وقد اجمع الفقهاء على أن فراش الزوجية - الصحيح - هو الأصل الشرعي المقرر في إثبات النسب [27]، فإذا ادعى الزوج أن حمل زوجته أو ولدها ليس منه فلا طريق لنفي نسبه إلا اللعان.

3- واللعان شهادات [28] تجري بين الزوجين مؤكدة بالأيمان، مقرونة باللعن من جانب الزوج وبالغضب من جانب الزوجة [29] جعلت حجة للمضطر إلى قذف من لطخ فراشه وألحق العار به، أو إلى نفي ولد [30].

وقد شرع اللعان - رغم ما فيه من التشهير والتغليظ - لسد باب الخوض في الأعراض، فلا يقدم عليه إلا من تيقن أن الحمل أو الولد ليس منه، أما مجرد الشك من الزوج فلا يستدعي أن يستجلب لنفسه لعنة الله، ويعرض النسب الثابت بالفراش للجرح والخدش أمام القاضي وشهود اللعان.

4- من أجل ذلك لا يجوز إجراء اللعان إلا إذا كانت الزوجية قائمة بين الرجل وامرأته وقت القذف، وكان الزواج صحيحاً لا تشوبه شبهة ولا فساد، لأن الله تعالى خص اللعان بالأزواج، فقال: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) [النور: 6][31] ويشترط لنفي نسب المولود: الفورية، فلو علم الزوج بالحمل أو الولادة وسكت عن نفيه بعد علمه لا يمكن من إجراء اللعان [32]. كما يشترط ألا يكون الزوج قد أقر بالولد صراحة - كقوله هذا ولدي - أو دلالة - كقبوله التهنئة بالمولود - [33]. وكذلك إذا جامع زوجته بعد علمه بالحمل أو الوضع [34]. ففي هذه الحالات وأمثالها لا يجوز اللعان.

5- ولا يجوز اللعان في حق من لا يمكن نسبة الولد إليه لعدم إمكان الوطء، أو لوضع الزوجة مولوداً قبل مضي ستة أشهر من الزواج، حيث قرر الفقهاء أن من يدعي نفي نسب مولود لا يمكن نسبته إليه، فإن نسب الولد ينتفي عنه بدون لعان [35]. وعلى هذا جرى عمل القضاء [36].

6- هل يمكن أن تحل البصمة الوراثية محل اللعان، فيكتفى بنتائجها في نفي نسب الولد؟ انقسم الباحثون المعاصرون في حكم هذه المسألة إلى فريقين:

الفريق الأول [37]: يرى أن البصمة الوراثية يمكن أن تحل محل اللعان؛ لأن الزوج يلجأ إلى اللعان لنفي نسب المولود عندما يفقد الشهود الأربعة بواقعة زنى امرأته، ومع التقدم التقني في مجال البصمة الوراثية ودقة نتائجها وقطعية دلالتها، فإن هذا يكفي للشهادة على ما يدعيه الزوج.

والفريق الآخر [38]: يرى أن البصمة الوراثية لا تعتبر مساوية للعان ولا يجوز تقديمها عليه في نفي النسب؛ لأن حديث: ((الولد للفراش)) دليل مجمع عليه [39]، فلا تقوى نتائج البصمة الوراثية على معارضته، ولا يقوى عليه إلا اللعان، فإنه تترتب عليه آثار أخرى غير نفي النسب، كالفرقة المؤبدة بين الزوجين، وسقوط حد القذف عن الزوج، ولا يقام حد الزنا على المرأة.

7- ونحن لا نتفق مع من يرون أن البصمة الوراثية يمكن أن تحل محل اللعان في نفي نسب الحمل أو المولود على فراش الزوجية، ونتمسك بما جاء في قرار المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي [40] من أنه: "لا يجوز شرعاً الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب ولا يجوز تقديمها على اللعان"؛ فقد أهدر النبي -صلى الله عليه وسلم- الشبه مقابل اللعان [41]. أما في الحالات التي ليس فيها لعان، فنرى أن البصمة الوراثية تقدم - في إثبات النسب أو نفيه - على غيرها من الوسائل، كالإقرار وشهادة الشهود والقيافة والقرعة وغير ذلك؛ فهذه كلها أدلة ظنية احتمالية، أما نتائج تحليل الحمض النووي - بعد اتخاذ جميع الاحتياطات العلمية - فإنها دليل شبه قطعي، بني على أسس علمية ورقابة طبية، وتلقته المجامع البحثية والأوساط الطبية العالمية والقضاء في أكثر الدول بالقبول، لما تواتر من الارتفاع الهائل في نسبة نجاحه.

8- في سابقة هي الأولى من نوعها في عالم الطب، أمكن إيجاد أطفال ينتمون - بيولوجياً - إلى رجل وامرأتين؛ وذلك بتخصيب بويضة امرأة بمني رجل خارج الرحم، بحيث يتخلق الطفل من (22000) جين نصفها من الرجل ونصفها من المرأة في المرحلة الأولى، وبعد ذلك تعزل هذه الجينات وتدمج مع (7000) جين من امرأة أخرى (الأم المتبرعة)، لتتكون نطفة جديدة تشتمل على جينات مأخوذة من ثلاثة أشخاص، ثم تزرع هذه النطفة المخصبة في رحم امرأة (الأولى أو الثانية) حتى يكتمل نموها وتصير جنيناً ثم طفلاً.

والذي دعا العلماء إلى هذه الطريقة وجود عدد من الأطفال الذين ولدوا يحملون أمراضاً وراثية، وقد لا يستطيعون القيام بالحركات المعتادة التي يقوم بها الأطفال الأسوياء، فإضافة (7000) جين من امرأة أجنبية تسهم في حماية هؤلاء الأطفال من الأمراض الوراثية.

وقد وافق البرلمان البريطاني - بالأغلبية - على السماح باستخدام الحمض النووي لثلاثة أشخاص (رجل وامرأتين) في إنجاب أطفال الأنابيب، وذلك بجلسته المنعقدة بتاريخ 3/ 2/ 2015م - 14/ 4/ 1436هـ، مما أثار ردود فعل غاضبة في المحيط الديني والاجتماعي[42].

ونحن نرى - والله أعلم - أن الرجل إذا كان متزوجاً بالمرأتين معاً فإن المولود ينسب إليه، وتكون أمه هي التي ولدته. ومن المعلوم أن تعدد الزوجات محظور في الغرب لمخالفته للنظام العام، وعلى ذلك: ينسب الولد إلى صاحب الماء - إن كان زوجاً لإحدى المرأتين - وتكون أمه هي التي ولدته، ولا شيء للأخرى (الأم المتبرعة)، أما إن كانت العملية برمتها خارج نطاق الزوجية فلا نرى مجالاً للبحث في النسب.

والأسلم: عدم الالتجاء إلى مثل هذه المحاولات التي تؤدي إلى اختلاط الأنساب وتغيير خلق الله.

والله من وراء القصد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] شرح معاني الآثار، للطحاوي: 3/ 116.

[2] الأم، للإمام الشافعي: 5/ 165. وهو رأي جمهور الفقهاء.

[3] صحيح البخاري، رقم (2218). صحيح مسلم، رقم (1457).

[4] زاد المعاد: 4/ 118.

[5] سورة المائدة: 101.

[6] صحيح البخاري، رقم (7291).

[7] صحيح البخاري، رقم (4621).

[8] أحكام القرآن: 2/ 679.

[9] ومثل ذلك في أحكام القرآن، لابن العربي: 2/ 213.

[10] وفي قضية مماثلة صادرة من المحكمة الكبرى بالرياض بتاريخ 1424هـ حكم القاضي بإلحاق طفلة بأبيها - الذي كان متزوجاً من أمها - استناداً إلى حديث: ((الولد للفراش)) وأهدر قرينة الفحص لـ D.N.A التي أثبتت عدم اشتراك نصف أنماطها الوراثية مع المدعو أنه والد الطفلة، وأفهمه أن نسب البنت لا ينتفي عنه إلا باللعان.

[11] ملخص أعمال الحلقة النقاشية حول حجية البصمة الوراثية في إثبات النسب، كلية الشريعة والقانون، جامعة الإمارات العربية المتحدة: 1422هـ، ص 46.

[12] البصمة الوراثية، لعمر السبيل: 31.

[13] المبسوط، للسرخسي: 16/ 115. تبصرة الحكام، لابن فرحون: 1/ 253. نهاية المحتاج، للرملي: 8/ 395. كشاف القناع، للبهوتي: 6/ 434.

[14] بنفس المعنى: الروض المربع: ص 363. المصباح المنير، للفيومي.

[15] ينظر: الصك الشرعي من المحكمة الكبرى بمكة المكرمة، الصادر بتاريخ 13/ 3/ 1424هـ.

[16] المبسوط، للسرخسي: 16/ 115. تبصرة الحكام، لابن فرحون: 1/ 253. نهاية المحتاج، للرملي: 8/ 395. كشاف القناع، للبهوتي: 6/ 434.

[17] سورة الأحزاب: 4، 5.

[18] كخطأ الممرضة في وضع الأسورة التي تحمل اسم المولود.

[19] المبسوط، للسرخسي: 17/ 70. بدائع الصنائع، للكاساني: 6/ 242.

[20] بداية المجتهد، لابن رشد: 2/ 328. مغني المحتاج، للشربيني: 4/ 490.

[21] منتهى الإرادات: 2/ 488. المغني، لابن قدامة: 5/ 775.

[22] المبسوط، للسرخسي: 17/ 69. فتح القدير، لابن الهمام: 5/ 50. مغني المحتاج، للخطيب: 6/ 441.

[23] مؤتمر الهندسة الوراثية بين الشريعة والقانون: 621.

[24] لسان العرب – المصباح المنير.

[25] صحيح البخاري، رقم (7314).

[26] صحيح البخاري، حديث رقم (6771).

[27] المبسوط، للسرخسي: 6/ 52. مواهب الجليل، للحطاب: 5/ 247. نهاية المحتاج، للرملي: 7/ 125. المغني، لابن قدامة: 6/ 276.

[28] سورة النور: 6-8.

[29] بدائع الصنائع، للكاساني: 3/ 241. فتح القدير: 3/ 248.

[30] مغني المحتاج، للشربيني الخطيب: 3/ 367.

[31] سورة النور: 6.

[32] بدائع الصنائع: 3/ 241. الشرح الصغير، للدردير: 3/ 18. مغني المحتاج: 3/ 380-381. المغني، لابن قدامة: 7/ 424.

[33] حاشية ابن عابدين: 2/ 973. الشرح الكبير، للدردير: 2/ 463. مغني المحتاج: 3/ 381. المغني، لابن قدامة: 7/ 426.

[34] الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي: 2/ 462.

[35] فتح القدير، لابن الهمام: 3/ 311. المدونة، لسحنون: 2/ 24. المهذب، للشيرازي: 2/ 129. المغني، لابن قدامة: 7/ 428.

[36] في قضية رفعها رجل ضد امرأته التي حملت، رغم ان التقارير الطبية تؤكد أنه عقيم لا يولد له، وفي المحكمة قررت الزوجة أنها ذهبت تشتكي عدم الإنجاب إلى متطببة تدعي علاج العقم، فأمدتها بصَدَفة فيها سائل لتضعها في فرجها، وتطلب من زوجها أن يجامعها بعد ذلك "فستحملين بإذن الله تعالى"، وبعد التحقيق وإجراء الفحوصات اتضح أن الصدفة معبأة بمني رجل أجنبي، فحكم القاضي بنفي النسب دون لعان، رغم وجود فراش الزوجية – (فقه النوازل، لبكر أبو زيد: 1/ 272).

[37] منهم: محمد المختار السلامي (المفتي الأسبق لتونس)، وسعد الدين هلالي.

[38] قال به أكثر علماء العصر، وبه أخذت المجامع الفقهية.

[39] المبسوط، للسرخسي: 17/ 99. المدونة، لسحنون: 2/ 551. أسنى المطالب، لزكريا الأنصاري: 2/ 320. المغني، لابن قدامة: 8/ 56. مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: 3/ 325.

[40] الدورة السادسة عشرة لسنة 1422هـ.

[41] ينظر الحديث الذي أخرجه البخاري: رقم 4747.

[42] المصدر: تقرير قدمه تلفزيون B.B.C في 15/ 5/ 1436هـ.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة