ما الفرق بين العجب والفرح بالطاعة؟
عدد القراءات : 16

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أودُّ أن أستفسرَ عن الفَرْق بين العُجْب والفرح بالطاعة.

أيضًا يقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((مَن رأى منكم مُنْكَرًا فلْيُغَيِّرْهُ...)) إلى قوله: ((فإنْ لم يستطعْ فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان))، ويقول في حديث آخر: ((بحسب امرئٍ مِن الشرِّ أن يحقرَ أخاه المسلم)).

فكيف لنا أن ننكرَ المنكر بقلوبنا دون أن نحقرَ فاعله؟ خاصة إذا كان الشخصُ مُكْثِرًا من المعاصي، فكيف لا نحقره؟

وجزاكم الله خيرًا على ما تقدِّمون مِن عون لنا.

 

الجواب:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

فالمسلمُ إذا عمل العمل الصالح خالصًا لله، ثم ألقى الله له الثناء الحسنَ في قلوب المؤمنين، ففرح بفضل الله ورحمته، واستبشر به - لم يضرَّه ذلك؛ كما قال تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس: 58].

فالثناءُ الجميلُ مِن تفضُّل الله على عباده، وبشارة بأنهم على الحق وبالسعادة في الدارين، وهذا ما يوجب انبساط النفس ونشاطها، وشكرها لله تعالى وقوتها، وشدة الرغبة في العلم والإيمان الداعي للازدياد منهما، وهذا من الفرَح المحمود.

وكأن ما أشكل عليك أيتها الابنة الكريمة قد أشكل على الصَّحْب الكرام؛ ولهذا لما قيل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟ قال: ((تلك عاجلُ بُشرى المؤمن))؛ رواه مسلم عن أبي ذرٍّ، وفي رواية: ((ويحبه الناس عليه)).

قال النووي في شرحه على مسلم (16/ 189): "قال العلماء: معناه: هذه البشرى المُعَجَّلة له بالخير، وهي دليلٌ على رضاء الله تعالى عنه ومحبته له، فيُحَبِّبه إلى الخلْق...، ثم يوضع له القَبول في الأرض، هذا كله إذا حمدَهُ الناس مِن غير تعرُّض منه لحمدهم، وإلا فالتعرُّض مَذمومٌ".

فحَمْدُ الناس للمؤمن إذًا بشارة مُعَجَّلة في الدنيا كالرؤية الصالحة، والبشارةُ نوعٌ مِنَ الخبر، وهو الخبر بما يسرُّ، فالحمدُ هو الخبرُ بما يَسر المحمود ويُفرحه، فإنكار فرحه ولوازم فرحه إنكار للحمد في الحقيقة.

وعلى العبد الذي يحمده الناس أن يُبالغَ في شكر الله تعالى على تلك البشارة بالعمل الصالح، وأن يتواضعَ ويتذللَ لله -عز وجل-، ويسأله سبحانه الثبات.

أما مَن فرِح بالمدْح، والْتَفَتَ به عن الممدوح؛ فقد وقع في نقصٍ شديدٍ، وأفسد فضائلَه، وقد يدفعه هذا إلى رُؤية النفس والعُجب بها، كما حذرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ((بينما رجل يتبختَرُ يمشي في برديه قد أعجبتْه نفسه، فخَسَفَ الله به الأرض، فهو يتجلْجَلُ فيها إلى يوم القيامة))؛ رواه مسلم.

وقد نبَّه على هذا المعنى الإمامُ ابن مُفْلِح في الآداب الشرعية والمِنَح المَرْعِيَّة (1/ 132) فقال تعقيبًا على حديث أبي ذر السابق: "إذا سُرَّ الإنسانُ بمعرفة طاعته هل هو مذموم؟ قال ابن الجوزي: إن كان قصدُه إخفاءَ الطاعة والإخلاص لله -عز وجل-، ولكنه لما اطَّلَع عليه الخلقُ عَلِمَ أن الله أطْلَعَهم، وأظهر الجميل مِن أحواله، فسُرَّ بحُسْن صنيع الله -عز وجل- ونظره له ولطفه به؛ حيث كان يستُر الطاعة والمعصية، فأظهر الله عليه الطاعة وستَر المعصية، فيكون فرحُه بذلك، لا بحمد الناس، وقيام المنزلة في قلوبهم، أو يستدل بإظهار الله الجميل وستر القبيح عليه في الدنيا أنه كذلك يفعل به في الآخرة قد جاء معنى ذلك في الحديث.

فأما إن كان فرحه باطِّلاع الناس عليه لقيام منزلته عندهم حتى يمدحوه ويعظموه ويقضوا حوائجه، فهذا مكروه مذموم.

وقال ابن عقيل: الإعجاب ليس بالفرح، والفرح لا يقدح في الطاعات؛ لأنها مَسَرَّة النفس بطاعة الرب -عز وجل-، ومثلُ ذلك مما سَرَّ العقلاء وأبهج الفضلاء، وإنما الإعجابُ استكثارُ ما يأتي به من طاعة الله -عز وجل-، ورؤية النفس بعين الافتخار، وعلامةُ ذلك اقتضاءُ الله -عز وجل- بما أتى الأولياء وانتظار الكرامة وإجابة الدعوة.

إنَّ العُجْبَ يدخُل من إثبات نفسك في العمل، ونسيان ألطاف الحق، ومن إغفال نعمه التي لا تحصى، وإلا فلو لحظ العبد اتصال النعم لاستقل عمله، وإن كثر أن يقابل النعم شكرًا ويدخل من الجهل بالمطاع، فلو عرف العبد مَن يطيع، ولمن يخدم لاستكثر لنفسه منه سبحانه ذلك، واستقلها أن تكون داخلةً مع أملاك سبع سموات يسبحون الليل والنهار لا يفترون". اهـ. موضع الشاهد منه مختصرًا.

وقال في كشف المشكل من حديث الصحيحين (1/ 371): "والمعنى أن الله تعالى إذا تقبل العمل أوقع في القلوب قبول العامل ومدحه، فيكون ما أوقع في القلوب مبشرًا بالقبول، كما أنه إذا أحبَّ عبدًا حببه إلى خلقه، وهم شهداء الله في الأرض".

ففارق أيتها الابنة الكريمة بين فرح المؤمن بالثناء الجميل وهو المدح بحق الذي يكون سروره بالبشرى من الله، وبين الفرح بالمدح الناتج عن رؤية الإنسان لعمله.

أما إنكار المنكر بالقلب فلازم له كراهية المعصية وكراهية العصاة، فيَمْقُتهم في الله حزنًا لما يرى مِنْ نقصٍ في أديانهم وجرأتهم على محارم الله تعالى إذا نظر إليهم بعين الشرع، وفي نفس الوقت إذا نظر إليهم بعين القدر والشيطان مستحوذٌ عليهم رحمهم ورفق بهم، وأخذ بأيديهم.

وقد ورد ما يدل على خطورة تخلف إنكار القلب في صحيح مسلم (3/ 1480)، فعن أم سلمة، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمَن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع))؛ ففيه دليل على أن من عجز عن إزالة المنكر لا يأثم بالسكوت، وإنما يأثم بالرضا به، أو بألا يكرهه بقلبه أو بالمتابَعة عليه.

وأما إن كانتْ كَراهية القلب صادرة عن عُجبٍ بالنفس، وتصاغُر واحتقار للناس، فقد وقع صاحبه في الكبر، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((الكِبْرُ بطَرُ الحق، وغمْطُ الناس)).

غمط الناس: معناه احتقارهم، والكبر من أعظم خِصال الشر، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يدخل الجنة مَن في قلبه مثقال ذرة مِن كبر)) رواهما مسلم.

وفيه أيضًا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يَحقره، التقوى ها هنا))، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، ((بحسب امرئ من الشر أن يحقرَ أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه)).

والحاصلُ أيتها الابنة الكريمة أن إنكار القلب إن كان نابعًا عن احتقار للناس، وازدراء بهم، وإعجابٍ بالنفس؛ فهو المذموم، وأما إن كان تأسُّفًا وتحزُّنًا وخوفًا عليهم لِقُبْح ما يرى من أعمالهم، فهو أمارة على إيمان القلب، وقد قال أبو الدرداء: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقتَ الناس في ذات الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مَقْتًا؛ رواه الطبري في تفسير (1/ 8).

وفقك الله لكل خير.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة