إن بيان الإنسان عما في نفسه جزء من إنسانيته ووجوده، وهو من رحمة الله بعباده، قال تعالى: (الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) [الرحمن: 1 - 4] وقد فسر البيان بأنه: قدرة الإنسان على التعبير والإفصاح وإظهار ما في نفسه وما يختلج بخاطره ويدور في خلده، ومن ذلك بيانه بالنطق أو الإشارة أو الكتابة وغيرها، وهذا من آيات الله الباهرة وهو أمر ارتبط بخلق الإنسان، وكأننا إن سلبنا الإنسان هذا البيان فإنا نسلبه جزءًا من إنسانيته وأمراً ارتبط بأصل خلقه.

ولكل واحد منا أن يسأل، هل يبين الأولاد في البيوت لآبائهم؟ أم هل يبين الطلاب لمعلميهم؟

أم أننا أمام حالة من الخشية أو الخوف أو الخجل أوجدت فجوة تحول بيننا وبين معرفة كثير من الحقائق، وربما تخفي كثيرا من الأفكار والإبداع وتدفنه وهي فجوة تتسع بعدم الحوار والمصارحة ولها آثارها السلبية التي لا تقتصر على هذا الطفل أو الطالب بل ستمتد إلى المجتمع لترى من لا يقدر على تحمل المسؤولية أو اتخاذ القرار أو مواجهة الصعوبات، لترى العجز الذي استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم، لترى الأحاديث الجانبية، والشكوى إن وجد من يستمع لها داخل البيوت، وإلا فخارجها، لترى من يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم!

إننا مع تعدد وسائل الحصول على المعلومات وسهولتها من دون ضوابط أو حدود فإن الحوار مع الأبناء والطلاب يغدو ضرورة لا مناص عنها، وبالتالي فإن على الوالدين والمربين معرفة أساليب الحوار بما يمكنهم من غرس القيم والأخلاق والآداب الإسلامية وبيان عظمة ما في شريعتنا وما كان في الحضارة الإسلامية عبر التاريخ من مبادئ وأسس جعلت للأمة الريادة والسيادة والتأثير في العالم كله.

إن أمر الحوار لا يتوقف عند مرحلة المراهقة والحديث حول أضرار التدخين والمخدرات والتوعية الجنسية وغيرها من الأمور التي قد يتعرض لها الأبناء في تلك المرحلة بل يمتد ليشمل جميع المراحل.

إن الحوار يلبي الحاجة الفطرية ببيان الإنسان عما في نفسه، ويطرق الأبواب المغلقة، ويفتح الآفاق الواسعة، ويوصل التجربة الناجحة، ويكشف عن الأفكار الخاطئة بما يتيح المجال لمعرفتها ومن ثم تصحيحها، وليست الغاية من الحوار مجرد التصحيح، إذ إن فوائده التربوية والنفسية والاجتماعية كثيرة ومتنوعة، ولا أدل على أهمية الحوار ما جاء في القرآن الكريم وسنة النبي -صلى الله عليه وسلم- من حوارات متعددة وبأساليب متنوعة ومختلفة بل بتوجيهات حكيمة عظيمة حول طريقة الحوار وآدابه.

وينبغي ضبط النفس في الحوار بالاستماع للأفكار وإن بدت غريبة وعدم صناعة حواجز تسد أبواب المصارحة، ومن المهم تقبل الآراء والاستماع الإيجابي بعدم كبت الأفكار بل قيادتها نحو المسار الصحيح، بالحوار يمكن أن تقود حماس الشاب الموجه بالاتجاه الخاطئ نحو الاتجاه الصحيح من دون أن تقضي وتلغي هذا الحماس، ومتى ما وضع الوالدان أو المربي أو المسؤول نفسه في تلك المرحلة ونظر من زاوية الطرف الآخر أمكن قيادتهم نحو زاوية الخبرة والمعرفة التي لديهم، وكلما ابتعد المحاور عن اللوم والتوجيه الجاف والحكم المتسرع، والظهور بمظهر المنتصر فتح المجال أمام الطرف الآخر لقبول الرأي ومعرفة الخطأ والاستجابة للخير والنصح أو التوجيه.

ربما كان غياب تحقيق الذات وفقدان الثقة بالنفس سبباً في وقوع بعض الأبناء فريسة سهلة لأصحاب الأفكار الفاسدة، وإن أغلق المحبون والعقلاء أبواب الحوار فإن المبغضين والمجانين لن يغلقوا أبوابهم، لنفتح أبواب الحوار ولنفتح قبلها قلوبنا لفلذات أكبادنا، ومن نتعامل معهم، ولندعهم يعبرون عن آرائهم بكل أدب وبكل ثقة، ومهما تحدثنا عن الحوار نظرياً فإن الثمرة الحقيقة لا تظهر إلا في التطبيق العملي.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة