الشخصية الانطوائية تشخيص وحلول
عدد القراءات : 4

السؤال:

لديَّ ولد وبنتان، الولد عمره عشر سنوات، والبنت الأولى ثماني سنوات، والثانية ثلاث سنوات. ولدي كان في صغره كثير الحركة والمشاغبة، وقبل سنتين أصبح انطوائياً ولا يكاد يُسمع صوته عندما يتكلم، رغم أنه متفوق دراسيًّا.

قبل أيام اكتشفت والدته –مصادفة- أن ابن عمهم البالغ من العمر إحدى عشرة سنة دخل بيتنا في غيابي وغياب والدتهم، وأمر البنت الأولى أن تخلع ملابسها وهو يخلع ملابسه ويصعد على البنت، ولما كلمه أخوها نهره فسكت أخوها عن الموضوع بمرأى منه، ولما اكتشفنا الموضوع جلست معهم، وفهمتهم الموضوع، وأنه غلط، ولا يصح، وأنه عيب، وفهموا مني الكلام، ولما سألته: لماذا سكت وأنت ترى أختك؟! قال: إن ابن عمي نهرني وأنا خفت، ففهمته أن لا يخاف، وأن يدافع عن نفسه وعن أخته.

بعد أسبوع من الحادثة كان ولدي مع ابن خالته، وابن خالته يكبر ابني بثلاث سنوات، والمصيبة أن ولدي حكي لابن خالته بالقصة، واكتشفت الأم الموضوع بالصدفة، وكتمت عليه، وبعد هذا بأسبوع حدث أن ابن خالة ولدي أخذ البنت وأجلسها فوق حضنه وبمرأى من ولدي، وولدي لم يتصرف أي تصرف تجاه ذلك الموضوع، واكتشفنا هذه القصة بالصدفة، وصراحة من قهري ضربتهما الاثنين ضرباً مبرحاً، وأفهمته أنه غلط، وأن هذا لا يصلح وأنه عيب، وأفهمت البنت كذلك، ولما سألته: لماذا ما تصرفت ومنعته؟ قال: خفت منه! أرشدوني ماذا أفعل؟

 

الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أخي الكريم:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

نشكر لك ثقتك بموقعك - موقع الإسلام اليوم- أنْ كتبت إليه تبتغي نصحه في هذه المسألة الحساسة والشائكة الخاصة بك.

لقد قرأت رسالتك، وأحسست بما تعانيه من مشاعر وأحاسيس أعانك الله على التغلب عليها، وتولى أمرك وفرج همك وأزال كربك وحفظ لك أبناءك من كل شر وسوء وجعلهم قرة عين لك. إنه نعم المولى ونعم النصير.

إن مشكلتك يمكن تجزئتها إلى شقين:

الشق الأول: ما تراه من أن ولدك أصبح انطوائياً:

من الأمور المتفق عليها تربوياً، أن الطفل تتبلور سلوكياته، ويكتسب عاداته وقيمه، وتتكون شخصيته، وتنمى مهاراته في المرحلة الأولى من حياته، أي منذ الطفولة المبكرة، وبالتالي فإن الكشف عن هذا الخلل حاجة ملحة من أجل المعالجة المبكرة له، لكي لا يستفحل الأمر ويقود إلى ظهور أعراض مرضية قد تصعب من عملية معالجته، وإزالة آثاره السلبية على الطفل.

ومظاهر الانطوائية لدى الأطفال قد تعود إلى الأساليب التربوية التي تلقاها الطفل في مراحل تربوية مبكرة، أي أن سمة الانطوائية مكتسبة عن طريق الأنماط التربوية التي تستخدمها الأسرة في تنشئة الطفل، والمحيط الاجتماعي الذي يعيش فيه الطفل، فقد يتعرض إلى العقاب البدني أو المعنوي إذا لم يستطع أن يحقق التعلم الذي يريده الآباء منه، وترى دراسات أخرى أن السلوك الانطوائي لدى الأطفال له علاقة بالجانب الوراثي، وهناك أسباب اجتماعية أخرى قد تؤدي إلى ظهور السلوك الانطوائي لدى الأطفال، منها اضطراب العلاقة الزوجية بين الآباء، وسوء العلاقة واضطرابها مع الأطفال الآخرين من الأشقاء في الأسرة، والاعتماد على الآباء في كل ما يتعلق بقضاء الحاجات، وازدواج المعايير في المعاملة بين الأبناء من قبل الآباء.

وكما قال الشاعر أبو العلاء المعري:

وَيَنشَأُ ناشِئُ الفِتيانِ مِنّا ***عَلى ما كانَ عَوَّدَهُ أَبوهُ

وهناك مجموعة من السمات التي تميز الطفل الانطوائي عن غيره من الأطفال، والتي

يكاد يتفق عليها الكثير من علماء النفس والتربية، ومن هذه السمات والصفات:

يتمتع بالإحساس المرهف تجاه المواقف الحياتية.

عندما يتحدث نجد صوته خافتا أثناء الكلام، وربما يتلعثم في الحديث أمام الآخرين من خارج محيط أسرته.

يتمتع بالنظرة الشاردة والحزينة، ويتجنب النظر في عين من يحدثه، وكلامه محدود ويستخدم الإشارات أثناء الحديث بشكل محدود.

ضعف القدرة على التعبير عن المشاعر الإنسانية، وإذا مر بموقف مؤلم في حياته يفضل الصمت عن الكلام فيه.

يفضل الانعزال عن غيره من الأطفال، وبالتالي فهو يفضل المجالات والألعاب التي يغلب عيها الطابع الفردي، وتكون دافعيته نحو ذاته.

يرفض المشاركة في المواقف والمحافل الاجتماعية المختلفة ( رحلات – نوادي – حلقات تلاوة – الإذاعة المدرسية.... ) لانعدام ثقته بنفسه، ويتصرف تجاهها بحذر شديد.

شبكة الأصدقاء محدودة لديه، وربما يعجز عن تكوين صداقات جديدة، لأنه يفضل الانعزال عن الآخرين من خارج محيط أسرته.

يتردد في اتخاذ قراراته، ويحتاج إلى وقت من التفكير قبل صنع القرار.

وأوصيك باتباع  الخطوات التالية معه:

الابتعاد عن الأسباب التي تجعله انطوائياً.

إقامة حوارات متواصلة معه، وخاصة في الأشياء المحببة إليه ( طعامه وشرابه - ألعابه – ملابسه...).

 احتضانه، والتبسم في وجهه، وأخذ رأيه في الأمور التي تناسب عمره الزمني، وخاصة تلك التي تتعلق بالأسرة أو أشياء خاصة به ( شراء ملابسه – ترتيب المنزل.... ).

استماع آرائه، و تجنب الاعتذار بحجة ضيق الوقت، أو عدم أهميتها.

إشراكه في القيام ببعض الأعمال التي تناسب عمره (ترتيب غرفته – مساعدة الأم في المطبخ...).

تشجيعه على المشاركة في الأنشطة الاجتماعية المختلفة ( رحلات – حلقات تلاوة مسجدية – زيارات – الرياضة الجماعية ) وحثه على مشاركة أصحابه في أفراحهم وأحزانهم - تعليمه وتدريبه على النظر في عين من يحدثه.

تشجيعه على تكوين صداقات جديدة وخاصة من البيئة المحيطة به من أقربائه وجيرانه.

تجنب نصحه أمام الآخرين، وإنما إذا أردت أن تنصحه فليكن ذلك على انفراد، مع التلطف في النصيحة.

حثه وتشجيعه على ممارسة هواياته التي يحبها، وخاصة تلك التي تسهم بشكل فعال في زيادة الجرأة لديه.

أما الشق الثاني: التحرش بابنتك (حفظها وسترها الله).

أرى أنك قد تركت المشكلة الأساسية وهي تعرض ابنتك للتحرش الجنسي، وانصب اهتمامك على سلوك ابنك، وكيف لم يفعل شيئا تجاه أخته؟! مع أن البنت هي التي تعرضت للانتهاك، وقد يكون التأثير السلبي الأكثر عليها، وعليك أخي الكريم بتطبيق هذه الوسائل:

خذ أولادك في حضنك، وأشعرهم بالأمان، وأنك أفضل صديق لهم، ولن يهتم أحد بهم مثلك، وأنه مهما فعلوا من أخطاء فإن حبك لهم لن يقل وكذلك ثقتك بهم.

وعليك أن تتصرف بحذر وتحافظ على هدوء الأعصاب، وعدم إلقاء التهديدات للطفل أو للبنت، فهم بحاجة إلى الأمان والهدوء والدعم، واحذر من إلقاء المسئولية عليهم.

عدم استسلامك لتأنيب الذات واللوم مما ينسيك من هو المعتدي الحقيقي الذي يجب أن ينال عقابه، أو نقوم بعلاجه وإصلاحه.

لا بد من تكرار الحديث مع أولادك مع اختلاف الوسائل، فلا يأخذ الحديث دوماً مجرى الأمر والنهي والتهديد بالعقوبة، وإنما القصة مرة، اللعب مرة، الصورة مرة ثالثة، وهكذا حتى يتأكد لديهم خصوصية هذا الموضوع، وأنه لا يجوز بأي حال لأي أحد -مهما كان- أن يطلع على عوراتهم، أو أن ينتهك ويقتحم أجسادهم، ويستحب إشراك الأم في هذا الأمر، أو من تثق بهم لمساعدتك في هذا الأمر، وراقبهم دون أن تفقدهما الثقة بأنفسهما، و إياكِ أن تتهاون بهذا الأمر.

أما بخصوص الطفلين اللذين تحرشا بابنتك فلا بد من التحدث إلى أهلهما، ومحاولة البحث عن الأسباب وراء فعلهما هذا، والمشاركة جميعا في الحل والإصلاح، لأن الحل ليس في اعتزال لهذا القريب وغيره، فإن تمكنتِ اليوم من عدم اختلاط أبنائك به، فهل سيتاح لكِ دوماً عزلهم عن كل ما هو سيء وغير جيد في المجتمع والحياة عموماً؟

وأخير لا تنس الاستعانة بالله كما استعان من قبل الأنبياء والصالحون (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [البقرة:128] (وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) [آل عمران:36] فينبغي أن لا نغفل عن الاستعانة بالله لتربية وصلاح الأبناء.

أسأل الله أن يحفظهما لك ويبارك لكٍ فيهما.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة