قبل ألف وأربعمائة وسبع وثلاثين سنة كانت الدُّنيا على موعد مع حادِثة عظيمة وقصَّة مثيرة، نصَر الله بها الدِّين، وقلب بها الموازين، وغيَّر بها مَجرى التاريخ؛ إنَّها حادِثة الهِجرة النبويَّة المبارَكة من مكَّة المكرمة إلى المدينة النبويَّة المنورة، التي كانت سبيلًا إلى إنشاء دَولة الإسلام؛ حيث شعَّ نورُ العدل والإيمان، ودخل الناسُ في دين الله أفواجًا، وخرج الناسُ من عبادة العباد إلى عبادة ربِّ العِباد، ومن جَور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضِيق الدُّنيا إلى سَعة الدنيا والآخرة.

أحبابَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، اسمعوا منِّي هذه الكلمات:

(مكَّة المكرمة.. سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-.. أبو بكر الصديق.. قريش.. مؤتمر الندوة.. قرار الاغتيال.. علي بن أبي طالب.. الغار.. عبدالله بن أبي بكر.. ذات النطاقين.. عامر بن فهيرة.. عبدالله بن أريقط.. سراقة بن مالك.. أم معبد.. الأنصار.. المدينة النبويَّة المنورة)؛ هذا أيها السادة هو موجز الأنباء ومُختصر القصَّة.

ولكـني لا أريد أن أخوض في التفاصيل كثيرًا، إنَّما أريد أن أقف على الدروس والعِبَر، أريد أن أبيِّن كيف تكون الهجرة منهج حياةٍ لنا؟ كيف تكون الهجرة منهج تغيير لواقِعنا وحالنا؟

وإنَّ في السيرة لخَبَرًا، وإنَّ في الهجرة لعِبَرًا، وإن في دروسها لفِكَرًا!

فتعالوا بنا نعلم أنَّنا من الهجرة نتعلَّم:

1- شدَّة التوكُّل على الله:

ويكأنِّي برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو يَخرج من بينِ أيدي المشركينَ يَحثو على وجوهِهم الترابَ، وهو يقرأ قولَه تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ) [ يس: 9].

فمَن الذي مَنع المشركين من أن يشاهِدوا رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-؟ مَن الذي مَنع المشركين من أن يَعْثروا على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه، وقد وقَفوا على شفير الغار، حتَّى قال أبو بكر: "لو أنَّ أحدهم نظر تَحت قدمَيْه، لأبصرنا"؟!

إنَّه الله؛ ولذلك كان جواب الرَّسولِ -صلى الله عليه وسلم-: ((ما ظَنُّك يا أبا بكر باثنين اللهُ ثالثُهما؟)) صحيح البخاري.

ولقد جرَت سنَّةُ الله في خلقه أنَّه من توكَّل على الله وهاجر إلى الله، نَصره الله وحفظَه وآواه؛ بل تأتي جنودُ الله دومًا لتكون في صُحبة المتوكِّلين عليه!

فكما أنَّ الله تعالى قال في حقِّ نبيِّه -صلى الله عليه وسلم-: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا) [التوبة: 40].

ففي قصَّة الرجل الذي قتل مائة نفس، التي أخرجها البخاريُّ ومسلم في صحيحهما، لمَّا هاجر الرجلُ إلى أرض الصَّلاح أخذًا بوصيَّة العالِم، وهو في مُنتصف الطَّريق أتاه الموتُ، فاختَصمَت فيه ملائكةُ الرَّحمة وملائكةُ العذاب، فقالَت ملائكةُ الرَّحمة: جاء تائبًا مُقبلًا بقلبه إلى الله تعالى، وقالَت ملائكةُ العذاب: إنَّه لم يَعمل خيرًا قطُّ، فأتاهم ملَكٌ في صورة آدمي، فجعلوه بينهم؛ أي: حَكمًا، فقال: قيسوا ما بين الأَرضين، فإلى أيَّتهما كان أدنى فهو له.

وهنا تأتي جنودُ الله لتَصحب مَن توكَّل على الله وهاجرَ إلى الله؛ ففي روايةٍ صَحيحة: ((فأَوحى اللهُ تعالى إلى هذه أن تَباعدي، وإلى هذه أن تقرَّبي، وقال: قِيسُوا ما بينهما، فوجدوه إلى هذه أقرب بشبرٍ، فغُفر له)).

وفي قصَّة أصحاب الكَهف سخَّر الله لهم الكهفَ والشمسَ والكلبَ والأرض؛ ليكون كل ذلك في خِدمتهم (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ) [الكهف: 17].

نعم إنَّها آيات الله تتنزَّل على مَن هاجَر إليه وتوكَّل عليه!

ثمَّ يبعثهم الله بعد ثلاثمائة وتسعة أعوام وهم لا يَعلمون أنَّ الأعوام قد كرَّتْ، وأنَّ عجلة الزَّمان قد دارَت، وأنَّ أجيالاً قد تعاقبَت، وأنَّ معالم المدينة قد تغيَّرَت، وأنَّ الحاكم الظَّالم القاتل المتسلِّط قد زالَت دولتُه، وهلكَت حاشيتُه، وانكسر مُلكه، وأنَّ قصَّتهم قد تناقلها الخلَف عن السَّلَف!

فسبحان مَن جعل لهم مِن وحشة الكهف رحمة، ومن ظُلمة الكهف نورًا، ومِن ألَم الكهف أملاً!

أحبابَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، من الهجرة نتعلَّم:

2- الأمل مهما كان الألَم:

ويكأني برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو في طريقه إلى المدينة، والمشركون يَبحثون عنه وجهَّزوا الجوائزَ لمن يَأتي به حيًّا أو ميتًا، وفي هذه اللَّحظة يطَّلع عليه سراقةُ بن مالك فيُبصر مكانَه، ويَحزن أبو بكر ويقول: "أُتينا يا رسولَ الله!"، فيقول له النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ((لا تحزن؛ إنَّ الله معنا))، فمهما كان المَكر ومهما كان الحزن والألَم، لكن بالله يَزداد الأمَل، فإذا كان الله معك فمَن عليك؟!

وسبحان الله، إذا بالعدوِّ (سراقة) يَنقلب صديقًا، يعرض عليهما الزادَ والمتاع، ويذهب بوصيَّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أخف عنَّا))؛ صحيح البخاري.

وها هو رسولُ الله الذي يمتلِئ قلبُه بالأمل مهما كان الألَم، يبشِّر سراقةَ بن مالك ويقول له: ((كيف بك يا سراقة إذا لبستَ سوارَي كِسرى؟)).

رسولُ الله وهو مطارَد ومهدَّد بالقَتل ومحاصَر في الصَّحراء، بالرغم من كلِّ ذلك يَعِدُ سراقةَ وهو ما زال على الكفرِ بأنَّه سيلبس أسورةَ كسرى ملِك الفرس!

وتمرُّ الأيام ويدخل سراقةُ الإسلامَ، ويموت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويتولَّى سيدنا أبو بكر الخلافةَ، ثمَّ يموت ويتولَّى سيدنا عمر الخلافةَ، وبعد ستِّ سنوات من خِلافة عمر تُفتحُ المدائن ويأخذ المسلمونَ سوارَي كِسرى، وينادي الفاروقُ عمرُ على سراقة ويقول له:

ما وعدك رسولُ الله يوم الهجرة؟ فيقول سراقة: سواري كسرى، فيلبسه عمرُ إيَّاها، ويقول له: هذا ما وعد اللهُ ورسوله، وصدَق اللهُ ورسولُه!

فيقول سراقة: الله أكبر، والحمد لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز، وألبسهما سراقةَ الأعرابي!

إنَّ قلبي يمتلئ بالأمَل مهما كان الألَم، وعلى يقينٍ بالنصر مهما كان الصَّبر، وأرى بطولات المسلمين المرابطين في بيت المَقدس وأكناف بَيت المقدس، وأتأكَّد أنَّ الله يدبِّر لهذه الأمَّة أمرَ خير ورشد.

فيا عبادَ الله (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف: 128].

أمَّةَ الحبيب محمد -صلى الله عليه وسلم-، من الهجرة نتعلَّم:

3- ضرورة التنظيم والتخطيط، وخطر الفوضى والعشوائيَّة:

خطَّط النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- للهجرة؛ فليس معنى التوكُّل على الله أن نَترك الأخذَ بالأسباب!

فذهب النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر ليخبره بالهِجرة في وقت الظَّهيرة، وهو وقت شديد الحرارة في مكَّة لا يذهب فيه أحد لأحد.

وطلب من علي بن أبي طالب أن ينام على فِراشه.

وهذه أسماء بنت أبي بكر تجهِّز الطعامَ وتشقُّ نطاقَها؛ لتربط الطعام - فلُقِّبَت بذات النِّطاقين - وتذهب به إلى المصطفى -صلى الله عليه وسلم- لتوصله إليه وإلى أبيها هناك، وتبيِّن للدُّنيا كلها دورَ المرأة في خِدمة دينها بكفاحها وحرَكتها وجهادها!

وهذا عبدالله بن أبي بكر أخو أسماء، ذلكم الشَّاب، كان يَأخذ أخبار قريش في النَّهار - وكان فطنًا ذكيًّا لبقًا - وفي الليل يوصلها إلى المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وإلى أبيه، فهو الإعلاميُّ الصَّادق الأمين، الذي تَفتقر إليه الأُمَّةُ في عصرها الحاضر.

وهذا راعي أبي بكر، وهو عامر بن فهيرة رضي الله عنه وأرضاه؛ فلقد كان يمرُّ بغَنمه على المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر ليُخفي آثارَ أسماء وعبدالله، ويَسقي النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وأبا بكر من لبن الغنم، كل ليلة يفعل ذلك.

واستأجر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- رجلاً كافرًا، وهو عبدالله بن أُريقط؛ ليدلَّه على الطريق؛ ليُبيِّن لنا النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أننا لا بدَّ وأن نستعين بالكفاءات حتى ولو كانوا من غير المسلمين.

قال ابن القيِّم رحمه الله: "في استئجار النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- لعبدالله بن أريقط الدؤلي هاديًا في وقت الهجرة - وهو غير مسلم - دليلٌ على جواز الرُّجوع إلى غير المسلمين في الطبِّ والأدوية، والكتابة والحساب ونحوها، ولا يَلزم من مجرَّد كونه غير مسلم أن لا يُوثَق به في شيء؛ فإنَّه لا شيء أَخطر من الدلالة في الطريق، ولا سيما في مثل طريق الهجرة"؛ بدائع الفوائد (3 / 208).

فهل نتعلَّم من رسول الله معنى التَّنظيم والتخطيط لحياتنا ولأمورنا؟

فهل نَهجر الفوضى والخمول والكسَل؟

فيا عباد الله، ها هو عامٌ قد مضى، وعام جديد قد أتى، فهل سيكون العام الآتي مثل الماضي؟

أحبابَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، من الهجرة نتذكَّر:

4- الهجرة الأولى.. (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) [المدثر: 5]:

هي الهِجرة الأولى، وهي الهجرة الباقية؛ هجرة غير مرتبطة بالزَّمان والمكان.

هجرة أمَرَ الله بها نبيَّه -صلى الله عليه وسلم- في بداية الدَّعوة في الآية الخامسة من سورة المدثِّر، وقيل: إنَّ سورة المدثِّر هي السورة الثانية في النزول بعد سورة العلَق.

نعم، هي الهجرة الأولى، هي هجرة المعاصي والذُّنوب، وهجرة مساوِئ الأقوال والأفعال والعادات.

وها هو رسولُ الله يؤكِّد على هذا المعنى من الهجرة، فعن عبدالله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: ((المسلمُ مَن سَلِم المسلمون من لِسانه ويده، والمهاجِرُ من هَجَر ما نهى اللهُ عنه))؛ صحيح البخاري.

وعن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: ((المسلمُ من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمنُ من أَمِنه الناسُ على دمائهم وأموالهم، والمهاجِرُ من هجَر السيئات، والمجاهدُ من جاهد نفسَه لله))؛ صحيح.

وحثَّنا رسولُ الله على الاستقامة على الهجرة القلبيَّة من الذنوب والمعاصي؛ فعن أبي فاطمة الإيادي -رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسولَ الله، حدِّثني بعملٍ أستقيم عليه وأعملُه، قال له رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: ((عليك بالهِجرة؛ فإنَّه لا مثل لها))؛ صحيح الجامع.

بل بيَّن النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أنَّ الهجرةَ إلى الله وعبادته، والبكاء من خشيته، وطلب عَفوه ورحمته، في وقتِ لَهو النَّاس وانشغالِهم، ولعبهم وعصيانهم - كأَجر الهجرة إليه -صلى الله عليه وسلم-؛ فعن مَعقل بن يسار -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: ((عبادةٌ في الهَرج والفتنة كهجرةٍ إليَّ))؛ أخرجه مسلم.

فما أحوجنا يا عبادَ الله إلى الهجرة!

فالأخلاق السيئة تحتاج إلى هِجرة.

التكاسُل في العبادة يحتاج إلى هجرة.

إهمال صَلاة الجماعة يَحتاج إلى هجرة.

النومُ عن صلاة الفجر يَحتاج إلى هجرة.

هَجر القرآن يَحتاج إلى هجرة.

إهمالك لأسرتك وأهلك يَحتاج إلى هجرة.

عقوق الوالدين يَحتاج إلى هجرة.

علاقات الحبِّ المحرَّمة تَحتاج إلى هجرة.

إطلاق البَصر في الحرام يَحتاج إلى هجرة.

الفوضى والعشوائيَّة وعدم تَنظيم الوقت يَحتاج إلى هجرة.

فما أحوجنا في بداية عامنا هذا أن يَجعل كلُّ واحدٍ منَّا لنفسه خطَّةً وبرنامجًا إيمانيًّا بَينه وبين ربِّه، وخطَّةً أسريَّة بينه وبين أهله، وخطَّةً اجتماعيَّة بينه وبين الناس!

وما أحوجنا إلى أن نهاجِر إلى الله بقلوبنا وأرواحِنا! فنعيش لله وبالله وفي الله ومع الله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

• القرآن الكريم.

• صحيح البخاري ومسلم.

• التفسير التربوي للقرآن الكريم - تأليف: أنور الباز.

• السيرة النبوية - عرض وقائع وتحليل أحداث؛ د. علي الصلابي.

• بدائع الفوائد؛ الإمام ابن القيم.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة