شرح حديث مراتب الدين (من الأربعين النووية)
عدد القراءات : 19

عن عمر -رضي الله عنه- أيضًا قال: بينما نحن جلوسٌ عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يومٍ إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشَّعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحدٌ، حتى جلس إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا))، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: فأخبرني عن الإيمان، قال: ((أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره))، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك))، قال: فأخبرني عن الساعة، قال: ((ما المسؤول عنها بأعلمَ من السائل))، قال: فأخبرني عن أمارتها، قال: ((أن تلِدَ الأمَة ربَّتَها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان))، ثم انطلق، فلبثت مليًّا، ثم قال: ((يا عمر، أتدري من السائل؟))، قلت: الله ورسوله أعلم، قال: ((فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم))؛ رواه مسلم.

منزلة الحديث:

هذا الحديث الشريف أصل من أصول الدين، يتضمن أركان الإسلام الخمسة، وأركان الإيمان الستة، وأركان الإخلاص لله وحده لا شريك له، والساعة وأشراطها وآدابًا ولطائف كثيرة، وتسمية الإيمان والإسلام والإحسان كلها دينًا[1].

قال القاضي عياض -رحمه الله-: هذا حديث عظيم قد اشتمل على جميع وظائف الأعمال الظاهرة والباطنة، وعلوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه[2].

قال ابن رجب: هو حديث عظيم الشأن جدًّا، يشتمل على شرح الدين كله؛ ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم))، بعد أن شرح درجة الإسلام، ودرجة الإيمان، ودرجة الإحسان، فجعل ذلك كله دينًا[3].

قال القرطبي - رحمه الله -: فيصلح في هذا الحديث أن يقال فيه: إنه أم السنة؛ لما تضمنه من جمل علم السنة، كما سميت الفاتحة: أم القرآن؛ لما تضمنته من جمل معاني القرآن[4].

غريب الحديث:

الرواية رواية مسلم: أمارتها: جمع أمارة، وهي العلامة.

الأمَة: المملوكة.

العالة: جمع عائل، وهو الفقير، من عال؛ أي: افتقر.

رعاء: جمع راع.

الشاء: الضأن والماعز، والواحدة شاة.

مليًّا: وقتًا غير قصير.

شرح الحديث:

((إذ طلع علينا))؛ أي: ظهر لنا ((رجلٌ)) هو جبريل - عليه السلام - أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- في صورة رجل لا يعرفونه، وكان في الغالب يأتيه في صورة دحية الكلبي الصحابي، وكان أجمل أهل زمانه، وأحسنهم صورة.

((شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر))؛ أي: شعر اللحية، كما وقع مصرحًا به في رواية لابن حبان[5].

((لا يرى عليه أثر السفر))؛ أي: علامة سفر أو هيئة سفر من غبرةٍ أو شعوثة، ((ولا يعرفه منا أحدٌ))؛ أي: معشر الصحابة.

((فأسند))؛ أي: ألصق ((ركبتيه إلى ركبتيه))؛ أي: وضع الرَّجل ركبتيه متصلتين بركبتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

((ووضع كفيه على فخذيه))؛ أي: فخذَيْ نفسه جالسًا على هيئة المتعلم، كذا ذكره النووي، وأنه أقرب إلى التوقير، وأشبه بسمت ذوي الأدب، وقيل: أي وضع كفيه على فخذي الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ذكره البغوي وغيره، ورجحه ابن حجر، أراد بذلك المبالغة في تعمية أمره؛ ليقوى الظن بأنه من جفاة الأعراب[6]، والله أعلم.

((وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام))؛ أي: عن حقيقته، وناداه باسمه، قيل: لأن ذلك قبل التحريم، أو لأن الحرمة مختصة بالآدميين دون الملائكة.

فإن قيل: كيف بدأ بالسؤال قبل السلام، أجيب بأنه يحتمل أن يكون ذلك مبالغة في التعمية لأمره، أو ليبين أن ذلك غير واجب، أو سلم فلم ينقله الراوي[7].

((قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-)) مجيبًا له: ((الإسلام أن تشهد))؛ أي: تعلم وتصدق وتسلم ((أن لا إله إلا الله))؛ أي: لا معبود بحقٍّ إلا الله، ((وأن محمدًا))؛ أي: وتشهد أن محمدًا ((رسول الله)) بذلك، ((و)) أن ((تقيم الصلاة))؛ أي: تأتي بها بأركانها وشروطها، وتواظب عليها في أوقاتها، ((و)) أن ((تؤتي الزكاة))؛ أي: تؤديها على وجهها الشرعي؛ بأن تعطيها لمستحقيها، أو للإمام ليدفعها لهم، والزكاة لغةً: النمو والزيادة، يقال: زكا المال إذا نما وطاب؛ لأنها تنمي المال بالبركة، أو سبب في نموه وزيادته، ومنه قول نابغة بني ذبيان:

وما أخَّرتَ من دنياك نقصٌ***وإن قدَّمْتَ عاد لك الزَّكاءُ

((و)) أن ((تصوم)) شهر ((رمضان))، والصوم في اللغة: الإمساك والكف عن الشيء، ومنه قوله تعالى: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) [مريم: 26] أي صمتًا، كذا قال ابن عباس -رضي الله عنه- والضحاك[8].

فائدة:

الصيام عن الكلام ليس من شريعة الإسلام، قال ابن قدامة في المغني: وظاهر الأخبار تحريمه، فإن نذر لا يلزمه الوفاء به، ولا خلاف فيه بين الشافعية والحنفية، وبه قال ابن المنذر، ولا نعلم فيه خلافًا[9].

فقد روى البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب أيام الجاهلية، عن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكرٍ -رضي الله عنه- على امرأةٍ من أحمس يقال لها: زينب، فرآها لا تكلم، فقال: (ما لها لا تكلم؟)، قالوا: حجت مصمتةً، قال لها: (تكلمي؛ فإن هذا لا يحل؛ هذا من عمل الجاهلية)، فتكلمت[10].

وجائز قول رمضان دون أن يضاف إلى شهر؛ كما قال القرطبي -رحمه الله-: فيه جواز استعماله غير مضاف إلى شهر، وهو مذهب البخاري والمحققين؛ لخبر: ((إذا دخل رمضان، فتحت أبواب الجنة))، وقيل: يكره استعماله بلا إضافة شهر، نقله عياض وغيره، وقيل: يجوز بقرينة؛ كصمنا رمضان، ويكره بدونها؛ كجاء رمضان، والصحيح جواز إطلاق رمضان من غير إضافة، كما ثبت في الصحاح وغيرها[11].

روى البخاري عن أبي هريرة: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إذا جاء رمضان، فتحت أبواب الرحمة))[12].

تمام شرح الحديث:

وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لجبريل عليه السلام: ((أن تصوم رمضان))؛ أي: تمتنع عن جميع المفطرات في أيامه، ((و)) أن ((تحج البيت))؛ أي: تقصد بيت الله الحرام في زمن مخصوص بنية لأداء المناسك من طواف وسعي ووقوف بعرفة وغيرها[13]، ((إن استطعت إليه سبيلًا))؛ أي: قدرت على الوصول إليه بدون مشقة عظيمة، مع الأمن على النفس والمال، ووجود مؤن السفر.

((قال))؛ أي: الرجل ((صدقت))؛ أي: فيما أجبت به، قال عمر -رضي الله عنه-: ((فعجبنا له))؛ أي: منه ((يسأله ويصدقه))، قال ابن دقيق العيد: إنما تعجبوا من ذلك؛ لأن ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يعرف إلا من جهته، وليس هذا السائل ممن عُرف بلقاء النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا السماع منه، ثم هو قد سأل سؤال عارف محقق مصدق، فتعجبوا من ذلك[14].

((قال))؛ أي: الرجل ((فأخبرني عن الإيمان، قال))؛ أي: النبي -صلى الله عليه وسلم- مجيبًا عن ذلك: ((أن تؤمن بالله))؛ أي: بوجوده وربوبيته، وألوهيته وأسمائه وصفاته[15].

((وملائكته))؛ أي: أن تؤمن بملائكته، بأنهم عباد مكرمون، لا يسبقونه بالقول، وهم بأمره يعملون، وقد رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- جبريل عليه السلام وله ستمائة جَناح، قد سد الأفق، على خلقته التي خلق عليها، ((وكتبه))؛ أي: تؤمن بكتبه التي أنزلها على رسله؛ ? لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ ? [الحديد: 25].

ومعنى الإيمان بها: التصديق بأنها كلام الله تعالى، وأن جميع ما تضمنته حق، فهذا على سبيل الإجمال، أما تفصيلًا فإن الكتب السابقة جرى عليها التحريف والتبديل والتغيير، فلا يمكن للإنسان أن يميز بين الحق منها والباطل، أما العمل بها فالعمل إنما هو بما نزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- فقط، أما ما سواه فقد نسخ بهذه الشريعة.

((ورسله))؛ أي: وأن تؤمن برسله، بأن تصدق بأن الله تعالى أرسلهم إلى الخلق؛ لهدايتهم إلى طريق الحق، وأنهم صادقون في جميع ما جاؤوا به عن الله تعالى، وأنه يجب احترامهم، وألا نفرق بين أحد منهم، ونؤمن إجمالًا بمن لم نعرفه بعينه، وتفصيلًا بمن عرفناه بعينه؛ قال تعالى: ? وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ? [غافر: 78]، وأولهم نوح، وآخرهم محمد عليه السلام، ومنهم الخمسة أولو العزم، الذين جمعهم الله تعالى في آيتين، فقال تبارك وتعالى في سورة الأحزاب: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) [الأحزاب: 7] وقال في سورة الشورى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) [الشورى: 13].

((واليوم الآخر))؛ أي: وأن تؤمن باليوم الآخر؛ لأنه آخر أيام الدنيا، أو آخر الأزمنة المحدودة، والمراد بالإيمان به: التصديقُ بما يقع فيه من الحساب والميزان، والجنة والنار.

((وتؤمن بالقدر خيره وشره))؛ أي: بأن تعتقد وتصدق بأن الله محيط بكل شيء علمًا، جملةً وتفصيلًا، أزلًا وأبدًا، وأن الله كتب في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء إلى قيام الساعة، وأن كل ما يحدث في الكون بمشيئة الله -عز وجل-، لا يخرج شيء عن مشيئته، وأن الله خلق كل شيء.

((قال))؛ أي: الرجل السائل ((صدقت))؛ أي: فيما أخبرتني به.

ثم ((قال: فأخبرني عن الإحسان)) يعني به الإخلاص.

((قال))؛ أي: النبي -صلى الله عليه وسلم- ((أن تعبد الله كأنك تراه))؛ أي: إحسان العبادة والإخلاص فيها والخضوع وفراغ البال حال التلبس بها، ومراقبة المعبود[16].

((فإن لم تكن تراه فإنه يراك))؛ أي: فإن لم تكن في عبادته كأنك تراه بأن أغفلت عن تلك المشاهدة، فاستمر على إحسان العبادة، واستحضر أنك بين يدي الله تعالى، وأنه مطلع على سرك وعلانيتك؛ ليحصل لك أصل الكمال.

((قال))؛ أي: الرجل ((فأخبرني عن الساعة))؛ أي: عن وقت مجيئها، ومتى تقوم، والمراد بها القيامة، وسميت ساعة؛ لأنها تأتي الناس بغتة في ساعةٍ، فيموت الخلق كلهم مكانهم بصيحة واحدة؛ قال تعالى: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) [محمد: 18] أي: علاماتها.

وقسم العلماء علامات الساعة إلى ثلاثة أقسام: قسم مضى، وقسم لا يزال يتجدد، وقسم لا يأتي إلا قرب الساعة تمامًا، وهي الأشراط الكبيرة العظمى؛ كنزول عيسى ابن مريم -عليه السلام-، والدجال، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها[17].

((قال))؛ أي: النبي -صلى الله عليه وسلم- ((ما المسؤول عنها بأعلم من السائل))، عدل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن قوله: لست بأعلم بها منك، إلى لفظ يشعر بالتعميم؛ تعريضًا للسامعين؛ أي: إن كل مسؤول وكل سائل فهو كذلك[18].

قال النووي - رحمه الله -: فيه أنه ينبغي للعالم والمفتي وغيرهما إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم، وأن ذلك لا ينقصه، بل يُستدَلُّ به على ورعه وتقواه، ووفور علمه[19].

((قال))؛ أي: الرجل: ((فأخبرني عن أمارتها))؛ أي: علاماتها ومقدمتها قبل قيامها، تدل على قربها، ((قال))؛ أي: النبي -صلى الله عليه وسلم- مجيبًا له عن ذلك، ((أن تَلِدَ الأمَة ربتها))، قيل: المراد أن يستولي المسلمون على بلاد الكفار، فيكثر التسري، فيكون ولد الأمَة من سيدها بمنزلة سيدها؛ لشرفه بأبيه، وعلى هذا فالذي يكون من أشراط الساعة استيلاء المسلمين على المشركين، وكثرة الفتوح والتسري، وقيل: معناه: أن تفسد أحوال الناس حتى يبيع السادة أمهات أولادهم، ويكثر تردادهن في أيدي المشترين، فربما اشتراها ولدها ولا يشعر بذلك، فعلى هذا الذي يكون من أشراط الساعة غلبةُ الجهل بتحريم بيعهن، وقيل: معناه: أن يكثر العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أمه معاملة السيد أَمَتَه من الإهانة والسب[20].

((وأن ترى الحفاة)) جمع حافٍ، وهو مَن لا نعل له، ((العراة)) جمع عارٍ، وهو مَن لا شيء على جسده، والمراد هنا: من ليس عليه ثياب أشراف الناس، ((العالة)) قال النووي -رحمه الله-: أما العالة فهم الفقراء، والعائل الفقير، والعَيلة الفقر[21]؛ اهـ.

وقيل: العالة: جمع عائل، وهو الفقير، أو من عال يعول إذا افتقر وكثر عياله[22]؛ اهـ.

((رعاء الشاء)) جمع راعٍ، والمراد الأعراب وأصحاب البوادي.

((يتطاولون في البنيان)) قال النووي -رحمه الله-: إن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة تبسط لهم الدنيا حتى يتباهون في البنيان؛ اهـ، وتكثر أموالهم وتـنصرف هممهم إلى تشييد البنيان وزخرفته، حتى إنهم يتباهون ويتفاخرون به، فيقول الواحد منهم لصاحبه: بنياني أطول من بنيانك، ويقول الآخر: بنياني أحسن من بنيانك، يقولون ذلك عجبًا وكبرًا، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((يؤجر ابن آدم في كل شيء إلا ما دفعه في هذا التراب))[23]، وقال: ((يؤجر الرجل في نفقته كلها إلا التراب، أو قال: في البناء))[24]، واعلم أن إطالة البنيان لم تكن معروفة في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل كان بنيانهم بقدر الحاجة، وعن الحسن البصري - رحمه الله - أنه قال: كنت وأنا مراهق أدخل بيت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- في خلافة عثمان، فأتناول سقفها بيدي.

قال عمر -رضي الله عنه-: ((ثم انطلق))؛ أي: ذهب الرجل السائل ((فلبثتُ))؛ أي: مكثت لا أدري من الرجل ((مليًّا))؛ أي: زمنًا طويلًا، وهو ثلاثة أيام، كما في رواية الترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهما،[25] وفي شرح السنة للبغوي (بعد ثالثة)، وظاهر هذا: أنه بعد ثلاث ليال، وفي ظاهر هذا مخالفة لقوله في حديث أبي هريرة بعد هذا: ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ردُّوا عليَّ الرَّجل))، فأخذوا ليردوه فلم يروا شيئًا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((هذا جبريل))، فيحتمل الجمع بينهما أن عمر -رضي الله عنه- لم يحضر قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم في الحال، بل كان قد قام من المجلس، فأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- الحاضرين في الحال، وأخبر عمر -رضي الله عنه- بعد ثلاث؛ إذ لم يكن حاضرًا وقت إخبار الباقين، والله أعلم.

((ثم قال))؛ أي: النبي -صلى الله عليه وسلم- ((يا عمر، أتدري))؛ أي: أتعرف ((من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم)) وتخصيص عمر بالنداء من بين الحاضرين يدل على جلالته ورفعة مقامه عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا يخفى ما في قول عمر ((الله ورسوله أعلم)) من حسن أدب، من جهة تفويض العلم إليهما، ويؤخذ منه أن التلميذ إذا سأله شيخه عن شيء هل يعلمه أم لا، لا يقول: أعلم؛ لأنه إن لم يعلمه فقد كذب، وإن علمه حرم من بركة لفظ أستاذه، ومن فائدة يستفيدها زيادة على ما عنده، بل يقول: الله أعلم.

((قال))؛ أي: النبي -صلى الله عليه وسلم- ((فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم))؛ أي: يبين لكم أمر دينكم بسؤاله.

الفوائد من الحديث:

1- استحباب التجمل للقادم على العلماء وأهل الفضل.

2- على القادم أن يستأذن المجتمعين ويسلم عليهم.

3- ينبغي للسائل أن يتحلى بالشجاعة الأدبية.

4- يجب على المسؤول أن يكون متواضعًا.

5- إذا جهل المسؤول شيئًا، فلا عيب عليه أن يقول: لا أدري.

6- أن الملائكة قد تتمثل بصورة إنسان.

7- ينبغي لمن حضر مجلس العالم إذا علم بأهل المجلس حاجة إلى مسألة لا يسألون عنها أن يسأل هو عنها.

8- رفق العالم بالسائل، وأن يدنيه منه ليتمكن من سؤاله، وأن السائل ينبغي أن يرفق في سؤاله قدر الحاجة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الإلمام بدراسة الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، لـ: مصعب بن عطا الله الحايك (402).

[2] شرح مسلم للقاضي عياض (1/ 204 ح 8).

[3] جامع العلوم والحكم (1/ 53).

[4] المفهم شرح مسلم، للقرطبي (1/ 152).

[5] الإحسان في ترتيب ابن حبان (1/ 390 ح 168).

[6] فتح الباري (1/ 142 ح 50)، شرح مسلم للنووي (1/ 141 ح 8)، حاشية السندي على سنن النسائي (8/ 474 ح 5005).

[7] تحفة الأحوذي (7/ 289 ح 2738).

[8] تفسير ابن كثير (3/ 124).

[9] المغني مع الشرح (3/ 149)، روح المعاني للألوسي (16/ 539) عند قوله تعالى: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) [مريم: 26]، وانظر فتح الباري (7/ 185 ح 3834).

[10] (3/ 51 ح 3834).

[11] تفسير القرطبي (2/ 195)، شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك (2/ 205 ح 638).

[12] (2/ 30 ح 1898)، و(1/ 30 ح 5).

[13] الروض المربع (3/ 500)، حاشية ابن عابدين (2/ 400).

[14] شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد (9).

[15] تعليقات على الأربعين النووية لابن عثيمين (6).

[16] شرح السيوطي على سنن النسائي (8/ 473 ح 5005).

[17] تعليقات على الأربعين النووية لابن عثيمين (9).

[18] شرح السيوطي على سنن النسائي (8/ 473 ح 5005).

[19] شرح مسلم للنووي (1/ 142 ح 8).

[20] شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد (11)، فتح الباري (1/ 149 ح 50).

[21] شرح مسلم للنووي (1/ 142 ح 8).

[22] تحفة الأحوذي (7/ 292 ح 2738).

[23] رواه البخاري (5240).

[24] رواه الترمذي (2483).

[25] الترمذي (2610)، النسائي (5005) ابن ماجه (63).

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة