كلمات في التربية: تربيتنا بين الإنسان والآلة
عدد القراءات : 43

كلمات في التربية [*]

تربيتنا بين الإنسان والآلة:

مقدمة: تغييب الإنسان:

في العمليَّة التربويَّة تبرز اليوم أهمية استحضار الإنسان "موجودًا"، لا سيما في عصرٍ تَراجَع فيه حضورُه لمصلحَة الموجات الطويلة والقَصيرة، والكابلات، والذبذَبات، والشاشات!

الفضاء الإلكتروني موجود، ويقوم بدَوره على أحسن وجه، ولكنه فضاء! والإنسان موجود، ولكنَّنا ننسى وجودنا كآباء وأمَّهات نَحضن أبناءنا ونضمهم.

ولعلَّ هذا الاستحضار يَغدو طوعًا من خلال هذه "الكلمات" لتنشيط الذَّاكرة البشريَّة لا الإلكترونية.

منارات تربوية في القدوة وعلاقتنا مع الأبناء:

1 - اسألوا اللهَ من فضله، وقولوا: الحمد لله الذي آتانا هذا الطِّفل، وهذه الذريَّة، لا تنكصوا وقد تعهَّدتم لله تعالى: (لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) [الأعراف: 189].

ومن العناصر الأساسيَّة لشكر الله تحقيقُ هدفِ حُسن التربية، قال تعالى: (وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) [الزمر: 7]، (يَرْضَهُ لَكُمْ) وليس مِنكم! فشُكر الله هو لنا، منافعُه كثيرة، وعلى رأسها أنه ينيلنا رِضاه سبحانه في سَعينا لحِفظ العهد وأداء الأمانة التي (حَمَلَهَا الْإِنْسَانُ) [الأحزاب: 72]، والتي من أهمِّ مفرداتها حُسْن تربية الذريَّة بشكلٍ عام في جميع الأمم، في مسيرة البَشر لتحقيق الهدف الرئيس العام لوجودنا؛ عبادة الله وحدَه (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56].

ونعلم أنَّ الشُّكر: هو ظهور أثَر النِّعمة على العبد، سبحان الله، والذريَّة من نِعَمه العظيمة، فلنَشكره بالحِفاظ عليها وتَنميتها وتَزكيتها، ليس جسمًا وحسب، بل نفسًا وروحًا بما يرضِيه تعالى.

وانظر كيف أنَّ عبادة الله وحده هي أَكمل صورة لشُكره: قال تعالى لنبيِّه ولنا من ورائه: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) [الزمر: 66].

2 - لا ننسَ أنَّ قدوتنا في التربية هو الحبيب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد كاد يَكون كلُّ من حوله بمثابة أولاده، ولكن أكرم الله تعالى بعضَهم، مثل: زيد وأنس، وأسامة الحِبِّ بن الحِب - بنفحاتٍ ممَّا يكون بين الأب وابنه من تلاقٍ، وبتواصل مباشر يتخلَّل صحبتَهم له في أعمارهم الغضَّة، وتزوُّدهم من مشكاة النبوَّة عمومًا، وفي المجال التربوي خصوصًا، وكان عليه أفضل الصلاة وأتمُّ التسليم يخصهم رغم مشاغِله وأعبائه العظيمة في تلقِّي وتبليغ الرِّسالة ومهامِّ القيادة، بجلسات وأحاديث؛ بل وأسرار، تخيَّل!

بينما أحدنا اليوم يَترك أولادَه للمربِّيات غير المسلمات، بحجَّة المشاغل! ويحدِّثهم بالرَّسائل عبر الجوَّالات ولو كانوا في الغرفةِ المجاورة، بحجَّة أنَّها أسرع!

والغالب جَعل تلك السِّيرة التربويَّة العطرة من قِبل الكتَّاب والمحلِّلين مجالاً لاقتداء المربِّين العامِّين خارج نطاق الأسرة؛ كالمعلمين، ولكنَّني أجدها قَبل وفوق ذلك مناراتٍ للآباء والأمَّهات! لا سيما وقد كان له -صلى الله عليه وسلم- مع بناته وأحفاده - بل ومع ابنة زوجته، تخيل! - قبسات تربويَّة ومداعبَة وملاعبة، وكان عليه أفضل الصلاة وأتمُّ التسليم يأخذ أسامةَ بن زيد فيُقعده على فخذه، ويُقعد الحسنَ على فخذه الأخرى، ثمَّ يضُمهما، ثمَّ يقول: ((اللهمَّ ارحمهما؛ فإنِّي أَرحمهما))[1].

بينما - مع الأسف - يَسود الجفاءُ والجفاف العاطِفي في العلاقة مع الولد، ومِن قِبل الآباء أكثر منه من قِبل الأمَّهات! وأنت عندما تَقرأ مثلاً أنَّ الحبيبَ كان يَرتحله الحسَنُ والحسين في صلاته[2]، فأنت قد تحاول تخيُّل المشهد، هذا إن لم تمرَّ عليه سريعًا، ولكنَّك لن تعنت حتى في تطبيقه مع أبنائك - وليس فقط تخيله - إذا كان أبوك يفعل ذلك، وكذلك سيَفعل ولدك مع أولاده، رحم الله أبي!

3 - ولأنَّ التربية الصَّالحة قُربة عظيمة، ومِن أرجى الأعمال في مِيزان ربِّ السموات والأرض، فلا عجب أنِ استحَقَّ لقمان أن تسمَّى سورة باسمِه، وتتنزَّل فيها آيات خلَّدَت مع ذكره ذِكر ابنه، وتُتلى آناءَ الليل وأطراف النهار؛ فكن لولدك كلُقمان، وانظر كيف جالَس ابنَه؛ حدَّثه، ووعظَه، في لوحة قرآنيَّة مشرِقة.

التربية غطاء ووطاء:

• كن كريمًا، واجعل من ساعات يَومك وقتًا لمجالَسة أبنائك، فالتواصل البَشري مع ولدك بلَحمه ودمه، بالصوت والعين واللَّمس، ولغة الأنامل والعيون المرافقة - لا يماثِله شيء، ولا يعوِّضه شيء، معلومة لا شكَّ فيها، وابدأ بربع ساعة على الأقل!

وليس شرطًا أن تملك حكمةَ لقمان، بل أنت تَستفيد من تَجربته، وتجارب الحكماء والمربِّين عمومًا، وتقتدي أولاً بالحبيب -صلى الله عليه وسلم-.

وأبسط من ذلك: كلنا يتذكَّر جلساته مع أبويه، مع جدِّه أو جدَّته، مع عمٍّ أو خالة أو أي كبير بالأسرة، والمحظوظ مَن في جعبته منها ومن غيرها الوفير، طعم مختلِف، إحساس إنساني فِكري لا يعدله شيء، حتى عندما يَنقله أبرعُ الأدباء للورَق، أو أشرطة الصوت والصورة، يبهت، ويَبقى جماله الحقيقي وحيويَّته في جلساتك المباشرة مع أولادك وأنت تَحتضنهم، ولو كنتَ أبسط النَّاس في تعبيرك عن تلك الخبرات والذِّكريات.

وهذه أمثلة من حياة، ليسَت من شاشات:

• قال لي جدِّي ذات مساء والمطر يَنقر على النافذة..

أو: سأحكي لكم اليوم حكايةً رواها أبي لنا، وكانت أمِّي جالسة تنصت مَعنا:

• أمك، يعني جدَّتي؟! نعم يا ولدي.

أو: هل تَعلمون ما حصل لجدَّتي عندما كانت مسافِرة للحج؟

• جدتك، أبي، أبي أنت لك جدَّة مثل جدَّتي؟ أرني إيَّاها!

وقد ينبري الأخ الأكبر مسكتًا هذا الصَّغير الملحاح: رحمها الله، نحن لا نعرفها، فدعنا نَسمع.

 وانظر إلى وجوه الأولاد، ومنهم مَن يَفتح عينيه عن آخرها، ومنهم من يَعقد حاجبَيه باهتمامٍ، والذي يَبدو غير مكترث هو أول من يَستحثُّك لتتابع عندما تَسكت، ولكلِّ عمرٍ ما يناسبه، ولكن أحلى الجلسات هي التي تَجمعهم، وكلٌّ يَهتم بجزء من القصَّة ويستوضحك عنه، فإن فاتَه ذلك لَجأ لأمِّه أو لأخيه الأكبر فيما بعد.

ولا غرابة إنْ عَبثَ بعضُهم بشعرك أو نظَّارتك وهو يصغي، ولا عجب إن امتدَّت ربع الساعة لقرابة الساعة!

• ثمَّ إنَّ عليكم كآباء وأمهات تخصيصَ ربع ساعة على الأقل في وقتٍ آخر للإصغاء لولدكم، وبعض الأبناء يَندفع متحدثًا حتى لو لم تَسأله، لكن بعضهم يَرفض الحديثَ حتى عندما تَشعر أنَّ عنده مشكلة مع ابن الجيران، أو في المدرسة، أو ... ربَّما لأنَّه جرَّب قبل هذا وصُدم! وبالنِّسبة لجميع أفراد الأسرة فإنَّ "الإصغاء فنٌّ"، ولكن الإصغاء للطِّفل وللابن بشكل عام هو تَربية وتوسيع أُفق، وهو حبٌّ ومودَّة، وهو رِفق وحنان، وكل ما شئت، وهو استثمار رابِح بالمحصلة! فليحاول كلٌّ منَّا تربية مهارة الإصغاء لديه لا سيَّما لولده، متذكِّرين أنَّ التربية الصالحة غطاء ووطاء كما سنرى في المزيد.

حجج عصريَّة للتنصل:

• لا أملك الوقت:

حسنًا في الواقع تواصلك الفِكري المباشر مع أبنائك هو ضرورة، وليس ترفًا، وليس "حسب الوقت"، ثمَّ إنَّ هذه الرُّبع الساعة ستزيد تلقائيًّا؛ يقول النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ((نِعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من النَّاس: الصحَّة، والفراغ))، قال علماء الحديث: "مغبون: مغلوب؛ يَعني: كثيرٌ من النَّاس تضيع صحَّته وفراغه بغير فائدة، صحيح الجسم مُعافى في بدنه، وعنده فراغ، ولكن لا يَستعمل ذلك فيما ينفعه، وفيما يقرِّبه من الله"[3]، ولنتذكَّر أنَّ تربية الأولاد هي من أعظم القربات.

• لا أستطيع، لا أُحسِن هذا:

وهذه الحجَّة تَجعلك تُحِسُّ أنَّ بعض الآباء والأمَّهات الشباب هذه الأيام في شَأن التربية يتخبَّطون على أرضٍ جُرُزٍ، ومنهم من يُحاول ولو بجهد المقلِّ، ومنهم من لا يفعل مستسلمًا لـ "العناصر الدَّخيلة"، التي اصطلح عليها علماءُ التربية الغربيُّون كما سنرى، كما أنَّ بعضهم يحسِن الخوض في كلِّ المجالات، إلاَّ في مجال تَربية عقول وأرواح أطفالهم، غفر الله لنا ولهم، وأكرمَهم بالهادي الحادي.

إذ قبل الزَّواج، وبعده، ثمَّ بعد الحمل، يفكِّر الأبوان ويخطِّطان لكلِّ شيء، ويتحدَّثان عن جميع التفاصيل، إلاَّ موضوع الإعداد التربوي، وبالذَّات التربية الفِكريَّة والروحيَّة للضيف المنتظَر، رغم القاعدة التي نكرِّرها في كتاباتنا، وحَفظها أكثرُهم من كثرة ما سَمعوها وقرؤوها؛ وهي أنَّ تَربية الطِّفل تبدأ قَبل ولادته.

وكما تعتني الأمُّ بغذائها لتُرضِع وليدها، فإنَّ غذاء الروح يَعدل غذاءَ الجسم في الأهميَّة إن لم يتفوَّق عليه.

ولِمن لا يَملك خبرات مكتسبَة من بيئته وأهله، أو ثَقافة تربويَّة نظريَّة على الأقل، فليقتبس بعضها من مظانِّها، وليصنع بعضَها من خبراته اليوميَّة؛ فهكذا بدأَت حكايات الأجداد ونصائحهم لأبنائهم، التي يتوارثها الناسُ عبر الأزمان، والمصادرُ في متناول الجميع، وأولها كما أشرنا القرآن الكريم والسِّيرة النبويَّة، وابدأ التجربة مستفيدًا ممَّن سبقوك، لا سيما في شأن تَحويل الأفكار النظريَّة إلى خبرات عمليَّة.

• نحن في عصر مختلف لا تصلح معه أساليب الآباء والأجداد:

وهذه الحجَّة هي من أَشْيَع الحجَج!

ولكنَّها حجَّة ظاهرها رَفض الأسلوب، وحقيقتها رفضُ اللبِّ والمضمون!

وأقول للأهل المتمسِّكين بتلك الحجَّة، وأعرف منهم ملتزمين بدينهم: مَن قال لكم: إنَّ التوقُّف عند الأساليب المحنَّطة - كما توصف من قِبل روَّاد الحداثة - هي مَا يدعو له علماءُ التربية الإسلاميَّة؟! ولكن المشكلة أمام تَحقيق التربية الصَّالحة هي جزء من مشكلة "الثابت والمتغيِّر"[4]، هي في الحِفاظ على الثوابت - أو استردادها - بينما أنت تغيِّر الأساليب؛ وما نراه على أرض الواقِع يخالف ذلك بشدَّة! وسأنطلق في المناقشة من أفكار العلماء الغربيِّين، الذين يَنبهر بهم وبكلِّ ما يأتي منهم أنصارُ تلك الحجَّة وما يوافقها!

وأشير بدايةً إلى مقولات يتم تدَاولها على شبكات التواصل، هذه إحداها كما وصلَتني: "لم يَعد بوسعك مَنع أطفالك في زمن الانفِتاح التقني من الاطلاع على ما لا تَرضاه؛ المعركة اليوم معركة قنَاعات تُزرع، لا معركة أجهزة تُنزع".

وهذه العِبارة التي لم يحدَّد قائلُها هي غَيض من فَيض؛ اخترتُها للنِّقاش كونها قد تَلقى قبولاً عامًّا، فهي وجهة نَظر صحيحة جزئيًّا، ولأناقش الاحتجاج المذكور من خلالها:

لا بدَّ أولاً من الإشارة بإيجازٍ لأهمية التنبُّه للأضرار المثبتة علميًّا لهذه الأجهزة، التي تحتاج لمقال منفصل:

• الجسميَّة منها على الخلايا والأنسجة الغضَّة للطفل، التي تَصل حد التخريب المعطل أو السَّرطنة، مما دعا لمنعها دون الست السنوات من العمر في بعض دول العالم.

• والنفسيَّة الروحية؛ إذ لا تَخفى أضرارُها على النموِّ العَقلي العاطِفي، والقدرة على النُّطق والتواصل، وبالذات في السنوات الأولى من العمر، ومع الأسف تعطَى تلك الأجهزة اليوم لأطفالٍ أعمارهم دون السَّنة، بل ويتم تَسكيتهم بها عندما يبكون! (وقديمًا كانت الأمُّ التي تعطي ولدَها الأعشاب والأدوية التي تهدِّئه وتجعله ينام مناطَ انتقادٍ كبير، لا سيما عندما تصرُّ على استعمالها وتستمر، وهذه اليوم أدهى وأمرُّ!).

(المناط الحقُّ هو وقاية الطِّفل من الاطلاع على ما لا يُرضي اللهَ تعالى، فهذا أدقُّ ممَّا: "لا يرضيك" كما ورد في المقولَة أعلاه؛ إلاَّ إذا افترضنا أنَّهما أب وأم يرضيهما ما يُرضي اللهَ تعالى، وأنَّ أهل الطِّفل "ناس" سَلِمَت فطرتُهم، فهم مِن الذين يشملهم قوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) [الروم: 30].

(أهمِّية زرع القناعات مسبقًا: وهي فِكرة - نظريًّا - صحيحة تمامًا حتى من خلال نظريات التربية الغربية:

• إذ يقوم الطِّفل منذ الولادة وحتى نِهاية السَّنة الثانية من العمر - حسب قوانين علم النفس التربوي - بجَمع وتركيب بدائي للمعارف؛ ليحقِّق نموه المعرفي، وهذا يُبرز أهميَّة انتقاء المعارف التي تقدِّمها له.

• والأهم أنَّ ابنك بعد سنِّ الرابعة يَبدأ مستندًا لتلك الخبرات في التعامل مع ما يَطرأ عليه بطريقتين:

فهو يغيِّر الفكرَ والسلوك الطارئ ليتناسَب مع ما لديه، أو يغيِّر ما لديه ليتناسب مع الطارئ، وفق عمليتَي التمثل Representation، والمواءمة Accommodation حسب علماء النموِّ والتطور المعرفي مثل "بياجيه"[5].

• فالتمثل: هو تعديل وقولَبة (تشويه) - حسب لفظهم - الأشياء الطارئة لتتناسَب مع ما فُطر الطفل عليه، وما أُضيف له من خبرات تعمَّقَت لديه.

(ومقابله فإنَّ المواءمة تَعني "تعديل البنى المعرفيَّة والخبرات المتكونة لدى طفلك لتناسِب المدركات والخبرات الطارئة"، وعلى الهامش أشير إلى أنَّ هذا هو ما يطبقه "الفكر الحضاري" على مجتمعات بأكملها: بأطفالها وكهولها، يرونها بدائيَّة ولا بد من مواءمَتها معهم من خلال الغَزو الفكري الثقافي؛ ومن باب أولى تطبيقه على المهاجرين إليهم من تلك المجتمعات!

وهكذا فإن المواءمة في تِلك المرحلة من الطُّفولة التي تمَّ التمهيد لها منذ السَّنة الثانية من العمر، تُـحوَّرُ خلالها معارف الطفل وتُقولَبُ خبراته بما يرضي ويتناسب مع "العناصر الدخيلة" كما سمِّيَت في مؤلفات علماء التربية الغربيين، وأنت تدرك معي خطورةَ ذلك؛ لأنَّك بعد فترة من الغفلة أو التغافل عن هذه الحقائق العلميَّة في تربيتك لطفلك على الأرض! ستحصل على إنسانٍ مختلف، مخلوق غير الذي كنتَ تعرفه أو تحسبه سيكون.

ومعرفة هذا تَقتضي تربويًّا بشكل عام، وفي موضوع الحداثة والوسائل الحديثة بشكل خاص - ألاَّ نعرِّض الطِّفل مبكرًا وعشوائيًّا، بل وعمدًا كما يَفعل البعض، لتلك الأجهزة المحمولة وما فيها مثل، computers, smart - phones, iPods, video games، وأن نشرِف على ما يشاهده ونُحـْـسن انتقاءَ المضمون ونحدِّد مدَّة المشاهدة؛ وقبل ذلك أن نهيِّئه بالمبادئ والمرتكزات الفِكريَّة الأخلاقيَّة مما شرعه الله تعالى أبكر ما يمكن؛ ليتمكَّن من "التمثل" بتغيير الطارئ ليناسب ما عنده، ويكون خضوعُه للمواءمة مع العناصر الدَّخيلة محدودًا وبعيدًا عن الأصل الثابت لشجرة الكلمة الطيبة (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ) [إبراهيم: 24].

ماذا نغرس في وعي أبنائنا؟

(إنَّ الزَّرع البشري وما يرافقه من غراسٍ تربويَّة هو بحدِّ ذاته فِكرة قرآنيَّة، وتذكَّر وأنت تَزرع المبادئ والثوابت السليمة في وَعي طفلك - أنَّه هو بحدِّ ذاته زرع تتعهَّده وتتابعه حتى يستغلظ ويَستوي على سُوقه، قال تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) [الفتح: 29]، ومعنى (شَطْأَهُ): فراخه المتفرِّعة في جوانبه، (فَآزَرَهُ): فقوَّاه، ولكن الزرع يَحتاج إلى صبرٍ، ونفَس طويل، وبَذل أقصى الجهد.

وأقول وبإيجاز:

(إنَّ التربية الإيمانيَّة كما أشرتُ تَبدأ منذ النَّشأة الأولى وأبكر ممَّا قد نُقدِّر؛ أي: منذ مَرحلة تهيئة التُّربة للبذر، التي تقابلها مَرحلة الاختيار الأول للشَّريكين المؤسِّسينِ للأسرَة، فلا بدَّ للزارع أن يكون ملمًّا بعمله قَبل البذر، ومدركًا لمسؤوليَّته في المتابعة مع نموِّ النَّبت الغض وتنوُّع حاجاته الروحيَّة والتربوية؛ وكما نَعلم تَبدأ الأمَّة من الفرد والأسرة، وتتَّسِع الدائرةُ وتتشعَّب الأدوار في المدرسة والمجتمع، ولكن تبقى الأسرةُ هي الأساس وهي التربة الخيِّرة، والمحضن الذي سيَنطَلق منه المنتج البشري الأثمن كونيًّا، لإعمار الأرض، سبحان من حمَّلنا الأمانة.

(لا بدَّ من الاطمئنان أنَّ القيم التي زرَعها الأبوان أثمرَت قبل أن يخاطر بالاتجاهات الأخرى؛ بتعريض أبنائه لتلك المقذوفات من فوَّهات الأجهزة، التي لا تراعِي طفولةً ولا براءة؛ وهو تعبير من المراجع الغربيَّة الحديثة، لمن يقول: إنَّ أساليبنا عتيقة!

(ولا بدَّ من الحذر من الغفلَة، والمتابعة بعد تَحضير التربة وتقليبها لحُسن اختيار البذور والشتلات، ثمَّ حمايتها من الصقيع، ومن آفات الزَّرع، ثمَّ علاج تلك الآفات إن حدثَت، وهكذا فالتربية الصَّالحة تقتضي الإخلاص والصَّبر والاستمرار، لا سيما والطفولة في عصرنا تمتدُّ في أقل الحالات حتى عمر (18) عامًا، وتطيلها بعض القوانين حتى عمر (22) عامًا!

(والنقطة التي تَغيب عن أكثرنا: أنَّ سعينا المتفاني في تَأمين سعادة الأبناء بالطعام واللباس والأجهزة، والذَّهب والحرث وتأمين المستقبل المادِّي وإلخ، على أهميَّته، ليس هو الاستثمار الرَّابح، ولا تقوم له قائمة بغِياب التربيَّة الإيمانيَّة والبناء الأخلاقي المتين؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ما نَحل والدٌ ولدًا أفضلَ من أدب حسن)) صحيح، وصدَق الحبيب.

تطبيق عملي: كنتُ أشرتُ في بداية المقال لهذا المثال، أستَلهِمه من لقمان مع ولده، وفي كتاب الله تعالى آيات هي عن تِلك المبادئ التي يَجب غرسها مبكرًا، لتصبح منارات، وعن خير الوسائل لذلك؛ مثل وصايا لقمان.

وهذه اللوحة اللقمانيَّة يمكن توزيعها على أمسيات عديدة، وإن جمَعتَ أطفالك: فأنت تركِّز لكلِّ عمرٍ على جانب من الآيات؛ فابن الخامسة مثلاً: توجِز له عِلم الله تعالى بالغيب دون تَفصيل، ولكن تتوقَّف مع النَّاحية السلوكيَّة وتضاحكه مع ذِكر أَنكر الأصوات ليتجنَّبها؛ (وهذا ملحوظ في جيل اليوم)، وابن التاسعة تبيِّن له ضرَر الشِّرك بالله تعالى والشركاء المتشاكسين!

وإليكم الآيات مع بعض التدبُّر لها للاسترشاد وحسب، ثمَّ كل قارئ يتوسَّع بما يناسب أبناءه.

لقمان وولده:

كن لولدك كلقمان، عندما تحبُّ ابنك حقًّا وتخشى عليه، تعلِّمه كما علَّم لقمانُ ابنه، وكأنِّي بوصايا لقمان أول طريق النَّجاة للأبناء عبر ثلاث مراحل:

هي تربية قرآنيَّة للعقيدة:

• تُعلِّم أولادك من خلالها أنَّ خالقهم هو واحدٌ أحد، هو إله لطيف رؤوف، وأنَّه خبير بكلِّ ما في التلطُّف والخبرة من رِفق ومودَّة، وصلاحٍ وإصلاح!

قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) [لقمان: 13]، اتلُها عليهم واجعلهم يَتلُونها، واسألهم: كيف لنا أن نشرِك بربِّنا وإليه يَرجع الأمرُ كلُّه، ولو كان حبَّةً في صخرة؟! وهو اللَّطيف بكلِّ ابن وابنة، بكل طفلٍ وكل كبير، الخبير بما يَنفعهم؟!

وانظروا إخوتي من آباء وأمَّهات قول لقمان يَضرب مثلاً لولده، من قوله تعالى: (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) [لقمان: 16]، واضربوا بدوركم أمثالاً تناسِب أبناءكم[6]، منطلِقين إلى تِلك الأوجه الثَّلاثة التي أَوجزها الحكيمُ لابنه وأبنائنا عَبْر أكثر من جلسة، وهي:

• التوحيد، وتجنُّب أعظم ظلم؛ الشِّرك بالله تعالى، والفطرةُ السليمة تأباه، وحريَّة العباد لا تَرضى بعبَث شركاء متشاكسين!

• اليقين بقدرة الله تعالى التي تفوق أيَّ قدرة كونيَّة من الذرَّة لأعظم جرم في السماء والأرض.

• الركون إلى لُطفه ورَأفته بنا، والطمأنينة لخِبرته سبحانه؛ هو الخبير بأعمق أعماقنا الماديَّة والروحيَّة، فلا يرهقكم أبنائي بتكلِيف، ولا يثقل عليكم، ويشرِّع لكم ما يسعِدكم ويجنِّبكم الزلَل والخطأ.

وعلِّموا أنفسَكم وأنتم تعلِّمونهم: (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) [لقمان: 16]، في مقامكم معهم - أنَّها خِبرة الإصلاح والصَّلاح الحقيقي لنا، وليس للناشئة وحسب - غفر الله لنا ولهم - التي ستَنمو معهم عِندما يصبحون بدَوْرِهم آباء وأمهات ومربِّين.

• وهي تربية قرآنية للعبادة بالمعنى الشَّامل بأنَّها: "كل ما يحبُّه الله تعالى ويَرضاه من قول أو عمل"[7]، والشعائر جزء منها وحَسب، تحدِّثهم عن بعضها وأنت تتابع معهم الآيات: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [لقمان: 17]، وتَرفع همَّتَهم بالإشارة للصَّبر ولِعَزم الأمور بشكلٍ عام، أو عبر لمحات من قصص أولي العزم من الرُّسل في المزيد من تلك الجلسات الحميمة.

• وهي تربية قرآنية في ختامها للآداب السلوكيَّة؛ إذ لا بدَّ ليكتمل المسير في طريق الحقِّ بمناراته من خطوات تربويَّة عمليَّة تترجم الإيمان بالأسس السَّابقة لواقع سلوكيٍّ شامل متكامِل وتثبِّته في ضمائر الأبناء كما يفترض أنَّه في ضمائر من يَرعاهم، بدءًا من آداب الطَّعام وليس انتهاء بغضِّ البصر وأدب الاستئذان وأدب العالِم والمتعلم، ومنها التواضع حتى في المشية، قال تعالى من وصية لقمان لولده: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) [لقمان: 18]، ومنها خَفض الصَّوت تأدُّبًا، وما يقاس عليه من خصال وتصرفات حميدة: (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) [لقمان: 19].

ولا بدَّ قبل إنهاء تلك "الكلمات في التربية"[8]، من التوقُّف عند هذه الكلمات التربويَّة النبويَّة كما سمَّاها الحبيب -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ يعلِّمها لابن عمِّه الفتى رضي الله عنه، كلمات نتعلَّمها لنعلِّمها؛ إذ تُرينا بعظمتها كيف نثري عقولَ وقلوب أبنائنا، وكيف نَرقى بمستوى الناشئين فوق التَّفاهات التي تغرِق زرعَنا الغضَّ اليوم، فلا يكاد يَستوي ويَستغلِظ على سُوقه رغم سير الزمان!

عن أبي العباس عبدالله بن عبَّاس -رضي الله عنهما- قال: كنتُ خلفَ النبي -صلى الله عليه وسلم- يومًا، فقال: ((يا غلام، إنِّي أُعلِّمك كلمات: احفَظ الله يَحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سأَلتَ فاسأَل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله، واعلم أنَّ الأُمة لو اجتمعَت على أَن ينفعـوك بشيء لم ينفعوك إلاَّ بشيء قد كتبَه اللهُ لك، وإن اجتمعوا على أن يضرُّوك بشيء لم يضرُّوك إلاَّ بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعَت الأقلام وجفَّت الصُّحُف)) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح[9].

• وفي الختام، فإنَّ هذه الوصايا العظيمة القرآنيَّة والنبويَّة هي نموذج ملهِم لكلِّ مربٍّ، وعندما تحبُّ ابنك حقًّا وتَخشى عليه الضَّرر والفشل، فإنَّك ستجدُّ وتتعلَّم المزيد منها؛ لتقولها له وتَعيشها معه، ويراها متمثِّلة فيك، فيَقتدي تلقائيًّا.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[*] وهذه الكلمات التربوية من كتابي: تجارب تربوية ناجحة (مخطوط).

[1] حديث أسامة والحسن؛ في صحيح البخاري، وانظر للتوسُّع في الفكرة والمزيد من شواهدها: الأستاذ عبدالرحمن النحلاوي رحمه الله: أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع - ص 113، الطبعة الثالثة 2004 - 1425 هـ، وانظر كتابَه التربية الاجتماعية - نشر دار الفكر، دمشق.

[2] عن عبدالله بن شدَّاد عن أبيه قال: دُعي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لصلاة، فخرج وهو حامل حسَنًا أو حُسينًا، فوضعه إلى جنبه، فسجد بين ظَهراني صلاته سجدةً أطال فيها، قال أبي: فرفعتُ رأسي من بين الناس، فإذا الغلام على ظَهر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأعدتُ رأسي فسجدتُ، فلمَّا سلَّم رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- قال له القوم: يا رسول الله، لقد سجدتَ في صلاتك هذه سجدةً ما كنتَ تسجدها، أفكان يوحى إليك؟ قال: ((لا، ولكنَّ ابني ارتحلَني، فكرهتُ أن أعجله حتى يقضي حاجتَه))؛ عن إسلام ويب.

[3] كما قال الإمام ابن باز، عن موقعه، وفيه: هذا حديث صحيح عن ابن عباس.

[4] كتاب الثابت والمتغير؛ د. غنية النحلاوي - دار الفكر - دمشق.

[5] مجلة النور بيت التمويل الكويتي - حوارات الكرتون - د غنية النحلاوي (العدد 355 - أيار 2014)

وكتاب المرجع في طب الأطفال: Nelson Textbook of Pediatrics

[6] كتاب التربية بضرب الأمثال؛ الأستاذ عبدالرحمن النحلاوي رحمه الله - دار الفكر.

[7] كتاب العبودية؛ لابن تيمية، بمقدمة الأستاذ عبدالرحمن الباني / طبعة المكتب الإسلامي 1963.

[8] وهذه الكلمات التربوية من كتابي: تجارب تربوية ناجحة (مخطوط).

[9] وفي رواية الإمام أحمد: ((احفظ الله تجده أَمامك، تعرَّف إلى الله في الرَّخاء يعرفك في الشدَّة، واعلم أَنَّ ما أخطأَك لم يكن ليصيبك، وما أَصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أنَّ النصر مع الصبر، وأنَّ الفرج مع الكرب، وأن مع العسرِ يسرًا))؛ موقع إسلام ويب.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة