مـن أحكام عقد الإجارة
عدد القراءات : 13

من أحكام عقد الإجارة:

المرتع المشبع في مواضع من الروض المربع:

قوله: (وهي عقدٌ على منفعةٍ مُباحة معلومة من عينٍ مُعينة، أو موصوفة في الذِّمة مُدَّة معلومة، أو عملٍ معلوم، بعِوضٍ معلوم، وتصح بثلاثة شروط...) إلى آخره[1].

قال في ((الإفصاح)): ((واتَّفقوا على أن الإجارة من العقود الجائزة الشرعية[2]، وهي تمليك المنافع بالعِوض، وأن من شرط صحتها: أن تكون المنفعة والعِوض معلومين[3].

ثم اختلفوا هل تُملك الأجرة بنفس العقد؟

فقال أبو حنيفة[4]: لا تُملك بالعقد، وتجب في آخر كل يوم بقسطه من الأجرة.

وقال مالك[5]: لا تُملك المطالبة إلا يومًا بيوم، فأما الأجرة فقد ملكت بالعقد.

وقال الشافعي[6] وأحمد[7]: تملك الأُجرة بنفس العقد، وتستحق بالتسليم وتستقر بمضي المدة))[8]...

إلى أن قال: ((واختلفوا فيما إذا حوَّل المالك المستأجر في أثناء الشهر:

فقالوا: له أُجرة ما سكن، إلا أحمد[9]، فإنه قال: لا أجرة له، وكذلك قال: إن تحوَّل الساكن لم يكن له أن يَستَرِدَّ أُجرة ما بقي، فإن أخرجته يد غالبة كان عليه [أُجرة] ما سكن.

واختلفوا في العين المستأجرة هل يجوز لمالكها بيعها؟

فقال أبو حنيفة[10]: لا تُباع إلا برضا المُستأجر، أو يكون عليه دين يحبسه الحاكم عليه فيبيعها في دينه.

وقال مالك[11] وأحمد[12]: يجوز بيعها من المستأجر وغيره، ويتسلمها المشتري إذا كان غير المستأجر بعد انقضاء مُدَّة الإجارة، وعن الشافعي قولان[13]))[14].

وقال في ((المقنع)): ((والإجارة عقدٌ لازمٌ من الطرفين ليس لأحدهما فسخها، وإن بدا له قبل تقضي المدة فعليه الأُجرة، وإن حوَّله المالك قبل تقضيها لم يكن له أُجرة لما سكن، نصَّ عليه[15]، ويحتمل أن له من الأُجرة بقسطه، وإن هرب الأجير حتى انقضت المدة انفسخت الإجارة، وإن كانت على عمل خُيِّرَ المستأجِرُ بين الفسخ والصبر، وإن هرب الجَمَّال أو مات وترك الجِمَال أَنفق عليها الحاكم من مال الجَمَّال، أو أذن للمستأجر في النفقة عليها، فإذا انقضت الإجارة باعها الحاكم ووفى المُنفق وحفظ باقي ثمنها لصاحبه))[16].

قال في ((الحاشية)): ((قوله: وإن حوله المالك... إلى آخره، هذا المذهب[17]؛ لأنه لم يُسلم إليه ما تناوله عقد الإجارة، فلم يَستحق شيئًا، كما لو استأجره لحمل كتابٍ إلى بلد فحمله بعض الطريق، ويحتمل: أن له من الأُجرة بقسطه، وهو قول أكثر الفقهاء؛ لأنه استوفى ملك غيره على وجه المعاوضة فلزمه عوضه، كالمبيع إذا استوفى بعضه ومنعه المالك بقيته.

فائدة: وكذا الحكم لو امتنع الأجير من العمل، قاله في ((التلخيص))، قال في ((الشرح))[18]: وكل موضع امتنع الأجير من العمل فيه، أو منع المُؤَجِّرُ المُستَأْجِرَ من الانتفاع إذا كان بعد عمل البعض فلا أَجر له فيه على ما سبق))[19] انتهى.

وقال الشوكاني: ((كتاب الإجارة: تجوز على كل عمل لم يمنع منه مانع شرعي، وتكون الأُجرة معلومة عند الاستئجار، فإن لم تكن كذلك استحق الأجير مقدار عمله عند أهل ذلك العمل...

إلى أن قال: ومن أفسد ما استُؤْجِرَ عليه، أو أتلف ما استأجره ضمن))[20].

وقال الشيخ ابن سعدي:

((سؤال: من عمل لغيره عملاً فما له عليه؟

الجواب: لا يخلو من أحوال: إما أن يكون مُتبرِّعًا بعمله، فهذا ليس له شيء عليه، وإنما هو مُحسن، وإن كان عمل له بعوض، فإن كان محدود العمل ملزمًا به العامل فأجازه يجب المسمَّى إذا عمل له العمل، وهو عقدٌ لازمٌ من الطرفين، وإن كان العمل غير محدود، أو محدودًا غير مُلزَم به العامل فهو جَعَالَة، إذا حصل له العمل صار بمنزلة الإجارة في وجوب إيفاء الأُجرة، وقبل ذلك يكون العقد جائزًا من الطرفين، وإن كان بإذنه من غير أُجرة ولا جَعَالَة فله أُجرة المِثْلِ خصوصًا إذا كان مُستعدًا لذلك، كالحمَّال والحمامي، وصاحب سفينة والبنا ونحوه، وهذا أيضًا حُكمه كالإجارة.

والفرق بين الإجارة والجَعَالَة من وجوه:

أحدها: أن الإجارة عقد لازم والجَعَالَة عقد جائز.

ثانيها: أن الإجارة لابد أن يكون العمل معلومًا كالعوض، والجَعَالَة قد يكون معلومًا كـ: مَن بنى لي هذا البيت فله كذا، وقد يكون مجهولاً كـ: من ردَّ لُقَطَتِي فله كذا.

ثالثها: الإجارة تكون مع مُعَيَّن والجَعَالَة تكون مع مُعَيَّن وغير مُعَيَّن.

رابعها: الجَعَالَة أوسع من الإجارة، ولهذا تجوز على أعمال القُرَب كالأذان والإمامة وتعليم القرآن ونحوها بخلاف الإجارة.

خامسها: الجَعَالَة لا يستحق العِوَض حتى يعمل جميع العمل.

وأما الإجارة ففيها تفصيل يرجع إلى أنه إن لم يكمل الأجير ما عليه، فإن كان بسببه ولا عذر له فلا شيء له، وإن كان التعذر من جهة المُؤَجِّر فعليه جميع الأُجرة.

وإن كان بغير فِعْلِهما وجب من الأُجرة بقدرِ ما استوفى.

وإن كان عمله بغير أُجرة لفظية ولا عُرفية ولا جَعَالَة بإذنه، أو غير إذنه فلا شيء له إلا في تخليص ماله من مهلكةٍ فله أُجرة المثل.

وإن كان العمل الذي عمل لغيره أداء واجب عنه، وقد نوى الرجوع فإنه يرجع عليه))[21].

وقال البخاري: (((باب: الإجارة من العصر إلى الليل).

وذكر حديث أبي مُوسى -رضي الله عنه- عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: ((مَثَلُ المسلمين واليهود والنَّصارى كَمَثَل رجُل استأجر قومًا يعملون له عملاً يومًا إلى الليل على أجر معلوم، فعمِلوا له إلى نصف النهار، فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك الذي شَرَطتَ لنا، وما عَمِلنا باطل، فقال لهم: لا تفعلوا، أكملوا بقيّة عملكم، وخذوا أجركم كاملاً، فأبَوْا وتركوا، واستأجر آخرين بعدهم، فقال لهم: أكملوا بقية يومكم هذا ولكم الذي شرطت لهم من الأجر، فعَمِلوا حتَّى إذا كان حين صلاة العصر قالوا لك: ما عَمِلنَا باطل، ولك الأجر الذي جعلت لنا فيه، فقال لهم: أكمِلُوا بَقِيَّةَ عملكم، فإنَّ ما بقي من النهار شيء يسير فَأَبَوْا، واستأجر قومًا أن يعملوا له بَقِيَّةَ يومهم، فعَمِلوا بَقِيَّةَ يومهم حتى غابت الشمس، واستكملوا أجر الفريقين كِلَيهِما، فذلك مَثَلُهُم وَمَثَلُ ما قَبِلُوا من هذا النُّور))[22])).

وقال البخاري أيضًا: ((باب: أجر السَّمسَرَة.

ولم يَرَ ابنُ سيرين وعطاء وإبراهيم والحسن بأجر السِّمسار بأسًا.

وقال ابن عبَّاس: لا بأس أن يقول: بِعْ هذا الثوب فما زاد على كذا وكذا فهو لك.

وقال ابن سيرين: إذا قال: بِعْهُ بكذا فما كان من ربح فهو لك، أو بيني وبينك، فلا بأس به، وقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ((المسلمون عند شروطهم))[23]))[24].

وقال البخاري أيضًا: (باب: إذا استأجر أرضًا فمات أحدهما).

وقال ابن سيرين: ليس لأهله أن يُخرِجوه إلى تمام الأجل، وقال الحَكَم والحسن وإياس بن معاوية: تُمضَى الإجارة إلى أجلها، وقال ابن عُمر: أعطى النبي -صلى الله عليه وسلم- خيبر بالشَّطر، فكان ذلك على عهد النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وصدرًا من خلافة عُمر، ولم يُذكر أنَّ أبا بكر وعُمر جدَّدَا الإجارة بعد ما قُبِضَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-))[25].

قال الحافظ: ((قوله: (باب: إذا استأجر أرضًا فمات أحدهما)، أي: هل تُفسخ الإجارة أم لا؟ والجمهور[26] على عدم الفسخ))[27].

وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم: ((وسُئِل الشيخ عبدالرحمن بن حسن: إذا ترك الأجير شيئًا مما التزم به... إلى آخره.

فأجاب: أما مسألة الأجير فما التزمه لصاحب النخل، فإن قام به كله فله أُجرة المِثْل، فإن ترك شيئًا مما التزمه نقص من الأَجرِ بحسب ذلك، ولكن هذا يحتاج إلى نَظَر من له معرفة بهذه الأمور، ويتحرى فيها العدل من الجانبين لصعوبتها... وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: وأما الأجير إذا مات قبل تمام عمله، فللعلماء من أصحابنا وغيرهم في هذه المسألة ثلاثة أقوال:

أحدهما: لا يستحق شيئًا.

والثاني: يستحق بقسطه.

والثالث: إن ترك العمل لعذر شرعي يستحق وإلا فلا))[28].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] الروض المربع ص303.

[2] فتح القدير 7/ 147، وحاشية ابن عابدين 6/ 3- 4، والشرح الصغير 2/ 263- 264، وحاشية الدسوقي 4/ 2- 3، وتحفة المحتاج 6/ 121- 122، ونهاية المحتاج 5/ 261- 262، وشرح منتهى الإرادات 4/ 5، وكشاف القناع 9/ 31.

[3] فتح القدير 7/ 148، وحاشية ابن عابدين 6/ 5، والشرح الصغير 2/ 264، وحاشية الدسوقي 4/ 19- 20، وتحفة المحتاج 6/ 127 و6/ 141- 142، ونهاية المحتاج 5/ 266 و279- 280، وشرح منتهى الإرادات 4/ 8- 10، وكشاف القناع 9/ 33 و40.

[4] فتح القدير 7/ 152 و158، وحاشية ابن عابدين 6/ 10 و14.

[5] الشرح الصغير 2/ 266- 267، وحاشية الدسوقي 4/ 3- 4.

[6] تحفة المحتاج 6/ 126، ونهاية المحتاج 5/ 265.

[7] شرح منتهى الإرادات 4/ 72- 73، وكشاف القناع 9/ 143- 145.

[8] الإفصاح 2/ 297- 299.

[9] شرح منتهى الإرادات 4/ 52، وكشاف القناع 9/ 115.

[10] المبسوط 23/ 153- 154.

[11] حاشية الدسوقي 2/ 487، وشرح مختصر خليل للخرشي 4/ 160.

[12] شرح منتهى الإرادات 4/ 63، وكشاف القناع 9/ 127.

[13] تحفة المحتاج 6/ 199، ونهاية المحتاج 5/ 328.

[14] الإفصاح 2/ 302- 303.

[15] شرح منتهى الإرادات 4/ 52، وكشاف القناع 9/ 115.

[16] المقنع 2/ 211- 213.

[17] شرح منتهى الإرادات 4/ 52، وكشاف القناع 9/ 115.

[18] الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف 14/ 439.

[19] حاشية المقنع 2/ 211- 212، وانظر: الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 14/ 439.

[20] الدراري المضية شرح الدرر البهية 2/ 274.

[21] الإرشاد ص515- 516.

[22] رواه البخاري 2271.

[23] تقدم تخريجه 5/ 37.

[24] البخاري قبل الحديث 2274.

[25] البخاري قبل الحديث 2285.

[26] الشرح الصغير 2/ 282، وحاشية الدسوقي 4/ 33، وتحفة المحتاج 6/ 187- 188، ونهاية المحتاج 5/ 317، وشرح منتهى الإرادات 4/ 56، وكشاف القناع 9/ 122.

[27] فتح الباري 4/ 462.

[28] الدرر السنية 6/ 363- 364.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة