حصر الدين في الشعائر التعبدية
عدد القراءات : 37

في خضم ما يمر بأمتنا من أحداثٍ جسام، لا يفتأ المتابع والمتأملُ يسمع بحدث ويبحث عن موقفٍ منه حتى يفجأه حدثٌ آخر ينسيه الأول ومن آخرها: تلكم المظاهرات التي تعم بلدنا وغيرها من بلدان المسلمين مُطَالِبةً بالحياة الكريمة، ولكن هل بعد زوال ظالم أو أكثر ينتهي كل شيء؟ بالطبع لا فكما تقدم في الشهر الماضي فإن إن لم يرجع الناس إلى دين الله، قد يخلف الظلم مثله أو شرٌّ منه كما هو مشاهد في كثير من البلاد الإسلامية، لذا لا بد من توبةٍ صادقة، وعودة إلى الله خالصة ليرفع الله البلاء، ويكشف الغُمة.

(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [الأعراف: 96] فحذار من أن يحل بنا آخر الآية، والضمانة من الهلاك هي وجود المصلحين المؤثرين في الأمة: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ) [هود: 117].

لذا كانت هذه السلسلة تحت عنوان: "الانحرافات العقدية والعملية في الأمة" التي نبدأها في هذه الخطبة تحت عنوان "حصر الدين في الشعائر التعبدية".

أولاً: معنى العبادة في القرآن:

(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56] فالنفي والاستثناء هما من أقوى صور الحصر والقصر في اللغة؛ فالدين كله داخل في العبادة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في تعريفه للعبادة أنها: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة"[1] اهـ.

فالعبادة هي دعوة الرسل من لدن نوح إلى نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- ، كما قال كل من نوح وهود وصالح وشعيب لأقوامهم: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [الأعراف من الآية: 59، 65، 73، 85].

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 25]

ولا نستطيع أن نفهم هذه الآيات وغيرها حق الفهم ما لم نفسر العبادة بمعناها الشامل الذي أراده الله -عز وجل-، وهي أن تشمل كل نشاط في حياة الإنسان (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام: 162، 163].

إن الشعائر التعبدية لا يمكن بداهة أن تكون هي كل العبادة المطلوبة منا وإلا فكيف سنطبق الآية وأننا ما خلقنا إلا للعبادة؟

كم تستغرق الشعائر التعبدية منا؟

الصلاة: لا تزيد في اليوم عن ساعتين ونص على الأكثر.

الزكاة: مرة كل عام.

الصوم: شهر في العام.

الحج: مرة في العمر.

إذن أين ننفق بقية أوقاتنا، لذا لابد أن يتسع عندنا فهم معنى العبادة، وأنها تشمل كل حركة أو سكنة في حياتنا، وهذا يؤكده عنصرنا الثاني.

ثانيًا: معنى العبادة في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم-:

هذا المعنى المذكور في القرآن هو الذي سار عليه الرسول -صلى الله عليه وسلم- في حياته كلها، وعمل به إلى حين لقائه بالرفيق الأعلى عملاً بقوله: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) [الحجر: 99].

لذا نعته الله بالعبودية في أكمل أحواله فقال في الإسراء: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) [الإسراء من الآية: 1].

مثاله: المدينة النبوية بعد الهجرة إليها:

1) البناء الإيماني؛ ومثاله: (المسجد النبوي، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار).

2) تنظيم شعب الدولة الإسلامية؛ ومثاله: (كتابته -صلى الله عليه وسلم- كتابًا يُنظم فيه شعب المدينة، ويقرر الحقوق والواجبات لكل من فئات الشعب)[2].

3) بناء الاقتصاد الإسلامي؛ مثاله: (لما وصل النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة وجد اليهود مسيطرين على الاقتصاد المدني وسوق بني قينقاع هي السوق المقصودة والمعتمدة عند الناس، على الرغم من تحكم اليهود في الناس واحتكار السلع، استغلال حاجة الناس.

وإزاء هذا الوضع قرر النبي -صلى الله عليه وسلم- إقامة سوق أخرى تعاملها وفق المنهج الإسلامي، فأقبل الناس عليها وهجروا سوق اليهود، وهكذا سيطر المسلمون على اقتصاد المدينة)[3].

فإن قال قائل: هذا النبي -صلى الله عليه وسلم- فكيف نكون مثله؟

الجواب: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [الأحزاب: 21].

وقد ترك لنا النبي -صلى الله عليه وسلم- ما نهتدي به من كتاب وسنة تشمل سائر مناحي حياتنا، ومن أمثلتها:

عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ، عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ((إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا أَنْفَقَ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةً وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً))[4].

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: ((التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ))[5].

عن أَنَس بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ((إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ))[6].

من أعظم دروس هذا الحديث:

"لا يأس مع الحياة".

أليس الطبيعي والهول المهول على الأبواب أن ينسلخ الناس من كل وشيجة تربطهم بالأرض، ويتطلعوا في رهبة الخائف وذهول المرتجف إلى قيام اليوم الذي تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد؟!

فإذا قال لهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- : لا تقفوا مذهولين مرجوفين مرعوبين، ولكن توجهوا إلى الله أن ينقذكم من هذا الكرب العظيم، أخلصوا له الدعاء فهو قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه. ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. هلموا تطهروا، وصلوا إلى الله خاشعين.

إذا قال لهم الرسول ذلك وضع البلسم الشافي على الأرواح المكلومة. وقد وضع يده الحانية يربت بها على النفوس المهتزة المزلزلة الراجفة فتطمئن. وقد فتح الكوة التي يطل منها على القلوب المكفهرة المذعورة بصيص الأمل والأمن والرجاء.

ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يقل شيئاً من ذلك كله الذي توقعه السامعون.

بل قال لهم أغرب ما يمكن أن يخطر على قلب بشر!

قال لهم: إن كان بيد أحدكم فسيلة فاستطاع أن يغرسها قبل أن تقوم الساعة فليغرسها.. فله بذلك أجر!

يا ألله! يغرسها؟! وما هي؟ فسيلة النخل التي لا تثمر إلا بعد سنين؟ والقيامة في طريقها إلى أن تقوم؟ وعن يقين؟![7]

وقفة: ما أحوجنا إلى هذه العبرة في ظل ما تمر به بلادنا من محنة، فلا ينبغي أن نتوقَّف عند حدثٍ مهما عظم، ونترك ما بأيدينا ونقول: ماذا نعمل؟

نحن على هذا لن نعمل أبدًا، ولن نُفلِح أبدًا، وعلى هذا فعِنْدَ كلِّ حدثٍ نقول: كلُّ قائمٍ على ثغرةٍ فليعلم أنَّه في عُمق المعركة، فاللهَ اللهَ أن يُؤتَى الإسلام من ثغرته.

الأبُ في بيته على ثغرة، والأم كذلك، الخطيبُ والإمام في مسجِدِه على ثغرة، العالِم والمُربِّي في حلقتِه ومدرستِه وجامعته على ثغرة، التاجر بِماله على ثغرة، صاحبُ الرأي برأيه على ثغرة، العالمُ على ثغرة، المُرابِطُ على ثغرة، كلُّ مسؤولٍ على ثغرة.

ثالثًا: معنى العبادة في حياة الصحابة -رضي الله عنهم-:

من طالع سير الصحابة -رضي الله عنهم- وقرأ تراجمهم عرف أن حياتهم كانت كلها عبادة لله -عز وجل-، ومن الأمثلة على ذلك:

قَالَ معاذ مخبرًا عن نفسه: "أَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَأَقُومُ وَقَدْ قَضَيْتُ جُزْئِي مِنْ النَّوْمِ، فَأَقْرَأُ مَا كَتَبَ اللَّهُ لِي، فَأَحْتَسِبُ نَوْمَتِي كَمَا أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي"[8].

عن الحارث بن لقيط قال: " كان الرجل منا تنتج فرسه فينحرها فيقول: أنا أعيش حتى أركب هذه فجاءنا كتاب عمر أن أصلحوا ما رزقكم الله فإن في الأمر تنفسًا"[9].

لذا قال ابن القيم - رحمه الله تعالى -: "أفضل العبادة: العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته.

فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد، وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار؛ بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن.

والأفضل في وقت حضور الضيف مثلا: القيام بحقه، والاشتغال به عن الورد المستحب، وكذلك في أداء حق الزوجة والأهل...." وهكذا.[10] اهـ.

رابعًا: بدء حصر معنى العبادة:

أخذ معنى العبادة ينحصر تدريجيًا مع توالي القرون حتى وصل إلى أن أصبح في ذهن المسلمين –إلا من رحم الله- أنه الشعائر التعبدية فحسب.

وقد أدى هذا الانحصار لفهم معنى العبادة إلى سلبيات عديدة منها:

(1) أداء الشعائر التعبدية بصورة تقليدية:

عندما عُزلت الشعائر التعبدية عن بقية جوانب العبادة الأخرى فقدت دورها في تقويم الإنسان، فالصلاة التي يخبر عنها الله بقوله: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت من الآية: 45]، لم تعد ذات أثر واقعي في حياة من يؤديها إلا من رحم الله، فمثلاً: ربما تجد الرجل يصلي ويخلف الوعد، أو يختلس من عمله، أو لا يحافظ على النظافة، إذا نظرنا إلى الشرع وجدنا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ((الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا: قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ))[11].

(2) تهاون الناس في بقية العبادات الأخرى:

إذ أصبحت عند الناس ليست من العبادة في شيء، فتجد المسلمين يقيمون الشعائر التعبدية، ثم إذا خرجوا من المسجد فلا علاقة للدين بحياتهم وتلك هي "خدعة العلمانية" فصل الدين عن الحياة.[12]

أمثلة:

(الربا) عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- : ((رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ، فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ، وَعَلَى وَسَطِ النَّهَرِ رَجُلٌ، بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا))[13].

(فصل الدين عن السياسة) (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) [المائدة من الآية: 48].

الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده وأخبر أنه لا يقبل من أحد سواه (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) [آل عمران من الآية: 19].

(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران].

ومنع الله أهل الإسلام من اتباع شيء غير شريعته (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) [الأعراف: 3].

وهذا يعني أن الشريعة وافية بجميع الأحكام التي يحتاجها الناس، وأنها تنظم جميع شؤون حياتهم، وإلا لما أحال الله عليها وحرم اتباع غيرها.

والأقضية والأحكام التي يحتاجها الناس أعم من الشعائر التعبدية كالصلاة والزكاة والصوم والحج، بل تنظم أمور الحياة كلها من سياسة واقتصاد واجتماع وغير ذلك. فكيف ينكر شمول الدين للسياسة وحكمه فيها وخضوعها له؟!

ومن تأمل القرآن والسنة اللذين هما أصل هذه الشريعة رأى شمولها لجميع ما ذكر (كتب وأبواب الفقه).

(الحرية) حرية الكلام ليست مطلقة - حتى عند دعاتها - بل مقيدة بأمور، منها:

• القانون.

ومن العجب أن ترى اجتماع دول الغرب على تجريم من يشكك في محرقة اليهود، بل يحاكمون من يثبتها لكن يشكك في أرقام قتلاها! دون أن يسمحوا لأهل التاريخ، ولأهل الفكر، أن يبحثوا القضية، ويتم مناقشتها وفق الأدلة والبراهين، ولا يزال بعض الكتَّاب والمفكرين قابعين في سجون تلك البلدان بسبب موقفهم من ثبوت المحرقة، أو موقفهم من المبالغة في عدد قتلاها من اليهود.

• ومنها: العرف، والذوق العام، والاصطدام بحرية الآخرين.

الإسلام لا يمنع الناس من التعبير عن آرائهم.

فلنا أن نعبر عن رأينا فيما يجري حولنا في السياسة والاقتصاد، والمسائل الاجتماعية، ولا يمنع من الكلام في نقد الأخطاء، ونصح المخطئين، وكل ذلك ينبغي أن يكون مقيَّدًا بشروط الشرع، وآدابه، فلا اتهام للأبرياء، ولا قذف للأعراض، ولا تطاول على الدِّين الإسلامي وشرائعه وغير ذلك مما هو معروف من أحكام الشرع التي تضبط هذه المسائل.

وقد وجدنا أن أكثر أصحاب دعاوى حرية الكلام مقصدهم من ذلك: حرية التطاول على الدِّين الإسلامي، مثاله: ما قاله أحدهم في حق الله تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيراً:

قال: "... والجحيم دحرجتَ روح فلان، يا أيها الإله كم أنت قاسٍ موحش يا أيها الإله"[14] اهـ.

والحاصل: أننا - نحن المسلمين - عندنا ما يسمى بـ "حرية الرأي" أو "حرية التعبير" ولكن في دائرة الخضوع لحكم الله تعالى، فلا تجاوز لحدوده (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [البقرة من الآية: 229]، فمن تكلم بالحق وجب أن يعان، ومن تكلم بالباطل وجب أن يمنع.

نسأل الله أن يُقِرَّ أعيُنَنَا بنَصْرِ دينِهِ، والتَّمكينِ لأوليائِهِ، وأن يجعَلَنا من قومٍ يُحبُّهُم ويُحبُّونَهُ.

والحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وسبحانَكَ اللهمَّ وبحمدِكَ، أشهدُ أن لا إله إلا أنت، أستغفرُكَ وأتوبُ إليكَ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] العبودية صـ 20.

[2] انظر: السيرة النبوية دراسة تحليلية، لمحمد عبد القادر أبو فارس صـ 299-300.

[3] انظر: فتوح البلدان صـ 128.

[4] متفق عليه: أخرجه البخاري (55) ومسلم (1002).

[5] أخرجه الترمذي (1209) والدارمي (2539) وقال الترمذي: حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في المستدرك على المجموع (1/ 163): إسناده جيد، وكذا قال ابن مفلح في الآداب الشرعية (2/ 231).

[6] أخرج أحمد (12981)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (4/ 66): رجاله أثبات ثقات، وقال العيني في عمدة القاري (12/ 219): إسناده حسن.

[7] قبسات من الرسول -صلى الله عليه وسلم- الحديث الأول، وليراجع ففيه العديد من الدروس التربوية المستفادة من هذا الحديث.

[8] أخرجه البخاري (4342).

[9] أخرجه البخاري في الأدب المفرد (478)، وصححه الألباني في صيح الأدب المفرد، وانظر: السلسلة الصحيحة (1/ 38).

[10] مدارج السالكين (1/ 88).

[11] متفق عليه: أخرجه البخاري (9)، ومسلم (35).

[12] حاول أعداء الإسلام إبعاد الناس عن الإسلام بصورة مباشرة ففشلوا، فلجأوا إلى طريقة أخبث وهي إقامة أنظمة تتزيا بزي الإسلام، وتتمسح في عقيدته نظريًا، أما ما وراء ذلك من شؤون الحياة فمرده -بزعمهم- إلى إرادة الأمة الحرة الطليقة التي لا تقبل سلطانًا من أحد. وكانت هذه هي خدعة "العلمانية"، فالمدلول الصحيح لكلمة العلمانية هو: فصل الدين عن الدولة، أو هو: إقامة الحياة على غير الدين سواء بالنسبة للفرد أو الأمة.

[13] متفق عليه: أخرجه البخاري (2085)، ومسلم (2275).

[14] ديوان الناس في بلادي صـ 29 لصلاح عبد الصبور المصري زعيم الحداثيين العرب، ورائد المبدعين عندهم.

*
*
*
*
قم بإدخال الرموز التي في الصورة